قصص و روايات

أتطلقت وروحت حكايات شيمو

وفي يوم، رجع زعلان.

حط الشنطة على الأرض وقال:

ـ “يا ماما… واحد صاحبي ضحك على زميل لينا علشان هدومه قديمة.”

مقالات ذات صلة

قعدت جنبه.

وقلت:

ـ “وإنت عملت إيه؟”

قال:

ـ “افتكرت كلام جدو… إن الإنسان يتقاس بأخلاقه.”

ابتسمت.

قال وهو بيكمل:

ـ “روحت قعدت جنب الولد، ولعبت معاه.”

في نفس اللحظة…

لقيت أبويا واقف على باب الأوضة، وكان سامع الكلام كله.

مسح دمعة نزلت من عينه من غير ما يحس.

وقال:

ـ “الحمد لله… تعبي ما راحش.”

بعدها بأيام…

تعب أبويا فجأة.

دخل المستشفى يومين لإجراء فحوصات.

أنا وأختي مكناش بنسيبه لحظة.

كنا بنتبادل السهر جنبه.

وفي ليلة، وهو نايم، بصتلي أختي وقالت:

ـ “فاكرة اليوم اللي كنت بزعقلك فيه؟”

ابتسمت وقلت:

ـ “عدى خلاص.”

هزت رأسها وهي تبكي.

ـ “أنا كل ما أفتكره أزعل من نفسي. إنتِ سامحتيني بسهولة وأنا ما كنتش أستحق.”

مسكت إيدها.

وقلت:

ـ “إحنا أخوات… والبيت اللي يعرف يسامح، عمره ما يتفرق.”

حضنتني وهي بتعيط.

ولأول مرة من سنين…

رجعت أختي تبقى أقرب واحدة لقلبي.

الحمد لله، خرج أبويا من المستشفى بعد ما طمنّا الدكتور إن حالته مستقرة، وكل اللي محتاجه راحة واهتمام.

وأول يوم رجع فيه البيت…

جمعنا كلنا.

وقال وهو بيبص لوشوشنا واحد واحد:

ـ “أنا كنت دايمًا خايف أسيبكم وأنتم مختلفين.”

ردت أختي بسرعة:

ـ “اطمن يا بابا… خلاص بقينا سند لبعض.”

ابتسم.

وقال:

ـ “إذن أنا أغنى راجل في الدنيا.”

في تلك الليلة…

أعددنا عشاءً بسيطًا.

لا كان فيه أكلات فاخرة…

ولا مائدة كبيرة.

لكن كان فيه شيء افتقدناه سنوات طويلة…

الدفء.

ضحكاتنا كانت تملأ البيت.

وابني كان يجري بين جده وخالته، يضحك من قلبه.

ونظرت إلى أبي، فوجدته يراقبنا في صمت، وعلى وجهه ابتسامة رضا.

وقتها أيقنت…

أن بعض البيوت لا تنجو لأن ظروفها سهلة…

بل لأنها، مهما انكسرت، تعرف كيف تجتمع من جديد حول المحبة والرحمة.مرت خمس سنوات…

والبيت الصغير بقى مليان حياة.

ابني كبر، وبقى في أولى إعدادي.

وأختي بقت تزورنا كل أسبوع، هي وجوزها وولادها.

أما أبويا…

رغم إن شعره كله شاب، لكنه كان لسه كل صباح يصحى قبل الكل.

يفتح الشبابيك، ويسقي الزرع اللي زرعه قدام البيت.

وفي صباح شتوي…

صحيت على صوت الباب بيخبط.

فتحت…

لقيت راجل كبير واقف.

قال باحترام:

ـ “الحاج محمود موجود؟”

قلت:

ـ “اتفضل.”

دخل وقعد.

أول ما أبويا شافه، قام حضنه.

واضح إنهم أصحاب من زمان.

بعد شوية، الراجل طلع ظرف من جيبه.

وحطه قدام أبويا.

قال:

ـ “فاكر يوم ما استلفت مني علشان عملية أم العيال؟”

ابتسم أبويا.

ـ “أنسى إزاي؟”

قال الراجل:

ـ “أنا جيت أرجعلك الورقة.”

استغربنا كلنا.

قال أبويا:

ـ “بس أنا سددت الدين من زمان.”

ابتسم الرجل وهو يهز رأسه.

ـ “عارف… بس الورقة دي احتفظت بيها علشان كل ما أشوفها أفتكر إن فيه راجل شريف، رغم ضيق حاله، عمره ما اتأخر يوم عن قسط، ولا حاول يهرب من حق.”

ثم مزق الورقة قدامنا.

وقال:

ـ “وأهو الدين انتهى في الدنيا… وربنا يجازيك في الآخرة.”

بعد ما مشي…

بصيت لأبويا.

لقيت عينه مليانة دموع.

قلت:

ـ “بتعيط ليه يا بابا؟”

قال بصوت متأثر:

ـ “مش علشان الورقة… علشان ربنا سترني. أصعب حاجة على الراجل إنه يحس إنه مكسور قدام أهل بيته.”

مسكت إيده.

وقلت:

ـ “ولا يوم كنت مكسور في عينينا.”

ابتسم.

لكن ابتسامته كانت مختلفة…

هادية.

كأنها ابتسامة واحد ارتاح بعد سنين طويلة.

وفي المساء…

ناداني ابني.

وقال:

ـ “ماما… المدرسة طالبة نكتب موضوع بعنوان: الشخص اللي أثر في حياتك.”

قلت له:

ـ “وهتكتب عن مين؟”

ابتسم من غير تردد.

وقال:

ـ “عن جدو.”

سألته:

ـ “ليه؟”

قال:

ـ “علشان علمني إن الرجولة مش بالصوت العالي… الرجولة إنك تتعب علشان اللي بتحبهم، من غير ما تمن عليهم.”

وقفت ساكتة.

افتكرت كل ليلة أبويا نام فيها وهو شايل همومه لوحده.

كل مرة خبّى وجعه بابتسامة.

كل جنيه وفره عشان يحافظ علينا.

وفي اليوم التالي…

رجع ابني من المدرسة وهو فرحان.

قال:

ـ “المدرس قرأ التعبير قدام الفصل كله.”

ناولني الكراسة.

وفي آخر سطر كان كاتب:

“نفسي لما أكبر، أبقى شبه جدي… علشان أسيب في قلوب الناس أثرًا طيبًا، زي ما هو سابه في قلب أمي.”

قرأت الجملة أكثر من مرة…

ثم رفعت عيني إلى أبي، الذي كان يجلس في الشرفة يحتسي كوب الشاي بهدوء.

ابتسمت في سري…

وأدركت أن بعض الآباء لا يتركون وراءهم ثروة كبيرة…

لكنهم يتركون أبناءً وأحفادًا يحملون أخلاقهم، فيبقى أثرهم حيًا حتى بعد مرور العمر.مرت سنوات أخرى…

وتخرج ابني من الثانوية بتفوق.

يوم إعلان النتيجة، كان أول واحد جرى عليه هو جده.

حضنه وقال وهو بيضحك:

ـ “نجحت يا جدو… جبت مجموع يخليني أدخل الكلية اللي بحلم بيها.”

ضحك أبويا، ومسح على شعره.

وقال:

ـ “أنا كنت واثق فيك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى