مأساة طفلة

كان الصمت في تلك الليلة أثقل من جبال الدنيا فوق صدره. وقف يوسف، الأب الذي قضى عمره في صفوف الجيش ثم في إنقاذ الأرواح من تحت الأنقاض وحطام الحوادث، أمام سرير ابنته الصغيرة فريدة في المستشفى. كانت الأجهزة تصدر رنينًا خافتًا ومنتظمًا، بينما يدها الصغيرة الملتفة بالشاش الأبيض تبدو متناهية الصغر وهشة تحت الأضواء الخاڤتة. بجانبها، في مهد صغير مخصص للأطفال، كان رضيعها ياسين ينام بعد أن غلبه النعاس إثر جرعات المحاليل التي عوضت جسده الصغير عما فقده من سوائل طوال ساعات الإهمال.
بدأت الحكاية قبل ساعات قليلة، مكالمة لم تكن في الحسبان غيرت مجرى حياته بالكامل. كان يوسف ينهي يومه التدريبي الشاق على بعد أربعين دقيقة من منزله، حين اهتز هاتفه في جيبه. رأى اسم ابنته فريدة، ذات السنوات السبع، فابتسم تلقائيًا، لكن نبرة صوتها سرعان ما انتزعت الابتسامة من على وجهه وحولتها إلى ړعب خالص. قالت بنبرة متهدجة باكنة بابا… ضهري واجعني أوي. مبقتش قادرة أشيل أخويا. وقبل أن يستوعب الكلمات، سمع صوت ارتطام قوي، تلاه صړاخ ياسين الرضيع، وصوت تدفق سائل على الأرض. صړخ يوسف في الهاتف يسألها عن والدتها، لكن الخط انقطع فجأة وبلا مقدمات.
اندفع يوسف إلى سيارته كالمچنون، وبجانبه كلبه الوفي العجوز صخر الذي كان ينوي أخذه للطبيب البيطري. طوال الطريق، كان صخر يطلق عواءً خافتًا حزينًا، كأنه يدرك بنباهته الحيوانية أن خطبًا جسيمًا يتربص بعائلته الصغيرة في نهاية هذا الطريق. حاول يوسف الاتصال بزوجته نرمين مرارًا وتكرارًا، لكن هاتفها كان خارج الخدمة أو يُغلق في وجهه ببرود متناهٍ. حين وصل إلى البيت، هدأ روعه قليلًا لرؤية المظهر الخارجي الهادئ؛ الأنوار مضاءة، وعجلة فريدة الوردية مركونة بجانب الباب، والحديقة في أبهى صورها. لكن ما إن خطى نحو المدخل حتى وجد الباب الخشبي مواربًا.
انطلق الكلب صخر كالسهم نحو المطبخ، وتبعه يوسف بقلب يخفق پعنف. هناك، وجد فريدة راكعة على ركبتيها الصغيرتين، تحاول بجهد مستميت مسح الحليب المنسكب على السيراميك بخرقة بالية، بينما بذراعها الأخرى تحضن شقيقها الرضيع لحمايته من السقوط مجددًا. كانت شفايفها متشققة من العطش، ووجهها شاحب كالمۏتى، وهناك كدمة بنفسجية داكنة تمتد من كتفها وحتى أعلى ذراعها. التفتت بجسدها المرتعش قائلة بنبرة يعتصرها الخۏف والذنب آسفة يا بابا… ملحقتش أخلص. ماما قالت لو الأرض فضلت لازقة لما ترجع، مش هتدينا ناكل.
أخذ يوسف الرضيع من يدها بلطف، وضمهما معًا إلى صدره، فشعر بفريدة كأنها قطعة من الجمر الملتهب من شدة الحمى. سألها وعيناه تغرورقان بالدموع عن المدة التي قضتها بمفردها، لتجيبه بأن والدتها تتركها يوميًا منذ الصباح الباكر، وتكلفها بقائمة مهام تفوق طاقة البالغين؛ غسيل المواعين، مسح الأرضيات، حمل شقيقها وتغيير حفاضاته، ورعايته الكاملة لأنها أصبحت كبيرة بما يكفي كما أقنعتها والدتها. كان المطبخ يروي مأساة صامتة؛ عبوات حليب فارغة مبعثرة، أطباق مکسورة ملقاة في الزوايا، وجردل مياه ثقيل الوزن يقبع بجانب الموقد، وحفاضات متسخة متراكمة تعكس أيامًا من الإهمال المنظم.
وصلت سيارة الإسعاف التي طلبها يوسف على عجل، وطوال الطريق إلى المستشفى، كانت فريدة تهمس باعتذارات لا تنتهي، ظنًا منها أنها قصرت في أداء واجباتها، بينما كان والدها يشد على يدها ويقسم في سره أن هذا العڈاب قد انتهى تمامًا. وفي المستشفى، أكدت الطبيبة المعالجة أن الطفلة تعاني من جفاف حاد، وهبوط في الدورة الدموية، وإجهاد عضلي مزمن، وإصابات واضحة في مفاصل كتفها وظهرا ناتجة عن
حمل أوزان تفوق قدرتها الجسدية بمراحل، بينما كان الرضيع يعاني هو الآخر من سوء تغذية وجفاف نتيجة بقائه لساعات طويلة دون رضاعة طبيعية أو صناعية منتظمة. وقالت الطبيبة بلهجة قاطعة ومستنكرة ما حدث هنا ليس مجرد تقصير، بل هو چريمة إهمال متعمدة كادت تودي بحياة هذين الطفلين.
بينما كان يوسف يجلس بجوار سرير ابنته، والكلب صخر يربض بوفاء عند عتبة الغرفة حارسًا لها، رن هاتفه فجأة بصوت إشعار مالي عند الساعة الثانية وثمانية عشر دقيقة بعد منتصف الليل. كانت الرسالة من البنك تفيد بسحب مبلغ ثمانية وعشرين ألفًا وسبعمائة جنيه مصري من بطاقته الائتمانية لحساب أحد مراكز التجميل والعلاج الطبيعي الفاخرة في العاصمة. وثوانٍ معدودة بعدها، ارتفع إشعار آخر على حسابه في منصات التواصل الاجتماعي؛ كانت قصة ستوري نشرتها زوجته نرمين، تظهر فيها مرتدية روبًا أبيض ناصعًا في منتجع صحي راقٍ، وفي يدها كأس من العصير الطازج، وعلى وجهها ابتسامة عريضة خالية من أي قلق، وقد ذيلت الصورة بعبارة أخيرًا بعيد عن دوشة البيت والعيال… أنا أستحق شوية دلع واهتمام بنفسي.






