عهد الخيانة

فهو غالبًا ماكانش زعلان لأنه خسرك. هو زعلان… لأنه خسر الامتيازات اللي كان بياخدها منك. وأغرب حاجة؟ إن سامح نفسه احتاج يخسر شغله… ويشتغل في الطرق… ويدفع البنزين من جيبه… علشان يفهم قيمة عشرين دقيقة كنت بديهاله كل صباح. أما أنا… فاحتجت رسالة واحدة منه… علشان أفهم إن الطيبة من غير حدود… مش دايمًا فضيلة. ساعات… بتكون دعوة مفتوحة للمستغلين. ومن يومها، بقيت أساعد الناس. لكن ما بقيتش أخاف من كلمة:
“مش هقدر.” لأن الشخص اللي بيحبني فعلًا… هيفهمها. واللي يكرهني بسببها… كان لازم أعرف حقيقته من زمان. أما أمي؟ كل ما أخرج الصبح تقول لي وهي بتضحك: — إوعى تعدي على حد في طريقك! وأرد عليها: — اطمني… اتعلمت الدرس. فتقول: — المهم تكون اتعلمته من غير ما قلبك يقسى. ودي كانت أصعب حاجة فعلًا. إني أتعلم أحط حدود… من غير ما أبطل أكون إنسان كويس. لأن الحل مش إننا نبطل نساعد الناس بسبب شخص استغلنا.
الحل… إننا نعرف مين يستحق. ومين أول ما يقول لك: “سيب أمك وتعالى”… تسيبه هو… وتكمل طريقك. يتبع
افتكرت إن دي كانت آخر مرة هشوفه فيها. لكن بعد حوالي ست شهور… صحيت الصبح على مكالمة من رقم غريب. كانت الساعة سبعة إلا ربع. أمي كانت نايمة، وأنا لسه بجهز نفسي للشغل. رديت: — ألو؟ صوت راجل كبير قال: — حضرتك تعرف واحد اسمه سامح؟ الاسم خلاني أسكت لحظة. هو. قلت بحذر: — كنت أعرفه… خير؟ الراجل قال: — أنا والده. اتعدلت في وقفتي. عمري ما قابلت أبوه. ولا حتى كلمته.
قال: — ممكن أقابلك؟ — بخصوص إيه؟ سكت شوية. وبعدين قال جملة غريبة: — بخصوص اللي حصل بينك وبين ابني… وبخصوص حاجة إنت ما تعرفهاش. قلت: — حضرتك، الموضوع خلص من زمان. قال: — بالنسبة لك يمكن… بالنسبة له لأ. ما ارتحتش للكلام. قلت: — لو فيه حاجة قولها في التليفون. رد: — ابني قال للبيت كله إنك السبب في إنه خسر شغله. ابتسمت بسخرية. طبعًا. حتى بعد ست شهور…
أنا السبب. قلت: — حضرتك سمعت منه القصة؟ — سمعتها. — يبقى اسمعها منه تاني. كنت هقفل. لكنه قال بسرعة: — استنى… أنا مش مصدقه. سكت. كمل: — وعلشان كده بكلمك. اتفقنا نتقابل بعد الشغل في مكان عام قريب. طول اليوم وأنا بسأل نفسي: أنا وافقت ليه؟ يمكن فضول. يمكن كنت عايز أعرف هو وصل بيه الحال لفين. ولما وصلت… لقيت راجل في أواخر الستينات قاعد لوحده. أول ما شافني وقف.
سلم عليا. وقعدنا. أول حاجة عملها إنه طلع ظرف صغير وحطه قدامي. قلت: — إيه ده؟ قال: — افتحه. ما لمستوش. — حضرتك الأول قولي فيه إيه. قال: — فلوس. اتصدمت. — فلوس إيه؟ — تمن البنزين اللي ابني استهلكه معاك طول السنة. بصيت له. افتكرت إنه بيهزر. لكنه كان جاد. زقيت الظرف ناحيته. — لأ يا حاج، أنا مش هاخد حاجة. قال: — أنا عارف إنك ما طلبتش. — يبقى خلاص.
