سر الغوايش

— “لأ يا أمي، أنا مش صغير. نادية دي كل مرة بتروحي تاخدي منها الـ 600 جنيه بتوع خالي بتسمعك كلام يسم البدن. أنا مش عايز الفلوس دي، ومش عايز ثانوية عامة لو هتيجي على كرامتك! أنا هروح أدخل دبلوم وأشتغل وأشيلك فوق راسي.”
حضنته صباح وهي تبكي: “لأ يا أحمد.. خالك شريف طول عمره راجل وكريم، وهو اللي صمم تدخل ثانوية عامة.. أنا مش عارفة إيه اللي غيره.. أو إيه اللي بيحصل من وراه!”
في تلك اللحظة، رن هاتف صباح. نظرت إلى الشاشة فوجدت اسماً لم تتوقعه.. كانت “أم محمد”، جارتها وصديقتها المقربة، والتي تعمل ابنتها كموظفة في مكتب الصرافة الذي تحول منه نادية الأموال شهرياً!
قالت أم محمد بنبرة تحمل سراً خطيراً:
— “إلحقي يا صباح.. بنتي لسة مكلماني من الشغل وبتقولي إنها شافت نادية مرآت أخوكي وهي بتصرف الحوالة النهاردة.. وبنتي لفت نظرها حاجة غريبة قوي في ورق الحوالة المكتوب باسم أخوكي شريف!”
توقفت دقات قلب صباح، وقالت بصوت مرتجف:
— “حاجة غريبة إيه يا أم محمد؟! انطقي بالله عليكي!”
هل ستكشف جارتها المستور وتفضح كذب نادية؟ وكيف ستتصرف صباح بعد معرفة الحقيقة؟
حسست “صباح” فجأة وكأن الغرفة تدور بها، وضغطت على الهاتف بقوة وهي تنتظر رد جارتها “أم محمد” التي تابعت كلامها بصوت خفيض يحمل نبرة صدمة:
— “بنتي بتقولي يا صباح، إن الحوالة اللي بتيجي لنادية كل أول شهر مش بس الـ 2300 دولار بتوع مصاريف بيتها.. شريف أخوكي عامل حوالة تانية منفصلة تماماً بقالها سنة، مكتوب فيها نصاً: (إلى زوجتي نادية.. تُسلم بالكامل لأختي صباح وأولادها) والمبلغ فيها 1500 جنيه! والشهر ده شريف زودها وخلاها 2000 جنيه كاتب عليها (مصاريف المدارس لطقم أحمد)!”
سقطت الكلمات على مسامع صباح كالمياه المثلجة التي أيقظتها من غفلتها. شعرت بغصة في حلقها، وامتزجت دموع القهر بدموع الارتياح.. أخوها شريف لم يخذلها، ولم ينسَ وصية والدهما، ولم تبخل يده عليها يوماً. الجحود والكذب كله كان ينبع من نفس واحدة.. نادية.
ردت صباح بصوت متحشرج وعينين تلمعان بنار الغضب:
— “يعني نادية كانت بتاكل حق اليتامى يا أم محمد؟ كانت بتاخد الـ 1500 جنيه وتديني منها 600، والنهاردة طردتني بـ 500 وقالتلي دول لله من معايا؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيها.. حسبي الله ونعم الوكيل.”
قالت أم محمد بمواساة: “اهدي يا صباح، بنتي خافت تقول لـ نادية حاجة لتقطع عيشها، بس أنا قولت لازم تعرفي عشان متكسريش نفسك قدامها تاني. أخوكي راجل وجدع، بس واقع تحت إيد حية.”
أغلقت صباح الخط، والتفتت لتجد ابنها “أحمد” واقفاً يرتجف غضباً بعد أن استمع إلى المكالمة كاملة. قال وعيناه تتطاير منهما الشرار:
— “أنا هروح لخالي شريف يا أمي! هكلمه دلوقتي وأعرفه مراته بتعمل إيه من وراه! دي كانت بتذلنا بفلوسنا إحنا!”
أمسكت صباح بيد ابنها بقوة وهزت رأسها بالرفض، وقالت بنبرة قوية لم يعهدها أحمد فيها من قبل:
— “لأ يا أحمد.. خالك شريف شقيان في الغربة، ولو عرف حاجة زي دي دلوقتي ممكن يتخانق معاها ويطلقها وتتخرب خرب بيته وهو بعيد وميعرفش يلم لحمه. نادية لازم تقع، بس تقع صح ومن غير ما نهد بيت أخويا.”
أحمد بضيق: “أمال هنسكت يا أمي على الذل ده؟”
ابتسمت صباح ابتسامة تحمل كبرياءً وجعاً وقالت: “الظالم لما بيزيد في ظلمه، بيحفر حفرته بإيده.. سيبها تفتكر إنها انتصرت، وأنا هعرف أرجع حقنا من غير ما أخسر أخويا.”
في المساء، كانت نادية تدور في صالتها الفاخرة مثل القطة الحبيسة. كلام شريف في الهاتف كان يدق في رأسها كالعاصفة. كانت تخشى شيئاً واحداً: أن تلتقي صباح بأي أحد يفتح عينيها، أو أن تتجرأ وتتصل بشريف.
قررت نادية أن تأخذ خطوة استباقية لتأمين كذبتها. ارتدت عباءتها السوداء المطرزة، وذهبت إلى بيت صباح في الميعاد الذي تعلم أن أحمد يكون فيه بالخارج.
طرقت الباب بحدة، وفتحت صباح. نظرت نادية إليها بتكبر مصطنع، ودخلت دون أن تُدعى، وجلست على الأريكة المتهالكة وهي تنظر حولها باحتقار، ثم أخرجت من حقيبتها رزمة من النقود (1500 جنيه) على الطاولة الخشبية الصغيرة:
— “شوفي يا صباح.. أنا جيتلك لحد بيتك أهو عشان تعرفي إن قلبي أبيض ومبشيلش من حد. الفلوس دي كملة الـ 2000 جنيه بتوع الشهر ده.. شريف اتصل بيا وقالي إنه كلمك وعرف إنك زعلتي من كلمتين العتاب بتوع الصبح، وقالي عشان خاطري كمليلها المبلغ. وأنا عشان خاطر جوزي بس، جبتهم وفوقهم بوسة راس كمان.”
كانت نادية تكذب ببراعة، ظناً منها أن شريف قد يتصل بصباح في أي لحظة، فأرادت أن تسبق الحدث وتجعل صباح تعتقد أن الفلوس جاءت “كرمةً” من شريف بعد مكالمة صلح وهمية.
نظرت صباح إلى الأموال الملقاة، ثم رفعت عينيها ببطء نحو نادية. لم تكن نظرة انكسار كالعادة، بل كانت نظرة باردة، ثاقبة، جعلت نادية تشعر بقشعريرة مفاجئة.
قالت صباح بنبرة هادئة ومخيفة:
— “كتر خيرك يا نادية.. وكتر خير شريف أخويا. بس قوليلي.. هو شريف لما كلمك، مقالكيش الحوالة المنفصلة اللي باسمي دي بقالها قد إيه بتتبعت؟”
تغير لون وجه نادية في لحظة، واختفت ابتسامتها المتعجرفة وحل محلها رعب حقيقي:
وقفت صباح على قدميها، وقربت وجهها من نادية قائلة بصوت منخفض كفحيح الأفعى:
— “أنا مبخرفش يا مرآت أخويا.. أنا عرفت كل حاجة. عرفت الـ 1500 جنيه اللي كنتي بتسرقيهم مني كل شهر بقالك سنة وبتشتري بيهم الغوايش اللي بتشخلل في إيدك.. ودلوقتي، أنتي قدامك اختيارين ملهومش تالت..”
ما هما الخياران اللذان ستفرزهما صباح أمام نادية؟ وكيف ستحاول نادية النجاة من هذه الفضيحة؟
## الجزء الرابع: لوي الذراع








