درجة رجال اعمال للكاتبة اسما السيد

بصيت لداليا.
كانت عينيها في الأرض.
لكن التسجيل ما خلصش.
عمي سأل:
— والشركة اللي باسمها؟
حسام رد:
— أول ما ننقل الأصول، نخلي الشركة تغرق. داليا تتحمل القرض، وأسما تتحمل الضمانات.
صلاح ضحك.
— وإحنا؟
حسام قال جملة خلتني أشيل السماعة من ودني:
— إحنا ناخد الأرض والفلوس ونطلع نضاف.
داليا قالت:
— كملي.
رجعت السماعة.
صوت عمي جه تاني:
— أبو أسما لو اكتشف؟
حسام:
— مش هيعرف غير بعد فوات الأوان.
صلاح:
— إنت متأكد؟
حسام ضحك.
— الراجل واثق في أخوه… وأسما واثقة في جوزها.
وبعدين عمي قال:
— الثقة أرخص مفتاح لأي خزنة.
قفلت التسجيل.
ماعيطتش.
حطيت الفلاشة في إيدي.
وقلت:
— دي هتيجي معايا.
داليا قالت:
— بشرط.
— مفيش شروط.
— دي النسخة الوحيدة.
بصيت لها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
قلت:
— لأ.
وشها اتغير.
— يعني إيه؟
أشرت ناحية مدخل الكافيه.
المحامي كان واقف هناك.
ومعه راجل تاني.
قلت:
— من أول ما قعدنا، كل حاجة اتوثقت.
داليا قامت مفزوعة.
— إنتِ خدعتيني!
قلت:
— زي ما إنتِ خدعتيني لما قولتي إنك مجرد ضحية.
المحامي قرب.
لكن قبل ما يوصل…
موبايل داليا رن.
بصت للشاشة.
وشها بقى أبيض.
ورتني الاسم.
حسام.
قلت:
— ردي.
— لأ.
— ردي وافتحي السماعة.
إيديها كانت بتترعش.
ردت.
— ألو؟
صوت حسام جه غاضب:
— إنتِ فين؟
— ليه؟
— الورق معاكي؟
داليا بصتلي.
قلت لها بإشارة تكمل.
قالت:
— ورق إيه؟
حسام صرخ:
— متستعبطيش! الظرف والفلاشة اختفوا!
داليا قالت:
— معرفش.
سكت ثانيتين.
وبعدين حسام قال بهدوء أخطر من صراخه:
— إنتِ قابلتي أسما؟
داليا ما ردتش.
قال:
— داليا… لو قابلتيها، يبقى إنتِ عملتي أكبر غلطة في حياتك.
وفجأة سمعنا صوت تاني بعيد عنده.
صوت راجل.
أنا عرفته فورًا.
عمي صلاح.
كان بيقول:
— سيبك منها… الورق الأصلي مش معاها أصلًا.
بصيت للمحامي.
هو كمان سمع.
داليا قالت بسرعة:
— أمال مع مين؟
حسام سكت.
عمي قال من بعيد:
— اقفل يا غبي!
لكن قبل ما المكالمة تتقفل…
سمعت حسام بيقول:
— الأصل في المكان اللي عمر أسما ما هتفكر تدور فيه.
المكالمة اتقفلت.
فضلت باصة للموبايل.
المحامي قال:
— لازم نعرف يقصد إيه.
وأنا فجأة افتكرت حاجة.
حاجة حصلت قبل السفر بيوم واحد.
حسام كان واقف في أوضة الأطفال.
لوحده.
ولما دخلت عليه، اتخض.
كان ماسك صندوق خشب صغير.
سألته:
— بتعمل إيه؟
قال:
— برتب حاجات الولاد.
وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي…
جريت ناحية شنطة الأطفال اللي كانت معايا.
فتحتها.
طلعت هدوم.
حفاضات.
بطاطين.
لحد ما وصلت للقاع.
وكان فيه شيء أنا متأكدة إني ماحطتهوش.
دبدوب صغير جديد.
مسكته.
كان تقيل بشكل غريب.
المحامي قال:
— استني، متفتحيهوش هنا.
