قصص و روايات

عهد الخيانة

قلت للمدير: — ممكن تبعتلي صورة الرسالة؟ قال: — هبعتهالك، بس ما تعملش حاجة دلوقتي. خليك جنب والدتك، وبكرة لما تيجي نتكلم. — حاضر. قفلت المكالمة. وبعد ثواني وصلتني الصورة. فتحتها. وقريت الرسالة كاملة. وكل سطر فيها كان أسوأ من اللي قبله. “الأستاذ … بقاله فترة بيتعامل بطريقة غير مهنية.” “بيستخدم عربيته علشان يفرض سيطرته.” “النهارده قرر فجأة ما يجيش ياخدني رغم اتفاقنا.” “واضح إنه بيستخدم موضوع والدته كحجة.” وقفت عند آخر جملة.

موضوع والدته كحجة. أمي… الست اللي جوه دلوقتي بتعمل فحوصات على قلبها… بقت “حجة”. رفعت عيني ناحية باب الفحوصات. وحلفت بيني وبين نفسي إني لو خرجت أمي بالسلامة… عمري ما هسمح لحد تاني يحسسني إن وقوفي جنبها محتاج تبرير. الموبايل رن. هو. رفضت المكالمة. رن تاني. رفضت. بعدها وصلت رسالة: “شوفت؟ أنا كنت ممكن أحل الموضوع بيني وبينك، بس إنت اللي كبرت الموضوع.” بصيت للرسالة وأنا مش مصدق. هو اللي اشتكى للمدير…

وهو اللي كدب… وهو اللي حاول يضر شغلي… وبرضه شايف إني أنا اللي كبرت الموضوع. كتبت له: “ما تتصلش بيا تاني.” رد فورًا: “يعني مش هتعدي عليا بكرة؟” والله للحظة افتكرت إنه بيهزر. بعد كل اللي حصل… كل اللي شاغله: هروح الشغل إزاي بكرة؟ ما رديتش. بعد حوالي نص ساعة، خرج الدكتور. قمت من مكاني بسرعة. — والدتي عاملة إيه؟ قال: — الحمد لله، مفيش جلطة، لكن الضغط كان مرتفع جدًا وفيه اضطراب محتاج متابعة وفحوصات إضافية. كويس إنك جبتها بدري وما سبتهاش.

الجملة الأخيرة خبطتني. “كويس إنك ما سبتهاش.” افتكرت رسالته: “سيب أمك هناك وتعالى.” بصيت للأرض. لو كنت سمعت كلامه… لو كنت سيبتها ومشيت… يمكن كانت حالتها تسوء وأنا في الطريق علشان أوصل واحد مش قادر يدبر مواصلاته. دخلت لها. كانت نايمة ووشها لسه تعبان. أول ما شافتني قالت: — اتأخرت عن شغلك بسببي؟ قربت منها وقعدت جنبها. — أمي… — نعم؟ — عمرك ما تقولي بسببي دي تاني. ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— أنا بخاف على مستقبلك يا ابني. مسكت إيدها. — وإنتِ من غيرك مافيش مستقبل أصلًا. بصتلي وسكتت. وبعدين دمعت عينيها. وأنا لأول مرة من الصبح حسيت إني أخدت القرار الصح. لكن الحكاية ما خلصتش. لأن تاني يوم… دخلت الشغل الساعة تسعة إلا عشر دقايق. وأول شخص شوفته كان هو. واقف جنب ماكينة القهوة. أول ما شافني، لف وشه. وأنا عديت من جنبه كأنه مش موجود. لكن قبل ما أوصل مكتبي قال:

— إنت مش هتتكلم معايا؟ وقفت. لفيت له. — في إيه نتكلم؟ قرب وقال بصوت واطي: — إنت فهمت الموضوع غلط. ضحكت. — أنا فهمت إيه غلط؟ — أنا بس كنت متعصب علشان اتأخرت. — فروحت كدبت على المدير؟ وشه اتغير. بص حواليه. — وطي صوتك. — ليه؟ ما إنت كنت شجاع وإنت بتكتب الرسالة. قال بعصبية: — أنا ما كدبتش. طلعت موبايلي. فتحت صورة الرسالة. وريتهاله. وشه اتجمد. واضح إنه ماكانش متوقع إن المدير يبعتها لي.

قلت: — “بيستخدم عربيته علشان يفرض سيطرته”؟ سكت. — “بيطلب مني فلوس”؟ سكت. — “موضوع والدته حجة”؟ بلع ريقه. وبعدين قال: — ما تمسكش في الكلام… الواحد لما بيتعصب بيقول كلام. بصيت له. — سنة كاملة وأنا بوصلك. ما ردش. — سنة كاملة ما دفعتش جنيه بنزين. قال بسرعة: — ما إنت عمرك ما طلبت! قلت: — صح. وسكت لحظة. — عارف ليه؟ — ليه؟ — لأني كنت فاكر إنك صاحبي.

وشه اتغير شوية. لكن بدل ما يعتذر… قال: — وبعدين يعني؟ هو مشوارك أصلًا. الجملة دي… كانت آخر مسمار. ابتسمت. — تمام. — تمام إيه؟ — ولا حاجة. وسبته ومشيت. بعد حوالي ساعة، المدير طلبنا إحنا الاتنين. دخلنا مكتبه. كان قدامه ورق مطبوع. قال له: — اقعد. قعدنا. المدير بص له وسأله: — إنت كتبت إن زميلك كان بيضغط عليك تدفع بنزين؟ قال: — أيوه… يعني مش بشكل مباشر. — إيه معنى مش بشكل مباشر؟

بدأ يتلخبط. — يعني كان ساعات يلمح. بص لي المدير. — هل ده حصل؟ قلت: — ولا مرة. المدير رجع بص له. — عندك رسائل تثبت إنه طلب منك فلوس؟ سكت. — تسجيلات؟ سكت. — شاهد؟ قال: — لأ… بس… المدير قاطعه: — طيب إنت كتبت إن غيابه النهارده من غير إذن. فتح الكمبيوتر قدامه. وقال: — وهو مبلغني شخصيًا من امبارح إن والدته تعبانة وممكن يضطر يروح المستشفى. وش صاحبي بدأ يحمر.

قال: — أنا ماكنتش أعرف. المدير رفع عينه. — في رسائل بينكم بتثبت إنه قالك من امبارح. هنا… بص لي. وفهم. أنا كنت محتفظ بكل حاجة. رسائله. مكالماته. التسجيل الصوتي. حتى الرسالة اللي قال فيها: “سيب أمك هناك وتعالى.” المدير قال: — فيه حاجة تانية لازم تعرفها. سكتنا. — دي مش أول شكوى تيجي منك ضد زميل لما يرفض يعمل لك خدمة شخصية. بصيت للمدير باستغراب. هو نفسه اتصدم. قال:

— يعني إيه؟ المدير فتح ملف. — من كام شهر اشتكيت من زميل في المخزن بعد ما رفض يبدل معاك الوردية. سكت. — وقبلها اشتكيت من موظف تاني بعد خلاف على إجازة. سكت أكتر. المدير شبك إيديه وقال: — إحنا راجعنا الشكاوى القديمة. وهنا لأول مرة… شفت الخوف الحقيقي في عينه. بدأ يقول: — يا فندم الموضوع مش بالشكل ده… لكن المدير وقف الكلام. — إحنا مش بنتكلم عن خلاف بين أصحاب. إحنا بنتكلم عن استخدام شكاوى العمل لتصفية خلافات شخصية، وتقديم معلومات غير دقيقة عن موظفين.

قال بسرعة: — أنا مستعد أسحب الشكوى. المدير رد: — الموضوع مش اختيارك دلوقتي. بص لي. كان مستني مني حاجة. يمكن أدافع عنه. يمكن أقول للمدير: “خلاص يا فندم، سوء تفاهم.” زي ما كنت بعمل طول السنة. أسهله. أغطي عليه. أوفر له الطريق. لكني ما قلتش كلمة. خرجنا من المكتب. لحقني في الطرقة. — إنت هتسيبهم يعملوا فيا كده؟ وقفت. بصيت له. قلت: — أنا ما عملتش فيك حاجة. — طب قول للمدير إن الموضوع اتحل.

— لأ. — ليه؟ قلت له بهدوء: — لأن امبارح وإنت عارف إن أمي في المستشفى، حاولت تأذيني في شغلي علشان ما وصلتكش. سكت. — ولو كنت خسرت شغلي؟ ما ردش. — لو احتجت فلوس علاج أمي وأنا موقوف بسبب كدبتك؟ بص بعيد. قلت: — إنت ما فكرتش في ده أصلًا… لأنك ما كنتش شايفني صاحب. كنت شايفني خدمة مجانية. ومشيت. خلال الأسبوع اللي بعده، الإدارة حققت رسميًا في الموضوع.

ما اطردش زي ما ناس ممكن تتخيل. لكن أخد إنذار رسمي واتشال من مسؤولية كان مرشح لها، واتقال له بوضوح إن أي شكوى تانية غير موثقة هتتحاسب بشكل مختلف. أما أنا… فحصل معايا شيء أغرب. بعد حوالي أسبوعين، المدير ناداني. افتكرت فيه مشكلة. لكنه قال: — عايز أقولك حاجة. — خير؟ — اليوم اللي كنت فيه مع والدتك… الطريقة اللي تعاملت بيها مع الموقف خلتني أراجع حاجات كتير. سكت. قال:

— إنت من الناس اللي بتشيل مسؤولية زيادة من غير ما تتكلم. وده كويس، بس ساعات بيخلي الناس تستغلك. الجملة وجعتني لأنها كانت حقيقة. وبعدين قال: — فيه مكان فاضي في فريق تاني، ومسؤولية أكبر. كنت بفكر فيك من فترة. بعد شهر… اتنقلت فعلًا. راتبي زاد. مسؤوليتي زادت. والأهم… ما بقيتش أشتغل معاه بشكل مباشر. أما هو؟ بقى يروح الشغل كل يوم لوحده. أول أسبوع كان بييجي متأخر. تاني أسبوع بدأ يستخدم مواصلات.

وبعد فترة اشترى موتوسيكل مستعمل. يعني الراجل اللي كان مقتنع إنه “مش عارف يروح الشغل”… عرف. لما اضطر. وده كان الدرس اللي أنا نفسي اتعلمته. ناس كتير مش محتاجاك فعلًا. هم بس متعودين إنك متاح. والفرق كبير جدًا. أمي اتحسنت الحمد لله. وبقت ملتزمة بالعلاج والمتابعة. وبعد حوالي شهرين، وإحنا قاعدين بناكل سوا، قالتلي فجأة: — صاحبك اللي كنت بتوصله… أخباره إيه؟ بصيت لها. وضحكت. — مش صاحبي يا أمي.

قالت: — اتخانقتوا؟ هزيت راسي. — لأ… أنا بس عرفته. ابتسمت وقالت: — ساعات معرفة الناس بتوجع أكتر من خسارتهم. فضلت باصص لها. وبعدين قلت: — إنتِ كنتِ عارفة إنه بيستغلني؟ ضحكت. — من أول شهر. فتحت عيني. — وما قلتيليش ليه؟! قالت ببساطة: — علشان لو قلتلك، كنت هتدافع عنه. كان لازم تشوف بنفسك. ضحكت رغمًا عني. طلعت عندها حق. لأن بعض الناس… مهما حد حذرك منهم، مش هتصدق.

لازم ييجي اليوم اللي تقول فيه “لأ”. ساعتها بس… هتعرف مين كان بيحبك فعلًا… ومين كان بيحب الخدمات اللي بتقدمها له. وأنا احتجت سنة كاملة… وطرقة مستشفى… ورسالة كاذبة لمديري… علشان أفهم الفرق… يتيع

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى