Uncategorized

كرسي متحرك

جوزي اللي شالني على كفوف الراحة ٥ سنين بعد حادثة خلتني مشلولة فجأة صمم ننام كل واحد فينا في أوضة نوم منفصلة بحجة انه عايز حرية أكتر”! 💔
​بدأت أسمع أصوات غريبة ودوشة وخبط كل ليلة جي من اوضتة .. خيالاتي أخدتني لأصعب سيناريو ممكن تتخيله أي ست في مكاني، وبدأت أقتنع إنه بيجهز لحياته الجديدة بعيد عني.
​لحد الليلة اللي قررت فيها أواجه خوفي وأفتح باب الأوضة اللي بقاله فترة قافله في وشي.. واللي شوفته جوه خلاني أقف مصدومة وأعيط من غير صوت! 😭
​من خمس سنين، حادثة عربية قلبت حياتي ١٨٠ درجة. في لحظة كنت ست بتمشي جنب جوزها، بنرقص في المطبخ، بنخلص مشاويرنا من غير تفكير، وبنخطط لفسح نهاية الأسبوع واللحظة اللي بعدها، لقيت نفسي فايقة في سرير المستشفى، مش حاسة برجلي خالص.
​كنت مشلولة من وسطي لتحت.
​الدكاترة قالولي إن الضربة كانت قوية ومأثرة على الحبل الشوكي بطريقة صعبة الوصف.
​بس “أحمد” مسابنيش لحظة.
​اتعلم إزاي يشيل الكرسي بتاعي ويدخله العربية. ساعدني وعلمني إزاي أنقل نفسي من السرير للكرسي من غير ما يحسسني بقلة حيلة. غير ديكورات البيت كله عشاني – عمل منحدرات في البيت اقدر امشي بيها بالكرسي ، ووطى الأرفف، ووسع الممرات. كان بيحضني في الليالي اللي كنت بصرخ فيها من وجع الدنيا.
​الناس كلها كانت بتقولي: “يا بختك، فين هتلاقي راجل زيه؟”.
​بس من فترة قريبة، رماني بقنبلة: “أنا شايف إننا لازم ننام في أوض منفصلة، محتاج حرية أكتر وأنا نايم”.
#انجي_الخطيب
​حرية.
​الكلمة دي وجعتني أكتر من وجع الشلل نفسه.
​حرية من إيه؟
​مني أنا؟
​من الكرسي اللي مركون جنب السرير؟ من الطريقة اللي كان بيتحرك بيها بحذر حواليا؟ من الليالي اللي كنت بحتاجه فيها؟ من الحياة اللي هو مكنش عايزها بس اتجبر يعيشها عشاني؟
​بلعت أسئلتي وسكتت لأني كنت مرعوبة من الإجابة.
​همست بصوت مخنوق: “أنا عملت حاجة ضايقتك؟”.
​أحمد وقف مكانه.
​ملامحه اتغيرت بسرعة: “لا يا نادية، لا طبعاً”.
​”أومال حاسة ليه إنك بتبعد عني؟”.
​قرب ولمس إيدي، بس حتى اللمسة دي كان فيها حاجة غريبة.
​قال: “أنا مش هسيبك، أنا بس هنام في أوضة الضيوف”.
​بس.
​كأن الكلمة الصغيرة دي كفيلة تزود الوجع…
​في الليلة دي، نمت لوحدي في سريرنا لأول مرة من سنين.
​جنبي في السرير كان فاضي وبارد.
​الأوضة كانت واسعة أوي وساكتة أوي. فضلت مستنية صوته المألوف وهو بيتقلب، ومستنية إيده تدور على إيدي في الضلمة، ونفسه المنتظم اللي كنت بنام على صوته.
​بس مكنش في حاجة.
​الصمت كان خانقني .
​في الأول، قلت لنفسي إني بوهم نفسي. يمكن فعلاً محتاج يرتاح، يمكن أنا اللي بقيت حساسة زيادة عن اللزوم. يمكن الحب بياخد شكل تاني بعد سنين من التعب والوجع والسهر يمكن دا حقة لانه تعب مني ومن مسؤليتي .
​بس بعد كدة بدأت أسمع الدوشة.
​في الأول، كان صوت “خربشة” خفيفة جاية من أوضة الضيوف اللي في آخر الطرقة.
​وبعدين خبط..
​وبعدين حاجة معدن وقعت على الأرض.
​اتسمرت في السرير، وعيني متعلقة في الضلمة.
​هو بيعمل إيه هناك؟
​ليلة ورا التانية، الدوشة مكملة.
​خربشة، شد، صوت شاكوش، ودندنة واطية مش قادرة أميزها.
​وكل صوت بيغذي الخوف اللي جوه قلبي.
​هل بيجهز شنطته حتة حتة؟
​هل بيخبي حاجة؟
​هل في واحدة تانية؟
​كنت بكرة نفسي وأنا بفكر كدة. أحمد عمره ما خلاني أشك فيه لحظة. بس الوحدة ممكن تسمم أطيب قلب في الدنيا. ولما الشخص اللي بتحبيه فجأة يقفل عليكي باب من حياته، عقلك بيبدأ ينسج قصص أوجع بكتير من الحقيقة.
​لحد ما في يوم، وهو برة البيت، عديت بالكرسي جنب أوضة الضيوف ووقفت.
​الباب كان مقفول.
​إيدي رعشت وأنا بمدها على المقبض.
​مقفول.
​التكة بتاعة القفل دي وجعت قلبي أكتر من أي دوشة سمعتها بالليل.
​هو مش مجرد نقل ينام في أوضة تانية.
​هو حبسني برة حياته.
​في العشا، مقدرتش أتحمل أكتر من كدة. بصيتله من الناحية التانية من السفرة وسألته السؤال اللي كان بيقطع في قلبي:
​”أحمد… أنت ناوي تسيبني؟”.
#انجي_الخطيب
​شوكته وقفت في نص الطريق لبقه.
​”نعم؟”.
​”أنت هتسيبني؟”.
​عينه وسعت من الصدمة: “يا نادية، إيه السؤال ده؟”.
​قلت وصوتي بيتشرخ: “أوض منفصلة، باب مقفول، ودوشة كل ليلة. أنا مش عايزاك تحس إنك محبوس بسببي”.
​لحظة، بان على وشه الألم.
​وبعدين بص بعيد وقال بهدوء: “أنا قولتلك، عايز أنام لوحدي، نومي مش مريح ومش عايز أضايقك”.
​بس هو نام جنبي ٥ سنين بعد الحادثة.
​إشمعنى دلوقتي بقت مشكلة؟
​في الليلة دي، الدوشة كانت أعلى من أي وقت.
​خربشة.
​خبطة تقيلة.
​وبعدين صوت أحمد المكتوم جاي من ورا الباب.
​قلبي كان بيدق لدرجة إني مش قادرة أخد نفسي.
يا تري بيعمل ابه…
ولية صوت الخبط دا.. بيجهز الاوضة لواحدة تانية وبيعملها ليا مفاجأة وبيحطني قدام الامر الواقع عشان انا مشلولة ومش هاقدر اقولة لا لان دا حقة كفاية استحملني خمس سنبن…
الافكار هتجنني بقيت هتجنن واعرف مخبي عليا ايه…
​سحبت نفسي على الكرسي، متجاهلة وجع جسمي، ومشيت في الطرقة.
​البيت كان ضلمة. وبابه كان موارب..
​المرة دي، الباب مكنش مقفول.
​حطيت إيدي على الأكرة.
​همست: “أحمد؟”.
​مفيش رد.
​زقيت الباب وفتحته.
​واللي شوفته جوه خلاني أغطي بوقي بإيدي وأنفجر في العياط…
انجي_الخطيب
الأوضة كانت غرقانة في ضلمة إلا من كشاف صغير فوق ترابيزة في نص الأوضة، نورها مسلط على حاجة فوق السرير اللي كان مفرود عليه عدّة نجارة، وأجهزة كهربائية صغيرة، وقطع خشب غريبة. أحمد كان قاعد على الأرض، ضهره ليا، ومنكبّ على حاجة بيصلحها بإيدين مرتعشة.
​بصيت كويس.. ده مش جهاز جديد، ولا شنطة سفر، ولا حتى ديكور لواحدة تانية. ده كان “جهاز المشي الميكانيكي” اللي كنت بحلم بيه من سنين، الجهاز اللي كان أملي الوحيد إني أقف تاني، بس كان غالي جداً ومستحيل مادياً نقدر عليه. كان مفككه حتت، بيحاول يركب المواتير بتاعته بنفسه، إيديه كانت متعورة، ووشه كان مليان عرق وتعب.
​حاولت أتحرك بالكرسي، صوت العجل على الأرض خلاه ينتفض ويلف وشه بسرعة. عينيه كانت حمرا ومجهدة، أول ما شافني، وشه اتخطف وبان عليه الرعب، قام وقف بسرعة وحاول يغطي الجهاز بملاية كبيرة، صوته كان متقطع وهو بيحاول يبتسم رغم التعب:
​نادية؟ إنتي إيه اللي جابك هنا يا حبيبتي؟ مش قولتلك إن المكان ده كله رايش وخشَب وهيضايقك؟
​بصيت للجهاز اللي متغطي بالملاية، وبصيت لإيديه اللي كلها جروح من المسامير، ودموعي نزلت من غير صوت، مش عياط حزن، ده كان عياط انكسار قلبي من ظني فيه. همست بصوت مهزوز:
​كنت بتخبي عني إيه يا أحمد؟ وليه كنت قافل الباب؟
​أحمد اتنهد، وقرب مني، مسح دموعي بإيد خشنة من كتر الشغل، وقال بصوت مليان حب ووجع:
​كنت خايف أقولك وتتعلّقي بالأمل، ولو الجهاز ده منفعلش ولا اشتغل بسببي، قلبك يتكسر تاني. بقالي شهور بذاكر ميكانيكا وأنا بصلحه، كنت بقفل الباب عشان لو فشلت متشوفينيش وأنا منهار، وعشان لما يخلص.. كنت عايز أعملك مفاجأة وأخليكي تقفي على رجلك يوم عيد ميلادك الشهر الجاي.
​بصيتله والكلمات واقفة في زوري، أنا اللي اتهمته بالخيانة، وأنا اللي ظنيت إنه زهق مني، وهو كان بيحاول يبيع روحه عشان يرجعني أمشي تاني، بيسرق من نومه عشان يشتريلي معجزة.
​قرب مني أكتر، نزل لمستواي، وحط راسه على حجري وبدأ يعيط لأول مرة شفته فيها من سنين:
​أنا مكنتش محتاج حرية يا نادية، أنا كنت محتاج أقدر أرجعلك كل حاجة خسرتيها، كنت بحاول أداري عجز إيدي إنها ترجعلك خطواتك، كنت بداري وشي منك عشان مكنتش قادر أشوف الوجع في عينيكي وإنتي باصة لرجلك.
​ضميته بإيدي اللي كانت بترتعش، ودفنت وشي في رقبته، ومن غير ولا كلمة، فهمت إن الحب مش بس اللي بيظهر في العلن، الحب الحقيقي هو اللي بيستخبى ورا الأبواب المقفولة، هو اللي بيتعب عشانك في الضلمة عشان لما تفتحي عينيكي الصبح، تلاقي نور جديد في حياتك.
…….
البيت كله كان غرقان في صمت مهيب، مفيش غير صوت شهقاتي اللي مكتومة في كتفه، وصوت نفسه العالي اللي كان بيحاول يهديه. فضلت ماسكة فيه كأني بحاول أسترد كل لحظة شك مريت بيها، كل فكرة وحشة لوثت خيالي في الأيام اللي فاتت.
​رفع راسه وبص في عيني، نظرة عيونه كانت مكسورة، مش نظرة الراجل اللي “زهق”، لكن نظرة الراجل اللي “شال كتير لوحده”. مسك إيدي وباسها، وبعدين قام وقف، وبحركة واحدة، شد الملاية اللي كان مغطي بيها الجهاز.
​الجهاز كان عبارة عن مزيج من معادن مستعملة، مواتير قديمة كان بيجمعها من الخردة، وأسلاك متوصلة ببعض بدقة عجيبة.. كان “ورشة أمل” في نص أوضة الضيوف.
​”نادية.. أنا عارف إن شكلي كان غريب، وعارف إني بَعدت، بس قسماً بالله ما كان فيه ست في الدنيا تقدر تاخد مكانك في قلبي، حتى لو كانت أصح مني وأقوى مني. أنا كنت بحارب بيكِ ولعلك، كنت بحاول ألاقي طريق يرجعك للحياة اللي بتستاهليها، حياة بعيد عن الكرسي وبعيد عن مساعَدتي.”
​بصيت للجهاز، وبصيت للمسامير اللي في إيديه، حسيت إني كنت عمياء. كنت شايفة “الخيانة” في خيالي، وهو كان بيحفر في الصخر عشان يهديني “المعجزة”.
​”أحمد.. أنت مش بس تعبت عشاني، أنت حرقت أعصابك ووجعت جسمك عشان تداري عجزنا سوا. أنا اللي أسفة، أسفة إني سمحت لخيالي يصورك في صورة تانية غير اللي أعرفها.”
​ابتسم ابتسامة باهتة، ومسح بإيده على شعري:
​”مش عايز أسف، أنا عايزك النهاردة.. النهاردة بس، تجربي تحطي رجلك على المسند ده. أنا جربته ميت مرة، ومحتاج حد يثق فيا زي ما أنا واثق فيكي.”
​بصتله، وفي اللحظة دي، ولأول مرة من ٥ سنين، مكنتش حاسة بالشفقة على نفسي. كنت حاسة بقوة غريبة، قوة مصدرها الراجل اللي واقف قدامي ده، اللي رغم كل التعب، مكنش بيبص لي كـ “شلل”، كان بيبص لي كـ “حلم” هو مصمم يحققه.
​اتحركت بالكرسي لحد ما وصلت للمسند، وبدأت أرفع رجلي ببطء، وأحمد كان بيسندني، إيديه كانت بتترعش من الخوف، مش من التعب. ولما رجلي لمست الجهاز لأول مرة، حسيت بشعور غريب، كهرباء خفيفة أو يمكن كان مجرد إحساس بأن قلبي لسه بيدق على الحياة.
​بصيتله وقلتله بصوت واثق لأول مرة:
​”كمله يا أحمد.. كمل الورشة دي، ونكملها سوا.”
​بص لي وابتسم، والمرة دي كانت ابتسامة خالية من الوجع، كانت ابتسامة اتنين مفيش قوة في الدنيا تقدر تفرقهم، لا حادثة، ولا كرسي، ولا حتى سنين من الوجع.
​هل يا ترى الجهاز ده هيكون بداية طريقنا للوقوف على رجلينا تاني؟
……..
أحمد مسك إيدي وباسها بلهفة وكأنه بيعتذر عن كل يوم عدى والباب كان مقفول بيننا، فجأة ملامحه اتغيرت ولقيته بيشاورلي على زرار صغير أحمر في جنب الجهاز، قالي بصوت فيه نبرة ترقب: “دي أهم مرحلة.. التوازن. أنا برمجت الموتور إنه يرفع وزنك تدريجياً، عشان مفاصلك اللي بقالها سنين مش بتتحرك متتعبش. مستعدة؟”
​قلبي كان بيدق زي الطبول، الخوف من الوقوع كان بيصارع الأمل في إني أقف، بصيت في عينيه ولقيت فيه إصرار يهد جبال، هزيت راسي بالموافقة، ضغط على الزرار.. سمعت صوت طنين الموتور وهو بيبدأ يشتغل، الجهاز بدأ يترفع ببطء شديد، شعرت بضغط في وسط جسمي، ضغط مكنتش حاسة بيه من سنين.
​”نادية.. بلاش تبصي لتحت، بصيلي أنا، ركزي في عيني” قالها وهو بيقرب مني وبيسند ظهري بكتفه القوي، كنت حاسة بكل حركة بيعملها عشان يوازن جسمي، مكنش مجرد جوز بيساعد مراته، كان بيتحرك وكأنه بيقدم صلاة لربنا عشان المعجزة تتم.
​وفجأة.. لقيت نفسي واقفة، مش كاملة، بس كنت ساندة على الجهاز، جسمي مفرود لأول مرة من خمس سنين، الهواء كان بيوصل لصدري بشكل مختلف، بصيت لإيدي اللي كانت ماسكة في إيده، لقيتها بتترعش من الفرحة، أحمد كان بيبكي بصمت، دموع الراجل لما بتنزل بتبقى أصدق من أي كلام في الدنيا.
​”أنا واقفة يا أحمد.. أنا واقفة” قلتها بصوت مسموع، هز رأسه وهو بيضحك وسط دموعه: “إنتي واقفة يا قلبي، وأنا كنت عارف.. كنت عارف إننا هنعدي منها.”