مسك الظرف. لكن ما شالوش. قال: — أنا مش جاي أدفع لك تمن البنزين بس. سكت. — أنا جاي أعتذر لك. قلت: — حضرتك تعتذرلي ليه؟ نزل عينه. — لأني أنا يمكن أكون السبب في جزء من اللي ابني بقى عليه. الكلام فاجأني. قال: — من وهو صغير، كل ما يقع في مشكلة كنت أحلها له. لو اتخانق في المدرسة… أروح أنا. لو كسر حاجة… أدفع أنا. لو غلط في حد…
أقول معلش أصل عصبي. كبر وهو مقتنع إن دايمًا فيه حد هيشيل عنه نتيجة غلطه. سكت لحظة. وبعدين قال: — ولما خسر شغله، عملت نفس الغلطة. قلت له إني هكلم حد أعرفه وأشوف له شغلانة. لكن مراته قالت لي: “لأ.” بصيت له. كمل: — قالتلي سيبه المرة دي يصلح اللي بوظه بنفسه. ابتسم بحزن. — أول مرة أسمع الكلام. قلت: — وهو فين دلوقتي؟ هنا الراجل سكت. ملامحه اتغيرت. — اشتغل.
— فين؟ — سواق توصيل. ما قلتش حاجة. المفارقة كانت غريبة. الراجل اللي عمل كل اللي عمله علشان ما يركبش مواصلات… بقى شغله كله طرق وعربيات وتوصيل ناس. أبوه قال: — في الأول كان شايف الشغل أقل منه. لكن لما الفلوس خلصت… اشتغل. وبعدين اكتشف حاجة. — إيه؟ قال: — اكتشف تكلفة البنزين. ما قدرتش أمنع نفسي من الضحك. حتى أبوه ضحك. وقال: — أول شهر رجع البيت وقال لي: “هو البنزين بيخلص بالسرعة دي؟”
ضحكت أكتر. قال أبوه: — ساعتها أمه قالت له: “وصاحبك كان بيحط إيه في عربيته؟ مية؟” سكتنا إحنا الاتنين. وبعدين الراجل قال: — من بعدها بدأ يسألني عنك. — ليه؟ — لأنه بدأ يحسب. اتغيرت ملامحي. قال: — حسب تقريبًا المشاوير اللي كنت بتعملها عشانه سنة كاملة. وبعدين حسب البنزين. وبعدين الوقت. وبعدين قال لي جملة… سألته: — قال إيه؟ ابتسم أبوه. — قال: “أنا كنت فاكر إنه ما بيخسرش حاجة علشاني.”
الجملة لمست حاجة جوايا. لأن دي كانت المشكلة كلها. هو ماكانش شايف العشرين دقيقة. ولا البنزين. ولا الانتظار. ولا إني كنت أغير طريقي. كان شايف بس النتيجة: أنا واقف تحت بيته كل صباح. مجاني. قال أبوه: — بس فيه سبب تاني خلاني أكلمك. بصيت له. — إيه؟ طلع موبايله. فتح رسالة. وحطه قدامي. كانت رسالة من سامح لأبوه. قرأتها. “لو قابلته، ما تطلبش منه يسامحني. أنا عارف إني ما استاهلش. بس اديله الفلوس دي وقوله إني أخيرًا فهمت.”
فضلت باصص للشاشة. وبعدين رفعت عيني. — هو اللي بعت الفلوس؟ هز أبوه راسه. — جمعها من شغله. بصيت للظرف. المرة دي… شكله اختلف في عيني. مش تمن بنزين. كان تمن درس اتعلمه متأخر. قلت: — برضه مش هاخدهم. استغرب. قلت: — لو هو فعلًا فهم… يبقى الفلوس دي مش بتاعتي. — أمال؟ قلت: — خليه يودي أمه وأبوه بيهم مكان حلو. الراجل ضحك. — إحنا مش محتاجين. قلت: — وأنا كمان.
سكت شوية. وبعدين خطرت لي فكرة. قلت: — أو يعمل حاجة أحسن. — إيه؟ — أول مرة يشوف حد محتاج توصيلة في طريقه… يوصله من غير مقابل. ابتسم أبوه. أخد الظرف. وقبل ما يقوم قال: — مش هتسامحه؟ السؤال وقفني. فكرت. وبعدين قلت: — أنا مسامحه. ابتسم. لكني كملت: — بس المسامحة مش معناها إننا نرجع أصحاب. اختفت ابتسامته شوية. قلت: — فيه ناس بنسامحهم علشان إحنا نرتاح… مش علشان نرجعهم لحياتنا.
هز راسه. — عندك حق. سلم عليا ومشي. وانتهى الموضوع. أو ده اللي كنت فاكره. بعد أسبوعين… كنت خارج من الشغل. لقيت الدنيا بتمطر جامد. وأنا واقف عند إشارة… شفت عربية توصيل واقفة على الناحية التانية. السواق نزل منها. كان هو. سامح. شافني. وشوفته. فضلنا باصين لبعض كام ثانية. لا أنا قربت. ولا هو قرب. لكن قبل ما الإشارة تفتح… راجل كبير في السن كان واقف تحت المطر بيحاول يوقف عربية.
شفت سامح يبص له. وبعدين بص لي. وبعدين نزل إزاز العربية. ناداه. الراجل قرب. سامح فتح له الباب. ركب الراجل. وقبل ما العربية تتحرك… سامح بص لي مرة أخيرة. ورفع إيده من بعيد. رفعت إيدي. بس. لا اعتذار. لا ح.ضن. لا رجوع صداقة. ولا نهاية سينمائية. كل واحد كمل طريقه. لكن وأنا بسوق ناحية البيت… ابتسمت. لأن ساعات أفضل اعتذار مش كلمة “آسف”. أفضل اعتذار… إن الإنسان ما يكررّش نفس الغلط مع شخص تاني.
وصلت البيت. لقيت أمي عاملة شاي. أول ما دخلت قالت: — مالك مبتسم كده؟ قلعت الجاكيت المبلول وقلت: — قابلت صاحبي القديم. رفعت حاجبها. — صاحبك؟ ضحكت. — خلاص يا أمي… واحد كنت أعرفه. قالت: — وعمل إيه؟ قعدت قدامها. — افتكرته اتغير. حطت كوباية الشاي قدامي وقالت: — الناس بتتغير يا ابني… بس مش كل واحد اتغير لازم ترجعه مكانه القديم. بصيت لها. قلت: — إنتِ عندك إجابة لكل حاجة؟
قالت بمنتهى الثقة: — طبعًا… أنا أمك. ضحكت. ضحكت هي كمان. ومدت إيدها ناحية طبق البسكويت. وفي اللحظة دي فهمت حاجة أخيرة: اليوم اللي دخلت فيه أمي المستشفى… كنت فاكره واحد من أسوأ أيام حياتي. كنت خايف أخسر أمي. وخايف على شغلي. وخسرت شخص كنت فاكره صاحبي. لكن بعد شهور… اكتشفت إن اليوم ده أنقذني. أنقذني من علاقة كان طرف واحد بس فيها بيضحي. علمني أقول “لأ” من غير إحساس بالذنب.
وعلمني إن اللي يحبك… مش هيطلب منك تثبت حبك ليه على حساب أهلك أو صحتك أو كرامتك. أما الشخص اللي يغضب أول ما تحط حدود… فهو غالبًا ماكانش زعلان لأنه خسرك. هو زعلان… لأنه خسر الامتيازات اللي كان بياخدها منك. وأغرب حاجة؟ إن سامح نفسه احتاج يخسر شغله… ويشتغل في الطرق… ويدفع البنزين من جيبه… علشان يفهم قيمة عشرين دقيقة كنت بديهاله كل صباح. أما أنا… فاحتجت رسالة واحدة منه…
علشان أفهم إن الطيبة من غير حدود… مش دايمًا فضيلة. ساعات… بتكون دعوة مفتوحة للمستغلين. ومن يومها، بقيت أساعد الناس. لكن ما بقيتش أخاف من كلمة: “مش هقدر.” لأن الشخص اللي بيحبني فعلًا… هيفهمها. واللي يكرهني بسببها… كان لازم أعرف حقيقته من زمان. أما أمي؟ كل ما أخرج الصبح تقول لي وهي بتضحك: — إوعى تعدي على حد في طريقك! وأرد عليها: — اطمني… اتعلمت الدرس. فتقول: — المهم تكون اتعلمته من غير ما قلبك يقسى.
ودي كانت أصعب حاجة فعلًا. إني أتعلم أحط حدود… من غير ما أبطل أكون إنسان كويس. لأن الحل مش إننا نبطل نساعد الناس بسبب شخص استغلنا. الحل… إننا نعرف مين يستحق. ومين أول ما يقول لك: “سيب أمك وتعالى”… تسيبه هو… وتكمل طريقك… مرت خمس سنين على صباح المستشفى. خمس سنين… كل حاجة تقريبًا اتغيرت فيهم. إلا حاجة واحدة. كل ما الموبايل يرن بدري وأنا جنب أمي… كنت أفتكر الرسالة دي:
“سيب أمك هناك وتعالى.” مش لأنها لسه بتوجعني. لكن لأنها بقت علامة في حياتي. خط فاصل بين شخص كنت عليه… وشخص بقيت عليه بعدها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








