ابني

أنا متأكدة إن الصورة دي عمرها ما كانت عندي.
قلبت الصفحة بسرعة.
لقيت صورة تانية…
أنا وابني.
في عيد ميلاده السادس.
الصورة دي كمان اختفت من البيت بعد الحادث، وفضلت أدور عليها شهور.
بصيت لنهى وقلت
إزاي الصور دي هنا؟!
وقبل ما حد يرد…
لقينا ظرفًا صغيرًا وقع من بين صفحات الألبوم.
كان مكتوب عليه بخط الأستاذ محمود
هذه الصور أخذها ابنك بنفسه قبل الحادث بأيام، وقال احتفظ بيها مع الأمانة… ولما أمي تستلمها، قولها متزعلش إني أخدتها من غير إذنها، كنت عايز أعملها مفاجأة.
ابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة من خمس سنين…
حسيت إن جزءًا من ابني رجع إليّ.
لكن بينما كنا نجمع الأوراق…
لاحظ آدم شيئًا غريبًا في آخر الغرفة.
كان هناك درج خشبي صغير، نصف مفتوح.
اقترب منه بهدوء، ثم ناداني
أبلة… هو ده كان مقفول ليه؟
ولما فتحنا الدرج بالكامل…
وجدنا بداخله مفكرة جلدية سوداء، وعلى أول صفحة منها مكتوب بخط ابني
يومياتي… ممنوع أي حد يقرأها إلا أمي شهقت، ومددت إيدي ناحية المفكرة.
كانت قديمة شوية، لكن واضح إنها كانت متحافظ عليها كويس.
لمست الغلاف بإيدي، وكأني بلمس إيد ابني.
فضلت ثواني مش قادرة أفتحها.
نهى حطت إيدها على كتفي وقالت بهدوء
اقريها… دي كانت أمنيته.
فتحت أول صفحة.
كان كاتب في أولها
لو أمي بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مش موجود قدامها… بس أتمنى لما تخلص، تبتسم، ومتعيطش.
دموعي نزلت غصب عني.
قلبت الصفحة.
كان بيكتب عن أيامه العادية…
عن الجامعة…
وأصحابه…
وأحلامه.
وفي كل كام صفحة، كان يكتب سطرًا عني.
أمي بتتعب أوي… ولازم أخليها ترتاح.
نفسي أجيب لها بيت أكبر.
كل ما أكبر، بحس قد إيه هي ضحت عشاني.
كل كلمة كانت بتوجعني، وفي نفس الوقت بتطمني إن ابني
—
عاش وهو راضي عني.
لحد ما وصلت لآخر عشر صفحات.
الكتابة اختلفت.
بقت أسرع، وكأنها مكتوبة على استعجال.
وكان أول سطر فيها
النهارده قابلت الأستاذ محمود للمرة التانية.
كملت القراءة.
سلمني الأمانة، وحكالي حكاية طويلة عن العيلة، وطلب مني أوصلها لأمي. وافقته، لكن طلبت منه حاجة.
استغربت.
إيه اللي طلبه؟
قلبت الصفحة.
قلت له… لو حصلي أي حاجة قبل ما أوصلها، أوعدني إنك متسيبش أمي لوحدها، وإنك توصلها كل حاجة بنفسك.
بصيت للخاتم الفضي.
افتكرت الراجل العجوز.
إذن هو كان بينفذ الوعد…
حتى آخر يوم في عمره.
وقبل آخر صفحة، لقيت جيبًا صغيرًا معمول في المفكرة.
دخلت إيدي فيه.
طلعت بطاقة ذاكرة إلكترونية صغيرة جدًا.
نظرنا لبعض باستغراب.
جوز نهى قال
دي كارت ميموري.
كان جنبه ورقة صغيرة مكتوب فيها
فيها حاجة مهمة… لكن متتشافش إلا في المكان اللي اتصورت فيه.
سألت نهى
هو يقصد إيه؟
هزت رأسها.
لكن آدم، اللي كان ساكت طول الوقت، رفع رأسه فجأة وقال
البحر.
بصيناله كلنا.
قلت
ليه البحر؟
قال بثقة غريبة
هو كان ماسك الكاميرا هناك… وأنا شايف الصخور الكبيرة.
اتسعت عيني.
لأن آخر رحلة خرجها ابني قبل الحادث…
كانت فعلًا إلى البحر.
ولم يكن يعرف ذلك… إلا أنا فضلت أبص لآدم ثواني من غير ما أتكلم.
قلت بهدوء
يا آدم… مين قالك إنه كان عند البحر؟
هز كتفيه وقال ببراءة
محدش… بس أول ما شوفت الكارت حسيت بكده.
نهى احتضنته وقالت
يمكن افتكر صورة شافها في البيت.
لكنها كانت عارفة زيي إن آدم عمره ما شاف صور رحلة البحر.
كل الصور كانت معايا… أو هكذا كنت أعتقد.
تاني يوم الصبح، أخدت كارت الذاكرة، وروحنا كلنا للشاطئ اللي كان ابني راحه آخر مرة.
المكان اتغير شوية عن زمان، لكن الصخور الكبيرة كانت لسه زي ما هي.
وقفت أبص للبحر.
نفس الموج…
نفس الهوا…
كأن خمس سنين معدوش.
طلعت الكارت من جيبي.
كان معانا لابتوب صغير، لكن افتكرت الجملة اللي كتبها ابني
متتشافش إلا في المكان اللي اتصورت فيه.
فقلت
هنشغله هنا.
ركبنا الكارت.
أول ما اتفتح، ظهر ملف فيديو واحد.
اسمه
لأمي.
دموعي نزلت قبل حتى ما أشغله.
ضغطت تشغيل.
ظهر ابني على الشاشة، واقف قدام البحر، والهوا بيحرك شعره.
ابتسم للكاميرا وقال
لو الفيديو ده اشتغل… يبقى الأستاذ محمود وفّى بوعده.
سكت ثانية، ثم ضحك ضحكته اللي وحشتني.
أمي… أول حاجة، متزعليش. أنا عارف إنك هتعيطي، بس كملي للآخر.
فضلت أسمع وأنا مش قادرة أرفع عيني من الشاشة.
قال
أنا صورت الفيديو ده عشان الأمانة، بس كمان عشان أقولك حاجة كنت دايمًا بكسف أقولها وش.
ابتسم وقال
أنا فخور إني ابنك.
انهرت في البكاء.
نهى كانت بتمسح دموعها هي كمان.
ثم أكمل
لو وصلتي لحد هنا، يبقى أكيد فتحتي الصندوق. الأوراق اللي جواه مهمة للعيلة، لكن في حاجة أهم.
مد إيده ناحية الكاميرا، وطلع صورة صغيرة.
كانت صورة جماعية للعيلة كلها في عيد قديم.
وأشار إلى طفل صغير واقف في آخر الصف.
وقال
الولد ده… هو مفتاح حكاية كاملة. محدش بيسأل عنه، مع إنه كان سبب إن العيلة تفضل متماسكة سنين.
قرب الصورة من الكاميرا، لكن الرياح قلبتها بسرعة، وما ظهرش وش الطفل بوضوح.
قال
اسألي الأستاذ محمود عنه… هو الوحيد اللي يعرف.
انتهى الفيديو.
ساد الصمت.
بصيت لنهى.
هي بصتلي بحزن، وقالت
بس الأستاذ محمود… توفى.
وفي اللحظة دي، افتكر جوز نهى حاجة.
قال بسرعة
استنوا… زوجة الأستاذ محمود قالتلي وهي بتدينا الدفتر إن فيه صندوق صغير في مكتبه، وقالت إنها مفتحتوش لأنه كان كاتب عليه لا يُفتح إلا بعد مشاهدة الفيديو.
نظرنا إلى بعضنا في ذهول.
إذن…
الأستاذ محمود كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي، ورتب كل شيء قبل وفاته رجعنا من البحر وإحنا ولا واحد فينا نطق بكلمة.
كل واحد كان غرقان في أفكاره.
وصلنا بيت الأستاذ محمود قبل المغرب، واستقبلتنا زوجته أول ما شافتنا.
بصت في وشوشنا وقالت بهدوء
يبقى شفتوا الفيديو.
استغربت وقلت
حضرتك عرفتي منين؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
لأنه كان قايللي… هييجوا تاني، ولما يرجعوا افتحي لهم المكتب.
دخلتنا أوضة صغيرة في آخر البيت.
كانت مليانة كتب وملفات، وكل حاجة فيها مترتبة بدقة.
أشارت إلى درج خشبي وقالت
الصندوق هناك.
فتحنا الدرج.
كان فيه صندوق صغير من خشب الجوز، وعليه ورقة مكتوب فيها
بعد مشاهدة الفيديو فقط.
المفتاح الذهبي دخل فيه بسهولة.
ولما فتحناه…
لقينا ملف واحد، ومعاه كاسيت تسجيل قديم.
وتحته جهاز تشغيل صغير للشريط.
قالت زوجة الأستاذ محمود
كان محتفظ بيه مخصوص.
ركبنا الشريط.
وبعد ثوانٍ، اشتغل صوت الأستاذ محمود.
كان صوته هاديًا ومتعبًا.
قال
لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا خلاص سبت الدنيا.
سكت لحظة، ثم أكمل
أنا كنت مجرد أمين للأمانة… لكن الحقيقة الكاملة مكتبتهاش في الورق، لأن فيها مشاعر أكتر من إنها تتحط في ملفات.
أخذ نفسًا عميقًا.
من أكتر من خمسة وعشرين سنة، اتفرقت العيلة بسبب سوء تفاهم كبير. كل واحد افتكر إن التاني ظلمه، والكل بعد عن الكل.
ثم قال
لكن أكتر واحد تعب عشان يجمعكم من جديد… كان ابنها.
ضممت المفكرة إلى صدري.
أكمل التسجيل
لما عرف القصة، كان كل ما يقابلني يقولي مش عايز العيلة تفضل متفرقة. نفسي أمي تشوف الكل مجتمع قبل ما تكبر.
دموعي نزلت من جديد.
ثم قال
وعشان كده، بدأ يجمع الصور القديمة، والعقود، والرسائل، ويرتبها بنفسه.
نهى همست
عشان كده كانت الصور بتختفي…
أومأت وأنا أبكي.
لكن الأستاذ محمود قال بعدها جملة خلتنا كلنا نسكت.
في الملف هتلاقوا رسالة واحدة مقفولة.
فتحنا الملف بسرعة.
وفعلًا…
كان فيه ظرف أبيض، مكتوب عليه
يُفتح بعد اكتمال جمع أفراد العائلة.
بصينا لبعض.
العيلة لسه مش كلها موجودة.
لسه فيه أفراد منعرفش مكانهم، وفيه ناس منقطعة أخبارهم من سنين.
فهمت ساعتها إن رحلة ابني ما كانتش مجرد توصيل أمانة…
كانت بداية طريق طويل، هو كان