​في اللحظة دي، البيت اللي كان طول سنين الحادثة شاهد على عجزنا، اتحول فجأة لساحة انتصار. مسح دموعه بسرعة، وبدأ يوريني كل تفصيلة عملها في الجهاز، شرحلي إزاي خاف يقولي عشان لو فشل، كنت هفقد الروح اللي فاضلة فيا، وإزاي كان بيقضي ليالي طويلة يقرأ في كتب ميكانيكا وهندسة، وإيديه اللي كانت مليانة حروق من الكاوية اللي بيلحم بيها السلوك، وجروح من المسامير، كانت بالنسبة لي أوسمة شجاعة.
​”بكرة.. لما الشمس تطلع، مش هنقفل الباب تاني يا نادية، بكرة هنبدأ نتدرب على الخطوة الأولى.”
​سيبت إيدي من على الجهاز، وسندت بضهري عليه، وبصيت لأحمد اللي كان واقف قدامي، بيتنفس بصعوبة من كتر الفرحة والارهاق، حسيت إن السنين اللي راحت مش ضاعت، دي كانت مجرد امتحان لصبرنا، ولعمق الرابط اللي بيجمعنا.
​أحمد لف عشان يطفي الكشاف، ولقيته بيقول بهدوء: “عارفة يا نادية؟ الأوضة دي مكنتش أوضة ضيوف، ولا كانت أوضة حرية.. دي كانت أوضة الصبر، وأظن إننا أخيراً خلصنا امتحان الصبر، وبدأنا نعيش.”
​طلعت من الأوضة وأنا ساندة عليه، والخطوات اللي كنت بحلم بيها بقت مجرد مسافة وقت، والباب اللي كان مقفول، سيبناه مفتوح على آخره، عشان يدخل منه النور اللي كنا محرومين منه بقالنا سنين.. وبدأنا نجهز لأول خطوة حقيقية بكرة الصبح، خطوة هتمحي أثر الحادثة من حياتنا للأبد.
…….
تاني يوم الصبح، الشمس دخلت من شباك أوضة الضيوف وضربت في وشي، فتحت عيني ولقيت أحمد نايم على الكرسي الخشب الصغير اللي كان بيقعد عليه طول الليل، كان ماسك مفك في إيده وميل بجسمه وهو نايم.. ملامحه كانت مرهقة، بس كان فيه سلام غريب على وشه، سلام بتاع حد خلص مهمة مستحيلة.
​حاولت أتحرك من على السرير، وجسمي لسه مش متعود، بس كان فيه “طاقة” جديدة جوه عضمي. أحمد حس بحركتي، فاق مخضوض، أول ما عينيه جت في عيني ابتسم ابتسامة رقيقة ووقف بسرعة:
​”صباح الخير يا بطلة.. نمتي كويس؟”
​رديت عليه بابتسامة طالعة من قلبي:
​”أحلى نومة نمتها من ٥ سنين، يمكن عشان الباب مفتوح، والنور داخل بيطمن قلبي.”
​قرب مني وساعدني أقعد على حرف السرير، مسك إيدي وقال بصوت واثق:
​”النهاردة مش تدريب، النهاردة عهد. إحنا هنمشي، مش عشان خاطر الدكاترة قالوا، ولا عشان خاطر الناس، هنمشي عشان خاطر التعب اللي شوفناه سوا، وعشان نثبت لنفسنا إننا أقوى من أي قضاء وقدر.”
​سندني، وبدأت أعتمد على الجهاز اللي صممه، رجليه بدأت تلمس الأرض، الإحساس كان غريب، الأرض تحت رجلي كانت خشنة، واقعية، وحقيقية. أحمد كان بيتحرك معايا في كل مللي، بيحمي ظهري، وبيشجعني:
​”بصي قدامك يا نادية، متخليش عينك على رجلك، خلي عينك على بكره.”
​بدأت أحرك رجلي اليمين، بصعوبة، كأني بحرك جبل، بس لما اتحركت.. سمعت صوت سحبها على السجاد، أحمد ضحك ضحكة قوية، ضحكة فرحة من قلبه:
​”شوفتي؟ شوفتي يا نادية؟ دي الخطوة الأولى.. أول خطوة في طريق الرجوع.”
​ساعتها الدموع خانتني، بس المرة دي كانت دموع فرحة، مش دموع انكسار. بصيت لأحمد، الراجل اللي اختار يشيلني على كفوف الراحة ويشاركني عجزني، وقررت إني هكون قوته زي ما هو كان سندي.
​كملنا التدريب، وكل مرة كنت بقع، كان بيلمني قبل ما المس الأرض، وكل مرة كنت بزهق، كان بيفكرني بالليالي اللي قضاها بيصلح الجهاز عشان بس يشوف اللحظة دي.
​مرت الأيام، وبدأت الخطوات تتحول لمشي بطيء، البيت اللي كان ضيق بسبب الكرسي، بدأ يوسع، بدأنا نتحرك فيه سوا من غير “منحدرات” أو مساعدة إضافية. وذات يوم، وأنا واقفة في نص الصالة، سيبت الجهاز وسندت على إيد أحمد، وقفت لوحدي، جسمي كله كان مفرود، حسيت إني رجعت “أنا” من تاني، مش الست المشلولة، بس نادية، حبيبة أحمد.
​بصيتله وقلتله: “أحمد، أنا آسفة على كل لحظة شك.”
​قرب مني، وباس جبيني بهدوء وقال:
​”مفيش أسف في الحب يا نادية، اللي حصل ده كان ضريبة طريقنا، والحمد لله إننا دفعناها سوا.. ودلوقتي، قوليلي، تحبي نخرج نتمشى في الجنينة؟ من غير كرسي؟”
​ضحكت، ولأول مرة من ٥ سنين، خرجنا من باب البيت، مش رايحين لدكتور أو لمستشفى، خارجين نتمشى.. خطوة خطوة، وإيد في إيد، وبدأنا نعيش حياتنا اللي كنا فاكرين إنها انتهت في لحظة حادثة.
…….
مشيت خطواتي الأولى في الجنينة، الهواء كان خبط في وشي إحساس أول مرة أحس بيه من سنين، حسيت إني “عايشة” مش مجرد موجودة. أحمد كان ماشي جنبي بيبصلي وكأنه بيبص على معجزة، نظراته كانت بتقول كل الكلام اللي مش محتاجين نقوله.
​وقفنا عند الشجرة اللي كنا بنقعد تحتها زمان قبل الحادثة، مسكت إيده بقوة، وبصيت في عينيه وقلتله: “أحمد، أنا عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن جسمي لسه محتاج وقت عشان أرجع زي ما كنت.. بس أنا بجد كنت هموت من غيرك، مش بس عشان شلتني، بس عشان خليتني أؤمن إن لسه فيه “بكرة” حتى لما كنت أنا فقدت الأمل.”
​ضحك ضحكة هادية، وطلع من جيبه دبوس صغير كان شايله من يوم الحادثة، كان دبوس هدوم ضاع مني في العربية، رجعهولي في إيدي وقال: “أنا مكنتش بصلح جهاز يا نادية، أنا كنت بصلح حتة من روحي اللي اتكسرت لما وقعتي. كنت بصلح “أنا”، عشان أقدر أرجع أكون جوزك اللي يستاهلك.”
​قعدنا على الكرسي الخشب، وسندت راسي على كتفه زي زمان. الدوشة اللي كانت بتملا البيت، والخوف اللي كان بيسكن قلبي، كل ده اختفى. مكنش في لا أبواب مقفولة ولا أسرار، كان فيه بس اتنين قرروا يحبوا بعض في العجز قبل القوة.
​بصيت للسما، وشكرت ربنا على “أحمد”، وعلى “الحادثة” اللي رغم وجعها، خلتني أعرف قيمة الراجل اللي معايا، وخلتني أفهم إن الحب الحقيقي مش هو اللي بيفضل موجود في الرخاء، الحب الحقيقي هو اللي بيفضل بيحفر في الصخر عشان يرجعلك الابتسامة لما الدنيا كلها تقرر تاخدها منك.
​مسكت إيده وبصيتله: “الجهاز اللي في الأوضة التانية.. هنعمل بيه إيه؟”
​غمزلي وقال: “هنسيبه هناك، عشان كل ما نعدي قدام الأوضة دي نفتكر إننا لو وقعنا، هنعرف نقوم.. وهنعرف نقوم سوا، زي ما قومنا المرة دي.”
​ومن يومها، الباب بتاع أوضة الضيوف مبيتقفلش أبداً، وكل ما بنعدي جنبه، بنفتكر إن أصعب الأيام هي اللي بتبني أجمل الحكايات، وإحنا.. حكايتنا لسه في أول سطر في صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها غير إيدين ماسكة بعض، وخطوات واثقة، وأمل مبيخلصش.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى