حضانة المبتسرين

وأنا كل مرة أقول لهم: مؤسسها طفل عمره سبعة أيام… ورجل كان شايل وجع عمره كله.”
بعد انتهاء الكلمة، اقترب منه شاب في العشرينات.
كان يرتدي معطف طبيب امتياز.
قال بتردد:
“حضرتك ما تعرفنيش… لكن أنا أعرفك.”
استغرب محمد.
أخرج الشاب صورة قديمة من محفظته.
كانت صورته وهو رضيع داخل حضانة الأطفال.
وخلفها توقيع بخط وائل:
“هتطلع راجل قوي… متستسلمش.”
ابتسم الشاب وقال:
“أنا الطفل رقم 47 في صندوق عم وائل.”
ثم أضاف وهو يمسح دموعه:
“لولا إنه كان بيجي يقعد معايا، يمكن أمي كانت انهارت وسابتني… لكنه كان يديها أمل كل يوم.”
في تلك اللحظة، بدأ أشخاص آخرون يقتربون.
مهندسة.
ومعلم.
وضابط.
وممرضة.
وشاب يعمل مسعفًا.
كل واحد منهم كان يحمل صورة قديمة أو خطابًا كتبه وائل، أو ذكرى من أيام الحضانة.
وفجأة امتلأت القاعة بعشرات الأشخاص.
ثم بمئات.
وكلهم كانت تربطهم حكاية واحدة…
رجل ضخم، مليء بالوشوم، كان العالم يحكم عليه من شكله.
لكن الأطفال…
لم يروا الوشوم أبدًا.
كل ما شعروا به، كان قلبًا دافئًا يحتضنهم عندما لم يكن لديهم أحد.
نظر محمد إلى صورة وائل الكبيرة المعلقة خلف المسرح، ثم قال بصوت اختلط بالتصفيق:
“في ناس بتموت… وتنتهي قصتها.
وفي ناس بتموت… وتبدأ قصتها بعد الرحيل.
وعم وائل…
كان من النوع التاني.”
وانتهى الحفل، لكن الحكاية لم تنتهِ.
لأن كل طفل كان يخرج من الحضانة سالمًا، كان يحمل معه، دون أن يدري، جزءًا صغيرًا من إرث رجل آمن أن الرحمة قد تكون أعظم أثر يتركه الإنسان بعد رحيله. بعد الحفل بأيام، تلقى الدكتور محمد اتصالًا من إدارة المستشفى القديم.
قال له المدير:
“محتاجينك تيجي… في حاجة لازم تشوفها بنفسك.”
لما وصل، أخدوه إلى مخزن قديم كان مقفول من سنين.
أثناء أعمال التجديد، العمال لقوا صندوقًا معدنيًا صغيرًا باسم وائل حمدي.
كان الصندوق مقفول بقفل صدئ، ومعاه ورقة مكتوب عليها:
“يُفتح بعد رحيلي.”
فتح محمد الصندوق وهو يشعر أن قلبه بيدق بسرعة.
كان بداخله ساعة يد قديمة، وصورة لأخ وائل “آدم”، ودفتر مذكرات صغير.
فتح أول صفحة.
وكان أول سطر مكتوب فيها:
“لو حد لقى الدفتر ده… يبقى ربنا استجاب لدعائي.”
بدأ يقلب الصفحات.
كان وائل يكتب بعد كل زيارة للحضانة.
ليس عن نفسه…
بل عن الأطفال.
“الطفل رقم 12 ابتسم النهارده لأول مرة.”
“الطفلة مريم خرجت مع أمها بعد 43 يومًا.”
“الطفل كريم مسك صباعي بإيده الصغيرة… وافتكرت آدم.”
ثم وصل إلى آخر صفحة.








