قصص و روايات

عهد الخيانة

عدّى حوالي تلات شهور. وأنا كنت فاكر إن الحكاية خلصت. أمي اتحسنت. أنا استقريت في مكاني الجديد. وهو بقى مجرد وش بشوفه أحيانًا في الشركة من بعيد. لا سلام. لا كلام. لا حتى نظرة. لحد صباح يوم خميس… دخلت الشغل ولقيت مديري واقف قدام مكتبي. قال: — لما تفضى، تعالى لي. نبرة صوته ما عجبتنيش. حطيت شنطتي ودخلت وراه. قفل الباب. ودي لوحدها خلتني أقلق. قلت: — فيه حاجة؟ بص لي كام ثانية، وبعدين لف شاشة الكمبيوتر ناحيتي.

— تعرف الرقم ده؟ بصيت. رقم موبايل. مش متسجل عندي. — لأ. قال: — الرقم ده بعت للإدارة امبارح بالليل شكوى مجهولة ضدك. حسيت معدتي اتقبضت. — شكوى بإيه؟ قال: — إنك بتستخدم عربيتك في مشاوير تخص الشركة، وبتاخد فلوس من الموظفين مقابل توصيلهم من غير ما تبلغ الإدارة. فضلت باصص له. نفس الموضوع. نفس العربية. نفس الكدبة تقريبًا. بس المرة دي… من رقم مجهول. قلت: — هو؟ المدير ما جاوبش.

قال: — أنا ما ينفعش أتهم حد من غير دليل. وبعدين فتح ملف تاني. — بس الغريب إن الشكوى فيها تفاصيل محددة جدًا. قرأ جزء منها: — “كان بيوصل موظفين من مناطق مختلفة، ويطلب منهم مساهمة في البنزين.” ضحكت. — حضرتك عارف إني عمري ما عملت كده. — عارف. — أمال ليه بتوريني الكلام؟ المدير سكت شوية. وبعدين قال: — لأن الموضوع بقى أكبر من خلاف بينك وبينه. قرب الكرسي.

— الإدارة القانونية طلبت منك إفادة مكتوبة. هنا بدأت أتوتر. مش لأني خايف من الحقيقة. لكن لأن الكدب لما يتكرر… حتى لو إنت بريء… بيبدأ يلوث اسمك. قلت: — وأنا مستعد أكتب أي حاجة. قال: — كويس. خرجت من المكتب وأنا غضبان. لكن المرة دي… ما رحتش له. ما واجهتوش. ما بعتلوش. قلت لنفسي: لو هو… هيغلط لوحده. وبالفعل… غلط. بعد يومين، كنت واقف في الممر لما سمعت صوت عالي جاي من ناحية الموارد البشرية.
صوته.

— يعني إيه تستدعوني؟! أنا مالي بالموضوع؟ وقفت مكاني. بعد دقايق خرج. أول ما شافني… اتجمد. وشه كان أحمر. قرب مني وقال: — إنت بلغت عني؟ قلت: — بلغت عنك بإيه؟ — ما تعملش نفسك مش فاهم. — أنا فعلًا مش فاهم. بص حواليه وقال: — الرقم اللي بعت الشكوى. سكت. هو كده بنفسه قال اللي ماكنتش أعرفه. أنا ما قلتش إنهم عرفوا صاحب الرقم. هو اللي افترض. بصيت له وقلت:

— وإنت عرفت منين إنهم بيتكلموا عن الرقم؟ وشه اتغير. فتح بقه… وقفله. قلت: — أنا ما قلتش كلمة عن رقم. رجع خطوة لورا. وفي اللحظة دي… باب الموارد البشرية اتفتح. وخرج المدير. كان سامع. بص له. وبعدين بص لي. وقال: — ممكن تدخل عندنا دقيقة؟ دخلنا. الموظف المسؤول حط ورقة قدامه. — الرقم مسجل باسم مين؟ قال بعصبية: — مش رقمي. — إحنا ما قلناش إنه رقمك. سكت. نفس الغلطة.

مرتين في أقل من خمس دقايق. بدأ يتلخبط: — أصل… هو كان مع واحد صاحبي. الموظف سأله: — صاحبك بعت شكوى ضد زميلك ليه؟ ماعرفش يرد. — وإزاي صاحبك يعرف تفاصيل خلاف حصل بينكم من تلات شهور؟ الصمت كان قاتل. وأنا كنت قاعد قدامه… مش فرحان. الغريب إني ما حسيتش بالشماتة. حسيت بالحزن. إزاي واحد ممكن يضيع نفسه علشان خدمة مجانية انتهت؟ كل ده… علشان قلت له مرة واحدة: “اتصرف وروح الشغل بنفسك.”

الموظف قال: — تقدر تخرج. خرجت أنا. هو فضّل جوه. بعد حوالي ساعة، شفته خارج من الشركة. شايل حاجته. ما سألتش حصل إيه. لكن في آخر اليوم، المدير قال لي إن الإدارة قررت توقفه مؤقتًا لحد انتهاء التحقيق. وبعد أيام… ثبت إنه كان وراء الشكوى المجهولة. واتضح كمان إنه استخدم نفس الأسلوب قبل كده مع موظفين تانيين. المرة دي… الشركة أنهت تعاقده. لما عرفت… فضلت ساكت. قلت لنفسي: هو اللي اختار.
كان ممكن من أول يوم يركب مواصلات.

كان ممكن يقول: “معلش، ربنا يشفي والدتك.” كان ممكن حتى يزعل ويسكت. لكن بدل ده كله… قرر يحاول يأذيني. وبعد أسبوع تقريبًا… وأنا خارج من المستشفى بعد متابعة أمي… لقيته واقف قدام الباب. أول ما شوفته، وقفت. كان شكله مختلف. دقنه طويلة شوية. هدومه مش مترتبة. قرب مني. — ممكن خمس دقايق؟ قلت: — أمي مستنياني. — خمس دقايق بس. بصيت له. — اتفضل. قال: — أنا خسرت شغلي. ما رديتش.

قال: — وعندي إيجار وأقساط. فضلت ساكت. — إنت الوحيد اللي ممكن تكلم المدير. بصيت له باستغراب. حتى دلوقتي… جاي علشان خدمة. قلت: — وإنت عايزني أقول له إيه؟ — قول له إننا اتصالحنا. — وإحنا اتصالحنا؟ سكت. — اعتبرنا اتصالحنا. ضحكت. — حتى الصلح عندك خدمة؟ قال بعصبية: — يا أخي أنا غلطت! قلت: — أيوه. — وبقولك غلطت! — إنت مش جاي تعتذر. — أمال جاي أعمل إيه؟

بصيت له. كمل: — قالتلي سيبه المرة دي يصلح اللي بوظه بنفسه. ابتسم بحزن. — أول مرة أسمع الكلام. قلت: — وهو فين دلوقتي؟ هنا الراجل سكت. ملامحه اتغيرت. — اشتغل. — فين؟ — سواق توصيل. ما قلتش حاجة. المفارقة كانت غريبة. الراجل اللي عمل كل اللي عمله علشان ما يركبش مواصلات… بقى شغله كله طرق وعربيات وتوصيل ناس. أبوه قال: — في الأول كان شايف الشغل أقل منه. لكن لما الفلوس خلصت…

اشتغل. وبعدين اكتشف حاجة. — إيه؟ قال: — اكتشف تكلفة البنزين. ما قدرتش أمنع نفسي من الضحك. حتى أبوه ضحك. وقال: — أول شهر رجع البيت وقال لي: “هو البنزين بيخلص بالسرعة دي؟” ضحكت أكتر. قال أبوه: — ساعتها أمه قالت له: “وصاحبك كان بيحط إيه في عربيته؟ مية؟” سكتنا إحنا الاتنين. وبعدين الراجل قال: — من بعدها بدأ يسألني عنك. — ليه؟ — لأنه بدأ يحسب. اتغيرت ملامحي. قال:

— حسب تقريبًا المشاوير اللي كنت بتعملها عشانه سنة كاملة. وبعدين حسب البنزين. وبعدين الوقت. وبعدين قال لي جملة… سألته: — قال إيه؟ ابتسم أبوه. — قال: “أنا كنت فاكر إنه ما بيخسرش حاجة علشاني.” الجملة لمست حاجة جوايا. لأن دي كانت المشكلة كلها. هو ماكانش شايف العشرين دقيقة. ولا البنزين. ولا الانتظار. ولا إني كنت أغير طريقي. كان شايف بس النتيجة: أنا واقف تحت بيته كل صباح. مجاني. قال أبوه:

— بس فيه سبب تاني خلاني أكلمك. بصيت له. — إيه؟ طلع موبايله. فتح رسالة. وحطه قدامي. كانت رسالة من سامح لأبوه. قرأتها. “لو قابلته، ما تطلبش منه يسامحني. أنا عارف إني ما استاهلش. بس اديله الفلوس دي وقوله إني أخيرًا فهمت.” فضلت باصص للشاشة. وبعدين رفعت عيني. — هو اللي بعت الفلوس؟ هز أبوه راسه. — جمعها من شغله. بصيت للظرف. المرة دي… شكله اختلف في عيني. مش تمن بنزين.

كان تمن درس اتعلمه متأخر. قلت: — برضه مش هاخدهم. استغرب. قلت: — لو هو فعلًا فهم… يبقى الفلوس دي مش بتاعتي. — أمال؟ قلت: — خليه يودي أمه وأبوه بيهم مكان حلو. الراجل ضحك. — إحنا مش محتاجين. قلت: — وأنا كمان. سكت شوية. وبعدين خطرت لي فكرة. قلت: — أو يعمل حاجة أحسن. — إيه؟ — أول مرة يشوف حد محتاج توصيلة في طريقه… يوصله من غير مقابل.

ابتسم أبوه. أخد الظرف. وقبل ما يقوم قال: — مش هتسامحه؟ السؤال وقفني. فكرت. وبعدين قلت: — أنا مسامحه. ابتسم. لكني كملت: — بس المسامحة مش معناها إننا نرجع أصحاب. اختفت ابتسامته شوية. قلت: — فيه ناس بنسامحهم علشان إحنا نرتاح… مش علشان نرجعهم لحياتنا. هز راسه. — عندك حق. سلم عليا ومشي. وانتهى الموضوع. أو ده اللي كنت فاكره. بعد أسبوعين… كنت خارج من الشغل. لقيت الدنيا بتمطر جامد.

وأنا واقف عند إشارة… شفت عربية توصيل واقفة على الناحية التانية. السواق نزل منها. كان هو. سامح. شافني. وشوفته. فضلنا باصين لبعض كام ثانية. لا أنا قربت. ولا هو قرب. لكن قبل ما الإشارة تفتح… راجل كبير في السن كان واقف تحت المطر بيحاول يوقف عربية. شفت سامح يبص له. وبعدين بص لي. وبعدين نزل إزاز العربية. ناداه. الراجل قرب. سامح فتح له الباب. ركب الراجل. وقبل ما العربية تتحرك…

سامح بص لي مرة أخيرة. ورفع إيده من بعيد. رفعت إيدي. بس. لا اعتذار. لا حض.ن. لا رجوع صداقة. ولا نهاية سينمائية. كل واحد كمل طريقه. لكن وأنا بسوق ناحية البيت… ابتسمت. لأن ساعات أفضل اعتذار مش كلمة “آسف”. أفضل اعتذار… إن الإنسان ما يكررّش نفس الغلط مع شخص تاني. وصلت البيت. لقيت أمي عاملة شاي. أول ما دخلت قالت: — مالك مبتسم كده؟ قلعت الجاكيت المبلول وقلت: — قابلت صاحبي القديم.

رفعت حاجبها. — صاحبك؟ ضحكت. — خلاص يا أمي… واحد كنت أعرفه. قالت: — وعمل إيه؟ قعدت قدامها. — افتكرته اتغير. حطت كوباية الشاي قدامي وقالت: — الناس بتتغير يا ابني… بس مش كل واحد اتغير لازم ترجعه مكانه القديم. بصيت لها. قلت: — إنتِ عندك إجابة لكل حاجة؟ قالت بمنتهى الثقة: — طبعًا… أنا أمك. ضحكت. ضحكت هي كمان. ومدت إيدها ناحية طبق البسكويت. وفي اللحظة دي فهمت حاجة أخيرة:

اليوم اللي دخلت فيه أمي المستشفى… كنت فاكره واحد من أسوأ أيام حياتي. كنت خايف أخسر أمي. وخايف على شغلي. وخسرت شخص كنت فاكره صاحبي. لكن بعد شهور… اكتشفت إن اليوم ده أنقذني. أنقذني من علاقة كان طرف واحد بس فيها بيضحي. علمني أقول “لأ” من غير إحساس بالذنب. وعلمني إن اللي يحبك… مش هيطلب منك تثبت حبك ليه على حساب أهلك أو صحتك أو كرامتك. أما الشخص اللي يغضب أول ما تحط حدود…

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى