قصص و روايات

أتطلقت وروحت حكايات شيمو

في المساء، عملنا احتفال بسيط في البيت.

تورتة صغيرة…

وكوبايات عصير…

مقالات ذات صلة

وصور كتير.

وأثناء الضحك، لاحظت إن أبويا ساكت على غير عادته.

قربت منه.

وقلت:

ـ “مالك يا بابا؟”

ابتسم وقال:

ـ “مفيش… بس حسيت إن رسالتي في الدنيا قربت تكتمل.”

زعلت من كلامه.

قلت بسرعة:

ـ “بعد الشر عليك.”

ربت على إيدي.

وقال:

ـ “كل نفس لها معاد يا بنتي… المهم الإنسان يسيب وراه سيرة طيبة.”

بعدها بشهور…

تعب أبويا مرة تانية.

المرة دي كان التعب أشد.

دخل المستشفى.

أنا وأختي مكناش بنفارق أوضته.

وكان كل ما يفتح عينه، يوصينا بحاجة.

مرة يقول:

ـ “خدوا بالكوا من بعض.”

ومرة يقول:

ـ “متخلوش الفلوس تدخل بينكم.”

وفي ليلة هادئة…

طلب يشوفنا كلنا.

أنا…

وأختي…

وابني…

وأولادها.

ابتسم وهو يبص لنا واحد واحد.

وقال:

ـ “أنا فخور بيكم.”

ثم بص لابني.

وقال:

ـ “فاكر أول رغيف ناشف اديته لخالتك؟”

ضحك ابني وهو افتكر الحكاية.

قال:

ـ “فاكر يا جدو.”

قال أبويا:

ـ “خليك طول عمرك كريم… بس متسمحش لحد يستغل طيبة قلبك.”

هز ابني رأسه وهو بيحاول يمنع دموعه.

وفي الصباح…

خرج الدكتور بابتسامة.

وقال:

ـ “الحمد لله… الأزمة عدت، لكنه محتاج راحة ومتابعة باستمرار.”

تنفسنا كلنا الصعداء.

رجعنا البيت، وكأن ربنا ادانا فرصة جديدة.

ومن يومها…

بقينا نستغل كل لحظة مع أبويا.

كل جمعة نتغدى سوا.

كل عيد نتصور صورة جديدة.

وكل مناسبة نسمع منه حكاية من زمان.

ولما كان حد يسأله:

ـ “إيه أغلى حاجة ملكتها في حياتك؟”

كان يبتسم، ويبص لنا، ويقول:

ـ “ولا بيت… ولا فلوس… أغلى حاجة إن ولادي بقوا إيد واحدة بعد ما كانوا هيضيعوا من بعض.”

وكانت كل مرة يقولها…

أحمد ربنا أن الحقيقة التي كسرت قلبي في ذلك اليوم، كانت هي نفسها السبب الذي جمع شمل أسرتنا، وعلّمنا أن المحبة لا تكفي وحدها… بل لا بد أن يصاحبها الصدق، والعدل، وتحمل كل واحد نصيبه من المسؤولية.مرت سنتان…

وفي صباح هادئ، صحيت على صوت أبويا بينادي:

ـ “يا بنتي… تعالي اشربي الشاي معايا.”

استغربت.

من زمان وهو اللي بيصحى بدري، لكن المرة دي كان صوته أهدى من المعتاد.

قعدت جنبه في البلكونة.

كان ماسك كوب الشاي، وعينيه على الشمس وهي طالعة.

قال بابتسامة:

ـ “فاكرة أول يوم دخلتي البيت بعد طلاقك؟”

تنهدت.

ـ “أنساه إزاي؟”

قال:

ـ “وقتها كنت كل ليلة أدعي ربنا وأقول: يا رب، اجبر قلب بنتي.”

سكت شوية، ثم أكمل:

ـ “النهارده وأنا شايفك واقفة على رجلك، وشايف حفيدي راجل محترم… عرفت إن ربنا جبرك أحسن مما كنت أتمنى.”

دموعي نزلت.

قلت:

ـ “إنت سبب بعد ربنا.”

ابتسم، لكنه ما ردش.

بعد أسبوع…

خرج الصبح كعادته يصلي الفجر.

رجع، وفطر معانا، وضحك مع حفيده.

وبعدين دخل أوضته يرتاح.

ولما اتأخر…

دخلت أصحيه.

لقيته نايم في هدوء.

وعلى وشه نفس الابتسامة الهادية اللي كان دايمًا بيقابلنا بيها.

ناديت عليه:

ـ “يا بابا…”

ما ردش.

قربت أكتر…

ومسكت إيده.

كانت باردة.

صرخت.

واتجمع البيت كله.

الدكتور جه بسرعة…

وبعد دقائق قال الكلمة اللي كنت خايفة أسمعها طول عمري:

ـ “البقاء لله… توفي إلى رحمة الله.”

حسيت إن الدنيا وقفت.

مش بس فقدت أبويا…

حسيت إني فقدت السند، والضهر، والأمان.

يوم الجنازة…

الشارع كله كان مليان ناس.

رجالة وستات وشباب.

واحد بيقول:

ـ “عمره ما رد محتاج.”

وواحد تاني:

ـ “كان يصلح بين الناس من غير ما ياخد أجر.”

ورجل مسن وقف قدامي وقال:

ـ “أبوك زمان دفع مصاريف علاج ابني، وما قالش لحد. أنا عرفت بالصدفة بعد سنين.”

بصيت لأختي.

هي كمان كانت مصدومة.

إحنا كنا فاكرين إننا عارفين كل حاجة عنه…

لكن طلع خيره أكبر بكتير من اللي كنا نعرفه.

بعد الأربعين…

وأنا برتب دولابه، لقيت صندوق خشب صغير.

فتحته.

لقيت فيه ورقة مكتوب عليها بخط إيده.

فتحتها، وإيديا بترتعش.

كان مكتوب:

“يا بنتي… لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا سبت الدنيا.”

“أوعي تزعلي عليا كتير… أنا عشت راضي، وربنا كرمني أشوفكم متجمعين.”

“ولو عايزة تبريني، متعيطيش كل يوم… ساعدي أي حد محتاج على قد استطاعتك، وربي ابنك على الأخلاق قبل أي نجاح.”

“وافتكري دايمًا… الإنسان لما يمشي، الناس مش بتفتكر كان معاه كام جنيه… الناس بتفتكر كان بيسيب في قلوبهم إيه.”

ما قدرتش أكمل القراءة.

حضنت الورقة، وفضلت أبكي.

دخل ابني بهدوء.

شافني، وقعد جنبي.

قال:

ـ “دي رسالة جدو؟”

هززت رأسي.

أخد الورقة، وقرا آخر سطر بصوت متهدج.

ثم بص لي وقال:

ـ “ماما… إحنا لازم نكمل اللي بدأه.”

سألته وأنا أمسح دموعي:

ـ “إزاي؟”

ابتسم وقال:

ـ “كل سنة في يوم وفاته… نعمل أكل ونوزعه، ونساعد حد محتاج، ونفتكره بالدعاء.”

ابتسمت رغم وجعي.

وقلت:

ـ “دي أحسن هدية ممكن نوصلها له.”

ومن يومها…

بقى يوم رحيل أبويا مش يوم حزن وبس…

بقى يوم خير.

يوم ندعي له، ونتصدق عنه، ونحكي لأولادنا وأحفادنا عن رجل بسيط، لم يكن يملك الكثير…

لكنه ترك وراءه قلوبًا امتلأت حبًا، وبيتًا تعلّم أن الرحمة هي أثمن ميراث يمكن أن يتركه أب لأبنائه.مرت عشرة أعوام…

وأصبح البيت الذي تعب أبي من أجله عامرًا بالأحفاد.

كان ابني قد تخرج، وبدأ يعمل، وصار كلما قبض أول راتب في الشهر، يفعل شيئًا واحدًا قبل أي شيء.

يفتح درجًا صغيرًا في الصالة…

ويضع فيه ظرفًا أبيض.

سألته مرة:

ـ “إيه الظرف ده؟”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى