تظاهرت ليلى بالنوم ليلة واحدة لتكتشف..

كان زوجي يضع لي حبة دواء كل ليلة بحجة أنها ستساعدني على الدراسة والتركيز… لكن في إحدى الليالي تظاهرت بأنني ابتلعتها، ثم بقيت ممددة بلا حراك. ظن أنني نائمة. وعند الساعة الثانية وسبعٍ وأربعين دقيقة فجرًا، دخل الغرفة مرتديًا قفازات سوداء، يحمل كاميرا صغيرة ودفترًا أسود. لم يلمسني بحنان. رفع جفني وهمس:
— ذاكرتها لم تعد بعد.
اسمي ليلى الشامي، ولمدة عامين كاملين كنت أظن أن زوجي، الدكتور كريم الرفاعي، مجرد رجل شديد التحكم.
كان كريم طبيب أعصاب.
أنيقًا.
هادئًا.
من أولئك الأطباء الذين يتحدثون بصوت منخفض فيجعلون الجميع يشعرون بالجهل أمامهم.
حين بدأت دراسة الماجستير في الجامعة الأردنية بعمان، أخبرني أنني أعاني من القلق.
قال لي ذات مساء:
— أنتِ لا تنامين جيدًا يا ليلى. هذه الحبة الصغيرة ستساعدك على الراحة والتركيز.
صدقته.
كل ليلة، بعد العشاء، كان يضع كأس ماء وكبسولة بيضاء على الطاولة قرب السرير.
ثم يقول:
— خذيها أمامي.
في البداية ظننت الأمر لطيفًا.
ثم تحول إلى قاعدة.
إذا لم أتناولها، يغضب.
إذا سألته عنها، يغيّر الموضوع.
إذا استيقظت بدوار، قال إن السبب هو الضغط النفسي.
لكن الأسوأ لم يكن الدوار.
بل الفراغات.
كنت أستيقظ أحيانًا مع كدمات صغيرة على ذراعي.
ورائحة معقمات طبية على جلدي.
وشعري مبلل رغم أنني لا أتذكر أنني استحممت.
وأحيانًا أجد جملًا مكتوبة في دفتري بخط لا أعرفه.
إحدى الجمل كانت تقول:
«لا تدعي كريم يعرف أنكِ تتذكرين».
ظننت أنني أفقد عقلي.
وهو أخبرني بذلك أيضًا.
— ليلى، عقلكِ يختلق الأشياء. ثقي بي.
لكن ذات ليلة، بينما كنت أغيّر أغطية السرير، وجدت كاميرا صغيرة مخبأة داخل جهاز إنذار الحريق.
لم تكن موجهة نحو الباب.
بل نحوي.
نحو السرير.
نحوي أنا.
في عصر ذلك اليوم، فتشت سلة المهملات في المكتب الذي كان كريم يستخدمه كعيادة منزلية.
وجدت علب أدوية فارغة، وملصقات ممزقة، وورقة مطوية تحمل اسمي.
كان مكتوبًا عليها:
«المريضة ل.ش. استجابة ليلية مستقرة. المرحلة الثالثة.»
مريضة.
لا زوجة.
مريضة.
في تلك الليلة تظاهرت بالإرهاق.
أعطاني كريم الكبسولة.
وضعتها على لساني.
شربت قليلًا من الماء.
ابتسمت.
لكنني لم أبتلعها.
أخفيتها تحت لساني حتى أطفأ الضوء.
وحين دخل الحمام، بصقتها داخل منديل ورقي وعدت للاستلقاء.
تنفست ببطء.
ببطء شديد.
كما كان يراقبني دائمًا.
وعند الساعة الثانية وسبعٍ وأربعين دقيقة فجرًا، فُتح الباب.
لم يُصدر أي صوت.
لقد كان قد زيّت المفصلات مسبقًا.
دخل حافي القدمين، مرتديًا قفازات سوداء ويحمل مصباحًا صغيرًا.
أمسك معصمي.
تفقد نبضي.
ثم رفع جفني.
أردت أن أصرخ.
لكنني لم أفعل.
همس:
— جيد… لا مقاومة الليلة.
أخرج الدفتر الأسود.
وكتب شيئًا فيه.
ثم وضع هاتفه قرب أذني وشغّل تسجيلًا صوتيًا.
كان صوت امرأة.
هادئًا.
متعبًا.
مكسورًا.
قال الصوت:
— ليلى… يا حبيبتي… إذا كنتِ تسمعين هذا، استيقظي. زوجكِ لم ينقذكِ… بل وجدكِ.
شعرت بقلبي يقفز إلى حلقي.
يا حبيبتي.
ذلك الصوت لم يكن صوت أمي.
أمي ماتت عندما كنت في الخامسة.
أو هكذا أخبرني كريم دائمًا.
أوقف التسجيل بسرعة.
وتمتم:
— لا شيء بعد… ما زالت الذاكرة محجوبة.
ثم اتجه نحو الخزانة.
دفع اللوح الخشبي الخلفي فظهر باب سري لم أره من قبل.
خلف فساتيني ظهر ممر ضيق.
عاد كريم نحوي.
وانحنى ليحملني.
تركت جسدي مرتخيًا.
حملني عبر الممر السري إلى غرفة بيضاء باردة، مضاءة بمصابيح تشبه مصابيح المستشفيات.
كانت هناك شاشات مراقبة.
وملفات.
وصور لي وأنا نائمة.
ومقاطع فيديو لي وأنا أتحرك داخل المنزل بنظرات فارغة.
وعلى الجدار كان هناك خط زمني.
«حادث.»
«فقدان ذاكرة.»
«زواج.»
«تحكم دوائي.»
«الميراث قيد النقل.»
ميراث.
وضعني كريم فوق سرير طبي متحرك.
لم يقيّدني.
وهذا أخافني أكثر.
كان يثق كثيرًا في الدواء.
فتح خزنة صغيرة وأخرج ملفًا أحمر.
كان مكتوبًا على غلافه:
«قضية نور الحسيني. مفقودة منذ عام 2015.»
نور الحسيني.
الاسم ضربني كالصاعقة.
لم أعرف السبب.
لكن جسدي عرف.
شعرت بحرارة في عيني.
اتصل كريم بأحدهم.
وقال:
— أصبحت جاهزة. غدًا توقّع التنازل وننتهي.
جاءه صوت امرأة عبر مكبر الصوت:
— وماذا لو تذكرت قبل ذلك؟
نظر كريم إليّ.
ثم ابتسم.
— لن تتذكر. أنا أقتل ليلى كل ليلة منذ عامين.
فُتح الباب السري مجددًا.
دخلت حماتي، سهام، مرتدية معطفًا طويلًا وتحمل حقيبة مليئة بالأوراق.
قالت:
— لا تستهِن بهذه الفتاة. أمها لم تكن تبدو خطيرة أيضًا… ومع ذلك رأيت ما حدث.
أمي.
أمي التي قيل إنها ماتت بالسرطان.
وضعت سهام الحقيبة فوق الطاولة.
رأيت بداخلها عقد زواج مزورًا، وتوكيلًا رسميًا، وصورة قديمة.
فتاة في الخامسة عشرة.
أنا.
لكن باسم مختلف مطرز على الزي المدرسي:
نور الحسيني.
أخرج كريم قلمًا ووضعه بين أصابعي التي ظنها نائمة.
وقال:
— نحتاج توقيعها فقط.
اقتربت سهام من وجهي وحدقت بي.
ثم قالت:
— وإذا لم تستيقظ بعد الجرعة الأخيرة؟
أجاب كريم دون تردد:
— إذًا ستموت ليلى الشامي بالطريقة نفسها التي عاشت بها… بلا عائلة، بلا ماضٍ، وبلا أسئلة.
شعرت بدمعة تهرب من عيني.
واحدة فقط.
ظننت أنهما لن يلاحظاها.
لكن سهام لاحظتها.
تجمدت في مكانها.
وقالت بصوت مرتعش:
— كريم…
التفت نحوي.
تغير وجهه.
فتحت عيني.
وقبل أن أصرخ، أضاءت شاشة كبيرة سوداء على الجدار باتصال فيديو مفاجئ.
ظهرت امرأة بوجه مليء بالندوب.
نفس الصوت الموجود في التسجيل.
بكت المرأة فور أن رأتني مستيقظة، ثم قالت:
— نور… لا توقعي أي شيء. هذا الرجل ليس زوجكِ… إنه ابن الطبيب الذي أخفاكِ عن العالم.
الجزء الثاني…
بكت المرأة عندما رأتني مستيقظة، وقالت
نور لا توقّعي أي شيء. هذا الرجل ليس زوجكِ إنه ابن الطبيب الذي أخفاكِ عن العالم.
حدّق كريم في الشاشة كما لو أنه رأى امرأة مېتة تنهض من قپرها.
تراجعت سهام خطوة إلى الخلف.
أما أنا، فكنت ما زلت ممددة فوق السرير الطبي، والقلم بين أصابعي، وحلقي مشدود، وجسدي يرتجف من الداخل.
تحدثت المرأة على الشاشة مرة أخرى
نور، اسمعيني جيدًا. اسمكِ نور الحسيني الشامي. وُلدتِ في الثامن عشر من نيسان عام 1997. لديكِ ندبة خلف ركبتك اليسرى لأنكِ سقطتِ عن دراجة حمراء وأنتِ صغيرة في عمّان. اسم والدكِ كان جلال. وأنا أمكِ.
تحرك كريم پعنف.
أمسك جهاز التحكم الخاص بالشاشة وقذفه نحو الجدار.
تحطمت الشاشة، لكن الصوت ظل يخرج متقطعًا
لا توقّعي لا
اقترب مني كريم، ووجهه مشوّه بالڠضب.
لم يعد الطبيب الأنيق.
كان رجلًا انكشف كل شيء عنه.
قال
كيف فعلتِ ذلك؟
لم أجب.
ليس شجاعةً مني.
بل لأنني لو فتحت فمي، كنت سأصرخ، وإذا صړخت فقد يحقنني قبل أن أتحرك.
اتجهت سهام نحو الخزنة.
كريم، أنهِ الأمر الآن. أعطها الجرعة.
سحب محقنًا من درج معدني.
كان السائل شفافًا.
أسوأ من أي سم، لأنه بلا لون.
نظرت إلى الإبرة، وأدركت شيئًا مرعبًا طوال عامين، كانت هذه الغرفة قبري، لكنني كنت أستيقظ كل صباح دون أن أتذكر أنني دُفنت فيه ليلًا.
انحنى كريم فوق ذراعي.
وقال
حذّرتكِ يا ليلى. عندما يقاوم العقل، نحفر أعمق.
في تلك اللحظة بالضبط، رنّ هاتفي.
ليس الهاتف الموجود على الطاولة قرب السرير.
ولا الهاتف الذي كان كريم يفتشه كل ليلة.
بل الهاتف الآخر.
الهاتف الذي أخفيته داخل كيس أرز في المطبخ بعد أن وجدت الكاميرا داخل جهاز إنذار الحريق.
رفع كريم رأسه.
ما هذا الصوت؟
استمر الرنين.
مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
بعدها اشتغل تسجيل صوتي تلقائي.
كان صوت رنا، زميلتي في برنامج الماجستير.
قالت
ليلى، أنا أسمع كل شيء. الشرطة في الخارج. لا تغلقي الخط.
شحبت سهام.
أما كريم، فاندفع نحو الباب السري.
توقفت عن التظاهر.
رفعت ساقي فجأة وركلت الطاولة التي كان عليها المحقن.
سقطت الأدوات المعدنية على الأرض بضجة حادة.
وتدحرجت الإبرة تحت السرير الطبي.
استدار كريم نحوي پعنف وأمسك رقبتي.
أيتها الحقېرة.
ضغطت أصابعه على عنقي.
رأيت نقاطًا سوداء.
ورأيت ومضات من الضوء.
وفجأة، رأيت مطبخًا أصفر.
امرأة تغني وهي تقطع ثمرة بابايا.
رجلًا يصلح دراجة حمراء في فناء مليء بالأصص والنباتات.
ورأيت نفسي، طفلة صغيرة، أضحك.
نور.
اسمي لم يعد كلمة.
كان بابًا يُكسر من الداخل.
غرست القلم في يد كريم.
صړخ وترك رقبتي.
وقعت عن السرير الطبي، مرتبكة، دوخة قوية ټضرب رأسي، وساقاي ضعيفتان من سنوات الأدوية.
زحفت نحو الطاولة، وأمسكت الملف الأحمر.
حاولت سهام أن تنتزعه مني.
هذا لا يخصكِ.
نظرت في عينيها وقلت
بل يخصني.
لم يكن الصوت يشبه صوتي.
كان يشبه صوت امرأة عادت لتوّها من مكان عميق جدًا.
صفعتني سهام.
احترق وجهي من الألم، لكنني لم أترك الملف.
ثم سمعنا طرقًا عنيفًا على باب المنزل الرئيسي.
الأمن العام! افتحوا الباب!
شتم كريم پغضب.
خلع معطفه الطبي بسرعة، ثم فتح لوحًا آخر قرب الثلاجة الطبية.
كان هناك مخرج.
بالطبع كان هناك مخرج.
الوحوش يبنون المخارج قبل أن يبنوا القپور.
قال كريم
أمي، هيا.
أمسكت سهام حقيبة الوثائق.
لكن قبل أن تلحق به، اقتربت مني وانحنت عند أذني وقالت
كان على أمكِ أن تبقى مېتة.
عضضت يدها.
لم أفكر.
عضضتها بكل الڠضب الذي لم أتذكر أنني أحمله.
صړخت سهام.
وسحبها كريم إلى الممر.
ثم أُغلق الباب خلفهما.
بقيت وحدي في الغرفة البيضاء.
حافية القدمين.
وجهي ېحترق.
حلقي مؤلم.
والملف الأحمر ملتصق بصدري.
عاد الطرق على الباب.
أعلى.
ليلى الشامي! نور الحسيني! هل أنتِ هنا؟
سماع الاسمين معًا كسرني.
صړخت
هنا! أنا هنا!
بعد دقائق، انفتح باب الخزانة پعنف.
دخل عنصران من الأمن، وخلفهما امرأة ترتدي سترة تحقيق،
ثم دخلت رنا وراءهم وهي تبكي وتمسك هاتفي بيدها.
عانقتني رنا بقوة حتى آلمت عظامي.
قالت وهي تبكي
قلت لكِ إنني لم أحب ذلك الرجل أبدًا.
ضحكت.
كانت ضحكة فظيعة، ممزوجة بالبكاء.
لكنها كانت ضحكتي أنا.
انحنت المحققة أمامي وقالت
أنا الرائد هالة منصور. يجب أن نخرجكِ من هنا ونؤمّن المنزل. هل تستطيعين المشي؟
قلت فورًا
لا تدعوهم يهربون. هناك ممر سري.
لم تضيع الرائد هالة وقتًا.
دخل عنصران إلى اللوح السري.
وبدأ آخرون يفتشون الخزائن.
راقبتهم وهم يفتحون الأدراج التي كان كريم يبقيها مقفلة دائمًا.
كانت هناك قوارير أدوية بلا ملصقات.
وذاكرات إلكترونية.
وملفات.
وفيديوهات مرتبة حسب التاريخ.
حياتي المسروقة، محفوظة كأنها تجربة علمية.
على أحد الرفوف وجدوا صندوقًا خشبيًا.
كان بداخله خواتم.
وبطاقات شخصية.
وبطاقات جامعية.
وبطاقة مكتبة تحمل صورتي وأنا مراهقة.
نور الحسيني.
مدرسة في عمّان.
رأيت تلك البطاقة وانحنيت كأن شيئًا ضړبني في معدتي.
لم يكن الأمر مجرد اسم.
كان حياة كاملة تنتظرني داخل صندوق.
أخذوني إلى غرفة الجلوس بينما دخل فريق التحقيق إلى الغرفة السرية.
بدا المنزل مختلفًا تحت الإضاءة القوية.
غرفة الطعام المثالية.
كتب طب الأعصاب المرتبة بعناية.
صور الزفاف التي كنت أبتسم فيها بعينين فارغتين.
كل شيء كان مسرحًا.
منزلًا بُني لإقناع العالم بأنني بخير.
على الأريكة، لفّت رنا بطانية حول كتفي.
قالت
كنت أعرف أن هناك شيئًا خطأ. كل مرة كنا نتحدث فيها عن رسالتك، كنتِ تنسين ما كتبته أنتِ بنفسك. مرة قلتِ لي إذا لم أكن أنا غدًا، فابحثي عني في الدخان. ظننتها استعارة.
الدخان.
تلك الكلمة فتحت شقًا جديدًا في ذاكرتي.
ڼار.
صفارات.
زجاج مكسور.
أمي تصرخ بي كي أركض.
رجل بمعطف طبي يغطي فمي.
وأنا داخل سيارة، أنظر من النافذة إلى عيادة تحترق خلفنا.
همست
العيادة
اقتربت الرائد هالة.
أي عيادة؟
قلت
لا أعرف اسمها. كان فيها بلاط أخضر. كانت رائحتها مثل المطر والكحول. أمي كانت هناك.
ضغطت رنا على يدي.
المرأة التي ظهرت في الاتصال قالت إن اسمها ناديا الشامي. وهي الآن في مكان آمن. تواصلت معنا قبل ثلاثة أيام.
نظرت إليها.
قبل ثلاثة أيام؟
ابتلعت رنا ريقها.
أرسلت لي رسائل وصورًا لكِ وأنتِ طفلة. ظننتها عملية احتيال. ثم طلبت مني أن أسألك عن الدراجة الحمراء. وعندما ذكرتها أمامكِ، بدأتِ تبكين ولم تعرفي السبب. عندها فهمت.
لم أتذكر تلك المحادثة.
كان كريم قد مسح حتى محاولاتي لإنقاذ نفسي.
لكنه لم يستطع مسح رنا.
ولم يستطع مسح خوف أمي.
ولم يستطع مسح كل النسخ.
خرج أحد العناصر من الممر السري وقال
حضرة الرائد، الممر يؤدي إلى موقف سيارات المبنى الخلفي. وجدنا آثار ډم، لكنهما اختفيا.
شدّت الرائد هالة فكها.
أغلقوا المخارج. عمّموا على كاميرات المرور.
سألتني إن كنت أتعرف على أحد آخر في الملفات.
فتحت الملف الأحمر بيدين مرتبكتين.
كان بداخله شهادة ميلادي الأصلية.
وصور لأبي.
وقصاصات صحف عن قاصر مفقودة عام 2015.
وملاحظة بخط يد كريم.
نور تظهر ذاكرة عرضية متقطعة. هوية ليلى يتم تثبيتها عبر التعزيز الدوائي والسردي. خطړ مرتفع في حال سماع صوت الأم.
التعزيز السردي.
هكذا كان يسمي أكاذيبه.
أن أمي ماټت بالسړطان.
أنني بلا عائلة.
أنه قابلني في المستشفى بعد حاډث.
أنني تزوجته لأنه اعتنى بي.
أن قلقي كان جحودًا.
وأن شكوكي مرض.
في صفحة أخرى، كانت هناك قائمة ممتلكات.
منزل في عمّان القديمة.
قطعة أرض في السلط.
حسابات.
أسهم.
الميراث قيد النقل.
ميراثي.
ذلك الذي كانوا يريدون سرقته مني حين أصل إلى مرحلة قانونية معينة.
ظهر اسم والد كريم أكثر من مرة.
الدكتور عادل الرفاعي.
طبيب أعصاب وطب نفسي.
متوفى عام 2015.
مالك العيادة التي كانت، بحسب الملف، تعالج مرضى بلا شبكة عائلية.
شعرت بالغثيان.
قلت
والد كريم اختطفني.
أومأت الرائد هالة بجدية قاتمة.
وكريم تابع السيطرة عليكِ بعد مۏت والده. نحتاج إفادتك، لكن أولًا ستذهبين إلى المستشفى.
قلت
لا.
نظر إليّ الجميع.
أولًا أريد أن أراها.
فهمت رنا قبل الجميع.
أمكِ.
لم يكن
ممكنًا أن يسمحوا لي بالذهاب تلك الليلة.
أخذوني إلى الطوارئ بمرافقة أمنية.
فحصوا دمي.
وضغطي.
والكدمات.
وحلقي.
تحدث معي طبيب شاب بحذر شديد، كأن جسدي غرفة بعد حريق.
قال
هناك تراكم لمهدئات في جسمكِ، وآثار وخز متكرر، ونقص وزن. لكنكِ واعية. هذا هو المهم.
أما ما كان يهمني، فكان على شاشة هاتف.
عند السادسة صباحًا، دخلت الرائد هالة ومعها جهاز لوحي.
ظهرت المرأة ذات الندوب على الشاشة.
لم تكن عجوزًا.
كانت امرأة أنهكها الألم.
كانت هناك آثار على رقبتها، وإحدى عينيها تهبط قليلًا، لكنها حين ابتسمت، تعرّف شيء داخلي عليها قبل ذاكرتي.
قالت
نور.
غطيت فمي بيدي.
أمي.
بكت بصمت.
وبكيت أنا أيضًا.
لبضع ثوانٍ لم نقل شيئًا، لأن الكلمات لا تكفي لعبور فجوة اثني عشر عامًا.
قلت
ظننت أنكِ مېتة.
قالت
أرادوا لكِ أن تصدقي ذلك.
كريم قال لي إن أمي ماټت عندما كنت في الخامسة.
أغمضت أمي عينيها.
لقد سرقوا منكِ حتى حق الحزن.
أخبرتني قليلًا فقط، لأنني لم أكن أتحمل أكثر.
قالت إن أبي اكتشف مخالفات في عيادة الدكتور عادل الرفاعي.
قالت إن المرضى كانوا يُستخدمون في تجارب على الذاكرة أشخاص ضعفاء، نساء بلا عائلة، شباب بسجلات مزورة.
جمع أبي أدلة.
وقبل أن يسلمها، ماټ في حاډث سيارة لم يُحقق فيه كما يجب.
واصلت أمي ما بدأه.
لهذا استدعوها إلى العيادة.
ولهذا أخذتني معها ذلك العصر.
ولهذا أحرقوا الأرشيف.
نجت أمي، لكنها قضت أشهرًا في المستشفى باسم مختلف، معزولة عن العالم، ومخفية بمساعدة ممرضة اختفت لاحقًا.
قالت
وعندما استطعت البحث عنكِ، كنتِ قد أصبحتِ شخصًا آخر. ليلى الشامي. زوجة الدكتور كريم الرفاعي. لم أستطع الاقتراب منكِ دون أن يخفوكِ مرة أخرى.
سألتها
لماذا الآن؟
رفعت ملفًا أمام الكاميرا.
لأنني وجدت كاتب العدل الذي زوّر أول توكيل. ولأنني عرفت أنهم كانوا سيجعلونكِ توقّعين التنازل النهائي غدًا.
غدًا.
يوم واحد فقط، وكنت سأختفي قانونيًا.
لا داخل سيارة.
ولا في عيادة.
بل على كرسي، بقلم، وتحت اسم اخترعوه لي.
عُثر على سيارة كريم عند الظهيرة، مهجورة قرب طريق المطار.
كان فيها ملابس، وحقيبة، وآثار ډم.
لم تكن آثار دمه.
كانت ډم سهام.
عضتي تركت علامتها.
في ذلك العصر، داهمت الشرطة مكتب كريم في برج طبي في عمان الغربية.
وجدوا ملفات أخرى، بعضها لنساء لم يُبلغ أحد عن اختفائهن، لأنهن رسميًا كنّ متزوجات، أو في مصحات، أو تحت العلاج.
وهنا عرفت بړعب أن محو الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى عڼف واضح.
أحيانًا يمحونك بالأوراق.
بعد ثلاثة أيام، قبضوا على سهام في إربد، وهي تحاول دفع مبلغ نقدي للحصول على وثائق مزورة.
لم يكن كريم معها.
حين أخبرتني الرائد هالة بالخبر، كنت جالسة إلى جانب أمي في غرفة المستشفى.
كانت تلك أول مرة ألمس يدها.
كان جلدها خشنًا.
حقيقيًا.
سألت
أين هو؟
وضعت الرائد هالة صورة على الطاولة.
رجل بقبعة، يمشي قرب محطة حافلات كبيرة.
قالت
نعتقد أنه يحاول مغادرة البلاد.
تيبست أمي.
كريم لا يهرب دون أن ينهي ما بدأه.
كنت أعرف ذلك أيضًا.
كريم لم يفقد السيطرة.
بل أجّلها فقط.
في تلك الليلة، بينما كان الجميع نائمين، وجدت ورقة مطوية داخل كتاب رسالتي الجامعية.
لم تكن هناك من قبل.
كان الخط خط كريم.
يمكنكِ استعادة اسمك يا نور. لكن ذاكرتكِ عندي.
وتحتها عنوان.
عمّان القديمة.
بيت طفولتي.
اتصلت بالرائد هالة.
لم أتصل شجاعةً مني.
بل لأنني فهمت أخيرًا أن محاولة فعل كل شيء وحدي هي بالضبط ما كان كريم يريده.
ذهبنا عند الفجر.
كان الشارع تفوح منه رائحة الخبز الساخن والرصيف المبتل.
كان البيت مغلقًا، والدهان متقشرًا، ونباتات الجهنمية متسلقة فوق البوابة.
بقيت أمي داخل السيارة، محاطة بعناصر الأمن، ويداها مشدودتان إلى صدرها.
دخلت وأنا أرتدي سترة واقية.
كان الأمر غريبًا.
جزء مني ما زال يشعر أنه طالبة، وزوجة، وامرأة مشوشة.
وجزء آخر كان يمشي كأنه نور، الطفلة التي نجت
دون أن تعرف.
في الداخل، كان كل شيء مغطى بأقمشة بيضاء.
كان الغبار يرقص في ضوء الصباح.
وفي غرفة الجلوس كان هناك تلفاز قديم، وطاولة، ودراجة حمراء صدئة.
رأيتها فانهرت.
تذكرت أبي وهو يضحك.
تذكرت يديه الملطختين بالشحم.
تذكرته يناديني يراعة لأنني كنت أركض في الحوش عند الغروب.
ثم سمعت تصفيقًا بطيئًا.
خرج كريم من الممر.
كان شعره مبعثرًا، وقميصه ملطخًا، ويده ملفوفة بضماد.
لم يكن يحمل سلاحًا.
كان يحمل جهاز تسجيل صوتي.
قال
مرحبًا بعودتكِ إلى البيت.
وجّه رجال الأمن أسلحتهم نحوه.
انبطح أرضًا!
ابتسم كريم.
إذا أطلقتم الڼار، فلن تعرف أبدًا أين النسخة الأخيرة.
تقدمت الرائد هالة خطوة.
أي نسخة؟
نظر إليّ وحدي.
ذاكرتكِ يا نور. الجلسات. ما اكتشفه والدكِ. ما صړخت به أمكِ في الحريق. كل شيء هنا.
رفع جهاز التسجيل.
خطوت خطوة إلى الأمام.
هذه ليست ذاكرتي.
رمش كريم.
بالطبع هي. أنتِ ما تتذكرينه.
هززت رأسي.
لا. أنا أيضًا ما حدث لي، وما اخترت أن أفعله بعده.
تشققت ابتسامته قليلًا.
من دوني، لم تكوني لتوجدي.
قلت
من دونك، كنت سأعيش.
شدّ كريم قبضته على جهاز التسجيل.
ولأول مرة رأيت الخۏف في عينيه.
لم يكن خوفًا من السچن.
كان خوفًا من أن يصبح بلا أهمية.
خوفًا من أن تقف تجربته أمامه، وتتوقف عن طلب الإذن كي تتنفس.
اندفع نحو النافذة.
أسقطه أحد العناصر أرضًا.
وقع جهاز التسجيل وانفتح.
لم يكن بداخله شريط.
كان بداخله بطاقة ذاكرة صغيرة.
التقطتها الرائد هالة بقفازات.
صړخ كريم باسمي المزيف
ليلى!
لم ألتفت.
صړخ بالاسم الآخر
نور!
ولم ألتفت لذلك أيضًا.
لأنني لم أعد بحاجة إلى طاعة أي اسم منهما لأعرف من أكون.
استغرقت المحاكمة أشهرًا.
شهدت ثلاث مرات.
وشهدت أمي مرتين.
وقدمت رنا الرسائل، والتسجيلات، والبث المباشر من تلك الليلة.
وتحدث كاتب العدل لتخفيف حكمه.
أما سهام، فحاولت أن تلقي اللوم على ابنها، ثم على زوجها المېت، ثم عليّ.
قالت إنني غير مستقرة.
طلب القاضي الهدوء عندما ضحكت بصوت عالٍ.
لم تكن ضحكة سعيدة.
كانت ضحكة امرأة اتهموها بالجنون لأنها بدأت ترى قضبان قفصها.
لم يخفض كريم عينيه أبدًا.
حتى وهو مقيد اليدين، ظل يصحح للخبراء كلامهم، ويستخدم مصطلحات طبية طويلة، متظاهرًا بأن رعبه كان علمًا.
لكن حين شغّلوا تسجيل الغرفة البيضاء، بدا صوته صغيرًا
أنا أقتل ليلى كل ليلة منذ عامين.
هناك انتهى الطبيب.
وبقي المچرم فقط.
استعادة حياتي لم تكن مثل الأفلام.
لم أفتح عينيّ فجأة لأتذكر كل شيء.
بعض الأيام كنت أستيقظ ولا أعرف في أي عام نحن.
وفي أيام أخرى كنت أشتاق إلى كريم، ثم أتقيأ من الذنب لأنني اشتقت إليه، حتى شرحت لي معالجتي أن الجسد يعتاد القفص أيضًا.
عدت إلى الجامعة الأردنية بعد أشهر.
مشيت في الحرم الجامعي، أمي على ذراعي ورنا على ذراعي الأخرى.
وقفت أمام مبنى المكتبة، ونظرت إلى الأعمدة الحجرية كأن أحدًا لصق الزمن المكسور على جدار ضخم.
كنت أنا كذلك.
قطعًا.
لكنها ما زالت متماسكة.
بعد عام، ناقشت رسالتي.
لم تكن عن الذاكرة كما كان كريم يريد.
كانت عن الهوية، والعڼف النفسي، والآليات التي يتعلم من خلالها الضحېة أن يشك في نفسه.
جلست أمي في الصف الأول.
أما رنا، فكانت تبكي قبل أن أبدأ أصلًا.
وعندما انتهيت، سألني أحد الأساتذة
بأي اسم تريدين تسجيل شهادتك؟
نظرت إلى النموذج.
ليلى الشامي كان اسمًا صنعته كڈبة.
لكنه كان أيضًا اسم المرأة التي تظاهرت بابتلاع الحبة.
والمرأة التي أخفت الهاتف داخل كيس الأرز.
والمرأة التي فتحت عينيها فوق السرير الطبي.
أما نور الحسيني، فكانت الأصل.
الفتاة ذات الدراجة الحمراء.
الابنة التي عادت.
أمسكت القلم وكتبت
نور ليلى الحسيني الشامي.
بعد ذلك ذهبنا إلى بيت عمّان القديمة.
بدأت أمي تفتحه شيئًا فشيئًا.
ليس كي نعيش فيه فورًا.
بل كي يتوقف عن كونه متحفًا للألم.
زرعنا جهنميات جديدة في الحوش.
طليْنا المطبخ باللون الأصفر.
وعلّقت الدراجة الحمراء على الجدار، لا كذكرى حزينة، بل كدليل.
في
أحد الأيام، وجدت صندوقًا فيه صورة لي في الخامسة عشرة، أرتدي الزي نفسه الذي رأيته في حقيبة سهام.
وعلى ظهر الصورة كتب أبي
عندما تشكين في نفسكِ يومًا، تذكري أنكِ كنتِ دائمًا نورًا.
جلست على الأرض وبكيت حتى جاءت أمي تبحث عني.
لم تقل انتهى كل شيء الآن.
لأنه لم ينتهِ تمامًا.
احتضنتني فقط وقالت
أنتِ هنا.
وكان ذلك، على الأقل، حقيقة.
كرر كريم [tps_title][/tps_title]لعامين كاملين أن أثق به.
أما الآن، فأنا أثق بأشياء أخرى.
بنفسي حين أشعر أن شيئًا ما ليس صحيحًا.
بأصدقاء يصرون على الاطمئنان.
بأمهات ينجون من الحرائق.
وبالملاحظات التي تتركها لنفسك عندما لا تمتلك بعد القوة الكافية للهروب.
أحيانًا، في الليل، أستيقظ عند الساعة الثانية وسبعٍ وأربعين دقيقة فجرًا.
أنظر إلى الباب.
أتوقع أن أرى قفازات، وكاميرا، ودفترًا أسود.
لكن لا يكون هناك سوى غرفتي، وكتبي، وكأس ماء صببته لنفسي.
عندها أشعل الضوء.
أمسك قلمًا.
وأكتب اسمي كاملًا مرة واحدة
نور ليلى الحسيني الشامي.
ثم أعود إلى النوم.
ليس لأن أحدًا خدّرني.
بل لأن ذاكرتي، أخيرًا، لم تعد ملكًا لأحد سواي.








