قصص و روايات

جوزي كان بيخليني اكل في المطبخ

فتحت العقد بيدين مرتعشتين، وبدأت أقرأ الكلمات بصعوبة، قال بصوت هادئ لكنه يحمل حزنًا عميقًا من اثني عشر سنة، جوزك دخل في ديون ضخمة بسبب تجارته الفاشلة، والبنك كان هيسحب البيت ويبيعه في المزاد عشان يسدد الديون، كنتِ في تلك الفترة مريضة ومش عارفة حاجة عن كل ده. نظرت لزوجي الذي كان جالسًا بجانب زوجته التي بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا، كان لونه أبيض كالورق، وعيناه لا ترفعها عن الأرض.
كمل الراجل كلامه أبوكي رحمه الله كان صديقي المقرب، وعرف بالخبر، جالي وقال لي ما ينفعش بيت بنتي وبناتها يروح لغيرهم، فسدد كل الدين للبنك من عنده، واشترى البيت رسميًا، وسجله في الشهر العقاري باسم بناتك التلاتة، عشان يضمن لكم سقف يظل فوق رؤوسكم مهما حصل.
بصوت عالٍ كأنني لم أصدق ما سمعت أبويا؟! أبويا هو اللي عمل كل ده؟ ليه مقالليش حاجة قبل ما ؟. قال وهو ينظر لي بعينين دمعتين كان عايزك تفضلي مرتاحة، ومش عايز يخلق مشاكل بينك وبين
جوزك، قال

إن الوصاية على البيت تكون لجوزك لحد ما تكبر البنات، ويثبت أنه أهل للثقة، وإن شاء الله يكون خير.
نظرت لزوجتي التي كانت تجلس الآن بصوت مرتفع، وقلت بصوت غاضب يعني إنتِ كنتِ عارفة بكل ده من أول يوم؟ كنتِ عارفة إن البيت بتاع بناتي ومع ذلك كنتِ تقبلي أننا نأكل في المطبخ؟. قبل أن تتكلم، قال أبوها بصرامة هي كانت عارفة من أول يوم دخلت فيه البيت، جوزك قال لها السر ده عشان تطمن، واتفقوا على إخفاء الحقيقة عنك، وبدأوا يعاملوك بهالطريقة عشان تشعري إنك ضيفة، وإن المكان ده لهم مش لكم.
شعرت بدوار شديد، استندت إلى السفرة حتى لا أقع، وقلت لزوجي الذي ما زال صامتًا يعني طوال السنين دي، وأنا وبناتي نعيش كالخدم في بيتنا، نأكل ما يتبقى، ونختبئ في المطبخ، وأنت عارف كل ده؟ كنت بتشوف بناتي ويكسر قلبك ولا إيه؟ لماذا فعلت بنا كده؟. لم يرد، بل خفض رأسه أكثر، وظهرت علامات الذنب واضحة عليه.
بدأت زوجتي تبرر بصوت باكٍ أنا مليش ذنب والله! هو اللي قال لي كده، قال إنك لو عرفتي هتطلبي تخرجنا من البيت، وإن لازم نستحمل لحد ما البنات تكبر، وإن ده في مصلحة الجميع، والله ما كنت عارفة إنه هيوصل لدرجة إنكم تاكلوا في المطبخ، كنت أظن إنكم بتأكلوا بعد ما نمشي بس!.
أبوها بيده بقوة على السفرة فارتجت كل ما عليها، وقال بصوت عالٍ ملأ البيت كفاية كدب وتهرب من المسؤولية! ما حدش أجبرك على الموافقة، وما حدش أجبرك على المعاملة السيئة ليهم، كنتِ عارفة الحقيقة وسكتِ، وشاركتِ في الظلم من غير ما تشعري بالذنب ولو لمرة واحدة.
ثم أخرج ورقة أخرى من الشنطة، وقال أنا جيت النهارده مش عشان أقولكم الحقيقة بس، جيت لسبب أهم من كده بكتير. سأله زوجي بقلق واضح سبب إيه؟ فيه حاجة تانية حصلت؟. قال وهو ينظر لي أبوكي رحمه الله قبل ما ، ساب شرطًا أساسيًا في العقد، لم يخبر به أحد غيري، وطلب مني ما أقولوش إلا لو حصل شيء يخالف ما اتفقنا عليه.
سألته بترقب شرط إيه يا حاج؟. قال بصوت واضح الشرط يقول لو ثبت إن أي واحد من أصحاب البيت القصر اتمنع من الانتفاع بملكه، أو تعرض لأي نوع من أنواع الظلم أو الحرمان منه، فالوصي يفقد حقه فورًا في إدارة العقار والتصرف فيه، وينقل الحق لمن يثبت أهليته.
قفز زوجي من مكانه وقال بصوت مرتعش يعني إيه بالظبط؟ معناه إني مش وصي عليهم؟. قال بصرامة يعني من اللحظة دي، ملكش أي حق في البيت، ولا في إدارته، ولا حتى في البقاء فيه إلا لو بناتك وافقوا على ذلك، وهم أحرار في القرار. زوجتي بصوت عالٍ وأنا وابني الصغير هنروح فين؟ إحنا مش عندنا مكان تاني نروح له!.
نظر أبوها إليها بوجه حزين وقال دي مش أكبر مشكلة عندك يا بنتي، الحقيقة إن ما فعلتموه مش مجرد ظلم بسيط، وإنما وصل لحد . ثم أخرج هاتفه المحمول، وفتح تسجيلًا صوتيًا، وفجأة سمعنا صوت زوجتي وهي تتحدث مع زوجي بلهجة حاسمة استحمل شوية لحد ما بنت الكبيرة تتم الثامنة عشر من عمرها، وقتها هتقدر تخلها توقع على تنازل عن البيت، وبعدها نطردهم كلهم بره، ونعيش هنا براحتنا.
صمت المكان كله، لم يسمع سوى صوت أنفاسنا المتسارعة، نظرت لي بنتي الكبيرة سلمى التي تبلغ من
العمر سبعة عشر عامًا، وقالت بصوت التسجيل ده منين يا عمي؟ إزاي وصل لك؟. رد عليها وهو ينظر لزوجته سجلته بنتي نفسها، كانت من خطتكم، وحست إنكم بتخططوا لشيء غلط، فسجلت الحديث وارسلته لي، وقالت لي ما أخبر حدش لحد ما أتأكد من كل حاجة.
شهقت زوجتي وغطت وجهها بيديه، لكن أبوها لم يتوقف، بل فتح صورة على الهاتف ووضعه أمام زوجي، وقال وشوف ده كمان، أول ما شاف الصورة جلس زوجي فورًا على الكرسي وكأنه فقد قواه، كانت صورة عقد بيع رسمي للبيت، لكن التاريخ كان قديمًا بثلاثة أشهر فقط من الآن.
قلت بصوت لا يصدق إزاي البيت اتباع وهو مسجل باسم بناتي؟ ومين اللي قدر يبيعه؟. قال أبو زوجتي وهو ينظر لزوجي اسألي جوزك هو، هو اللي خطط لكل ده، زور البطاقة الشخصية لبنتك الكبيرة، وجاب بنت تشبهها قليلًا، واخدها معاه للشهر العقاري، وقال للموظف إنها بنتك، وإنها توافق على بيع البيت عشان حاجة ضرورية.
نظرت لزوجتي التي كانت تترعرع بشدة، وقلت وأنتِ كنتِ عارفة بكل ده؟ كنتِ عارفة إنهم بيزوروا الهوية وبيبيعوا البيت؟. قبل أن ترد، قال أبوها بصوت حاد قولي لهم الحقيقة يا بنتي، ولا أقول أنا مين البنت اللي استخدمتوها ودفعتولها فلوس عشان توقع؟. زوجتي اسكت يا بابا أرجوك اسكت!.

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى