ضرتي حامل

فتحت الباب بالراحة، لقيتها نايمة ساندة ظهرها على المخدة، ماسكة تليفونها وبتقلب فيه بروقان. أول ما شافتني داخلة بالطبق، سابت التليفون ودلت رجلها من على السرير ونطقت بنبرة كلها غرور وتكبر: — “حطي الطبق بالراحة هنا عشان الماية ما تطرش على السجادة.. ودعكي كويس عشان رجلي متورمة ومش قادرة!”
في اللحظة دي، عينيا جت في عينها، شفت كمية الشماتة واللؤم اللي راكبين وشها، واستوعبت إن المهانة دي لو عدت النهار ده، بكرة هتطلب مني أبوس إيدها عشان ترضى عني. حسيت بنار شعلت في قلبي ودمي غلى في ثانية، وكل الخوف والك.سرة اللي كانوا جوايا أتحولوا لبركان غضب.
بدال ما أوطي بالطبق تحت رجلها، رفعت إيدي بكل القوة والغل اللي اتجمعوا جوايا السنين دي كلها، ودلقت طبق الماية الدافية بالملح كله على وشها وجسمها والسرير!
مرام صرخت بصوت هز العمارة كلها وهي بتتنفض على السرير والمية مغرقاها والملايات مبلولة، وقامت واقفة وهي بتصرخ وتتف على هدومها:
— “يا مجنونة! يا سعد.. الحقني يا سعد! الحق المجنونة هتمو.تني هي والبيبي!”
أنا ما تحركتش من مكاني، رميت الطبق الألومنيوم على الأرض عمل صوت يرن في الأوضة، ووقفت بصلها بثبات وقسوة عمري ما حسيت بيهم قبل كده، وصرخت في وشها وأنا بشاور بصابعي:
— “أنا مش خدامة عندك ولا عند اللي جابوكي! الماية دي عشان تفوقك وتعرفي مقامك كويس، ورجلك دي لو تفكري تدليها عشان أخدمك، أقطعها لك!”
في أقل من ثانية، باب الأوضة اتفتح بكل قوة، ودخل سعد زي المجنون أول ما سمع صريخها والمية أغرقت المكان…
دخل سعد الأوضة وعيونه زي الدم، اتسمر ثانية وهو شايف مرام مغروقة مية على السرير وبتصرخ وبتترعش، والطبق مرمي على الأرض بيني وبينها. بصلي بنظرة ما فيهاش أي رحمة، زي ما يكون مش شايف قدامه مراته اللي عاشت معاه السنين دي كلها، وجري عليا ومسكني من دراعي بقوة بغشميه حسيت إن عظمي بيتك.سر في إيده.
زقني لورا جامد لحد ما ضهري خبط في الدولاب، ورفع إيده وصرخ في وشي بصوت هز جدران الشقة:
— “أنتِ تجننتي يا حرمة؟! أنتِ نسيتي نفسك وقدرك ولا إيه؟! بتدلقي المية عليها وتصرخي في بيتي؟!”
مرام استغلت المنظر وفضلت تصوت وهي بتعيط وتتمسكن، ومسكت في قميصه وهي بتشهق:
— “الحقني يا سعد.. دي كانت عايزة تسقطني ومو.ت البيبي! بتقولي أقطعلك رجلك ومستكثرة عليا نقطة مية! طردها من البيت يا سعد، دي مش أمنة على ولادك ولا عليا!”
سعد لفلي وشعنونة الغضب عمياه، مسكني من طوق جلابيتي ورفعني لفوق وهو بيبصلي بقسوة وعينيه متثبتة في عينيا:
— “أنا ساكتلك ومتحملك وبقول معلش ما بتخلفش ونفسيتها تعبانة.. لكن تمدي إيدك على مراتي وتئذي عيالي؟ قسمًا بالله ما تبقي على ذمتي ثانية واحدة تانية!
هتاخدي هدومك على ضهرك وتروحي بيت أهلك طالق بالثلاثة، واقعدي هناك حيطة سادة لحد ما تعفني!”
أنا في اللحظة دي، الغريبة إن الدموع جفت من عينيا تمامًا. القسوة والظلم اللي شفتهم منه فتحوا عيني على الحقيقة اللي كنت بتهرب منها.. مسكت إيده اللي كانت ماسكة طوقي، وبصيتله بثبات وبرود أشد من بروده، ونفضت إيده عني بقوة وقفت على طولي:
— “رميت اليمين عشان فاكر إنك بتك.سرني؟ أنت ما بتك.سرنيش يا سعد.. أنت بتفك أسر واحدة عاشت خدامة تحت رجليك ورجلين أهلك السنين دي كلها وسكتت عشان صايناك! طلقتني؟ ياريتك عملتها من زمان!”
بصيت لمرام اللي كانت واقفة وراه ومربوعة، والابتسامة رجعت تتسلل لوشها لما سمعت كلمة الطلاق، فابتسمت لها أنا كمان ابتسامة وجع وقوة وقيلتلها:
— “اشبعي بيه وبخدمته وبالعيال اللي هتهد حيلك لوحدك من بكرة.. أشوفك كمان سنة لما تتدوري في الساقية دي وتعرفي إن اللي يبيع الأولى عشان الخلفة، يبيع التانية أول ما المصلحة تخلص!”
لفيت ضهري ومشيت ناحية أوضتي بكل ثبات، سيبتهم واقفين مصدومين من رد فعلي، ودخلت ألم هدومي
لميت هدومي في الشنطة وبإيدي اللي كانت بتترعش من القهر بس متمسكة بكل نقطة كرامة فاضلة جوايا.
ما خدتش معايا غير الحاجة اللي جيبتها بفلوسي وعرقي، وسِبت كل حاجة تانية بنيتها في البيت ده على مدار سنين.
خرجت من الأوضة ماسكة الشنطة في إيدي، ولقيت سعد واقف في الصالة ومربع إيديه ومستني يشوفني ببتسحب أو بطلب منه يسيبني، ومرام واقفة وراه لافة الفوطة حوالين جسمها وبتبصلي بنظرة شفقة متصنعة.
أول ما قربت من باب الشقة، سعد وقف في وشي وبصلي بنظرة ناشفة وقال:
— “طالعة بالشنطة فاكرة إنك هترجعي بسهولة؟ الرجل اللي تخرج من البيت ده مش هتعتبه تاني يا أميرة، وأهلك مش هيستحملوكي كتير وأنتِ راجعة لهم بشنطة هدومك لا عيل ولا تيل.”
بصيت في عينه بثبات عمري ما حسيته قبل كده، وما ادتلوش الفرصة يشوف دمعة واحدة نازلة من عيني، وقلتله بصوت هادي ومترتب:
— “بيت أهلي اللي بتهددني بيه أكرملي ألف مرة من العيشة في جحيمك. الشنطة دي فيها كرامتي اللي كنت بدوس عليها كل يوم عشان أحافظ على بيتك، والنهار ده أنا خدتها ورجعت لنفسي. اشبع بالبيت واشبع بالخدمة اللي هتجربها مرام بنفسها من بكرة.”
فتحت الباب وخرجت، وسمعت صوت مرام وهي بتبدأ تنادي عليه عشان تشغله بالولاد وبالبيت اللي بقى كله على دماغها من اللحظة دي.