لكن وأنا بقلبه…
حسيت بحاجة صلبة جواه.
بصيت لداليا.
وبعدين للمحامي.
قلت:
— حسام كان متأكد إن الحاجة الوحيدة اللي عمره ما هيفتشها حد…
هي شنطة تلات أطفال.
وبهدوء، المحامي فتح جزء صغير من خياطة الدبدوب.
ومد إيده جواه.
طلع ظرف بلاستيك ملفوف بعناية.
فتحه.
وفي اللحظة اللي شفت فيها أول ورقة…
عرفت إننا لقينا الأصل.
لكن تحت العقود كان فيه مستند تاني.
مش متعلق بالأرض.
ولا بالشركة.
ولا بالقرض.
ورقة رسمية عليها اسم حسام.
وتحت اسمه…
اسم طفل.
وتاريخ ميلاد من سنتين.
بصيت لداليا.
وشها اتغير.
قلت:
— داليا…
رفعت الورقة قدامها.
— مين الطفل ده؟
داليا بدأت ترجع لورا.
وقالت بصوت مرتعش:
— الطفل ده…
سكتت.
— قولي.
رفعت عينيها ليا وقالت:
— ابن حسام.
قلت:
— ابن حسام من مين؟
لكن داليا هزت راسها.
— مش مني.
وهنا…
حتى هي نفسها كانت مرعوبة.
لأن الاسم المكتوب في خانة الأم…
كان اسم ست تالتة.
بصيت للورقة وأنا مش قادرة أستوعب.
حسام عنده طفل عمره سنتين؟
ومن ست تالتة؟
داليا قربت تشوف الاسم.
وفجأة قالت:
— أنا أعرفها.
رفعت عيني لها.
— مين؟
— ريم فؤاد.
— مين ريم؟
داليا قعدت على الكرسي كأن رجليها ما بقتش شايلها.
— كانت محاسبة في الشركة القديمة اللي حسام كان شغال فيها.
سألتها:
— وكانت على علاقة بيه؟
— معرفش… بس اختفت فجأة من الشغل من حوالي سنتين.
المحامي أخد الورقة بحذر وقال:
— إحنا مش هنفترض أي حاجة من المستند ده لوحده. لازم نتحقق من صحته ومن طبيعة البيانات اللي فيه.
هزيت راسي.
الغريب إن خبر الطفل ما كسرنيش زي ما كنت أتوقع.
يمكن لأني كنت بالفعل وصلت لمرحلة مابقاش عندي فيها شيء سليم جوايا حسام يقدر يكسره.
قلت:
— أنا مش عايزة أدور ورا ست رابعة وخامسة. أنا عايزة أحمي نفسي وولادي وأرض أمي.
المحامي قال:
— وده اللي هنعمله.
بصيت لداليا.
— وإنتِ هتعملي إيه؟
قالت:
— هشهد.
— بكل حاجة؟
سكتت.
قلت:
— من غير اتفاقات بيني وبينك. ومن غير ما أخبي حاجة عملتيها.
نزلت عينيها.
— موافقة.
قلت:
— حتى لو اتحاسبتي إنتِ كمان.
رفعت عيني وقالت:
— موافقة.
لأول مرة حسيت إنها فهمت إن مفيش طريق ترجع منه نظيفة تمامًا.
الليلة دي ما نمتش.
المحامي احتفظ بنسخ موثقة من المستندات والفلاشة، واتعملت إجراءات قانونية عاجلة في مصر لوقف أي تصرف جديد لحين فحص الأوراق والتوقيعات ومراجعة موقف الشركة والقروض.
وأبويا رجع يتابع الموضوع مع محامين في مصر بدل ما يركب الطيارة فورًا.
أما أنا…
فقعدت جنب التلات أطفال.
وبصيت لهم واحد واحد.
وقلت:
— خلاص.
مش عارفة كنت بكلمهم…
ولا بكلم نفسي.
— خلاص يا ولاد.
الصبح، حسام اتصل بيا سبعتاشر مرة.
ما رديتش.
وبعدين بعت:
“إنتِ معاكي حاجة تخصني.”
ضحكت وأنا بقراها.
بعد كل اللي عمله…
الورق بقى “يخصه”.
بعتله جملة واحدة:
“أي كلام من دلوقتي يبقى عن طريق المحامي.”
رد بعدها بثواني:
“إنتِ بتدمري بيتك بإيدك.”
المرة دي رديت:
“البيت اتدمر يوم ما قررت تسرق مراته، مش يوم ما مراته اكتشفت.”
وبعدها عملتله حظر.
رجعت مصر مع أول رحلة مناسبة بعد ما رتبت وضعي أنا والأطفال.
المطار كان أكتر مكان خوفت أرجعله.
لكن أول ما خرجت من البوابة…
لقيت أبويا.
واقف مستنيني.
أول ما شافني، ماقالش ولا كلمة.
خد أول طفل.
وبعدين التاني.
وبعدين بصلي وقال:
— التالت بتاعك بقى… أنا كبرت.
ضحكت.
وسط كل اللي كنت فيه…
ضحكت بجد.
وبعدين حضني.
وقال:
— حقك مش هيروح.
قلت:
— أنا مش عايزة حد يحارب مكاني يا بابا.
بصلي باستغراب.
قلت:
— عايزاك تقف جنبي… بس أنا اللي هواجه.
هز راسه.
— زي ما تحبي.
أما عمي صلاح…
فماشفتهوش أول يوم.
ولا التاني.
في اليوم التالت، جه بيت أبويا.
كنت عارفة إنه جاي.
وقعدت مستنياه.
دخل وهو عامل نفسه الراجل الكبير اللي جاي يصلح مشكلة عائلية.
قال:
— إحنا لازم نقفل الموضوع ده بينا.
قلت:
— مفيش “بينا”.
اتنهد.
— أسما، حسام لعب في دماغك.
ضحكت.
— حسام؟
— أيوه. هو اللي عمل كل حاجة.
حطيت قدامه صورة المكتب.
وشه اتغير للحظة.
قال:
— الصورة دي ما تثبتش حاجة.
شغلتله جزء صغير من التسجيل.
صوته هو.
“المهم أسما متبقاش في مصر يوم التسجيل.”
مد إيده ناحية الموبايل.
قفلت التسجيل.
قلت:
— كفاية؟
سكت.
ولأول مرة في حياتي شفت عمي صلاح من غير القناع.
قال:
— إنتِ مش فاهمة البيزنس.
— وأنا مش محتاجة أفهم “بيزنس” علشان أعرف إن توقيعي مايتزوروش.
— محدش كان هياخد حقك.
— أمال كنتوا بتعملوا إيه؟
خبط بإيده على الترابيزة.
— الأرض كانت واقفة! وأنا كنت هضاعف قيمتها!
قلت:
— بأرضي وقرض باسمي وشركة باسم عشيقة جوزي؟
سكت.
قلت:
— اخرج.
— أسما…
— اخرج من بيت أبويا.
وقف.
وقبل ما يمشي قال:
— لو دخلتي الموضوع في قضايا، العيلة كلها هتتفضح.
بصيتله.
— اللي يخاف من الفضيحة ما يعملش حاجة يخاف الناس تعرفها.
وخرج.
كانت آخر مرة أكلمه فيها باعتباره عمي.
بعدها…
بقى مجرد طرف في قضية.
الأشهر اللي بعدها ما كانتش سهلة.
وأنا مش هقول إن كل حاجة اتحلت في أسبوع، لأن ده ماحصلش.
المستندات اتراجعت.
التوقيعات اتفحصت.
التحويلات البنكية اتتبعت.
والفلاشة اللي داليا احتفظت بيها فتحت أبواب أكتر مما كنا متوقعين.
واتضح إن حسام وعمي صلاح كانوا عاملين شبكة معاملات بين أكتر من شركة.
لكن أهم حاجة بالنسبة لي…
إن التصرف في أرض أمي اتوقف، والعقد اللي عليه النزاع ماقدرش يتحول ببساطة للأمر الواقع اللي كانوا مخططين له.
أما القروض والضمانات، فدخلت في نزاع قانوني ومراجعة للمستندات والتوقيعات بدل ما أفضل ساكتة وأتعامل معاها كأنها ديون طبيعية عليا.
وداليا؟
قدمت اللي عندها.
لكن الأدلة كشفت كمان إنها كانت عارفة جزء من الخطة وساهمت في تأسيس الشركة.
فما خرجتش من الموضوع بطلة.
ولا أنا اعتبرتها واحدة.
هي ساعدتني في الآخر، آه.
لكن ده ما مسحش اللي عملته في الأول.
أما ريم…
فالتحقق من المستندات كشف إن الطفل كان فعلًا مرتبطًا بحسام في الأوراق اللي لقيناها.
أنا ما حاولتش أوصل لها.
ماكانش عندي رغبة أقتحم حياة طفل مالوش ذنب.
كل اللي احتجته من الموضوع كان الحقيقة المتعلقة بجوزي.
والحقيقة كانت واضحة:
أنا ماكنتش متجوزة الراجل اللي كنت فاكرة إني متجوزاه.
حسام حاول يرجع.
طبعًا حاول.
أول مرة بعت من رقم جديد:
“أنا غلطت، بس إحنا عندنا تلات أطفال.”
ما رديتش.
بعد أسبوع:
“داليا هي اللي ورطتني.”
ما رديتش.
بعدها:
“عمك استغلني.”
برضه ما رديتش.
وبعدين جت الرسالة اللي كنت مستنياها من غير ما أعرف:
“أنا مستعد أرجعلك كل حاجة مقابل إننا ننهي الموضوع بهدوء.”
قريتها.
وبعتها للمحامي.
وبس.
لأني أخيرًا فهمت حاجة:
لما واحد يقولك “نحل الموضوع بهدوء” بعد ما يتكشف…
غالبًا الهدوء اللي بيدور عليه مش عشان راحتك.
عشان نجاته.
إجراءات الانفصال بدأت.
وموضوع الأطفال اتعاملت معاه بعيد عن الانتقام.
مهما كان حسام عمل فيا…
أنا رفضت أستخدم التلاتة كسلاح.
حقوقهم حاجة.
وجريمته في حقي حاجة تانية.
لكن في نفس الوقت، ما سمحتش إن كلمة “أبوهم” تتحول لحجة يضغط بيها عليا.
كل شيء بقى رسمي.
موثق.
وعن طريق المختصين.
بعد شهور، كنت قاعدة في بيت أبويا.
الساعة كانت تلاتة الفجر.
واحد من التلاتة بيعيط.
التاني صحي على صوته.
والتالت قرر يصحى تضامنًا معاهم.
قعدت وسطهم وأنا شعري منكوش وهدومي عليها لبن، وضحكت.
بابا دخل وقال:
— بتضحكي على إيه؟
قلت:
— افتكرت السفرية.
قال:
— أنهي سفرية؟
بصيتله.
— السفرية اللي حسام قال إنه محتاجها عشان يرتاح من صوت العيال.
أبويا ضحك.
قلت:
— تعرف أغرب حاجة؟
— إيه؟
— أنا وقتها كنت فاكرة إن أسوأ حاجة عملها إنه حجز لنفسه رجال أعمال وسابني في الاقتصادية.
سكت شوية.
وبصيت للتلاتة.
— طلع ده كان ألطف جزء في القصة كلها.
بعد حوالي سنة…
رجعت المطار تاني.
المرة دي مكنتش بهرب من حاجة.
كنت مسافرة مع التلاتة وأبويا كام يوم.
وأنا عند بوابة الصعود، الموظفة بصت للتذاكر وقالت:
— حضرتك والأطفال الأربعة…
ضحكت وقلت:
— تلاتة بس. الرابع ده والدي.
أبويا قال:
— شكرًا يا بنتي.
ضحكت الموظفة.
وبعدين ادتني بطاقات الصعود.
بصيت عليها.
درجة اقتصادية.
الأربع تذاكر جنب بعض.
أبويا قال:
— كان ممكن نطلع رجال أعمال.
قلت:
— لأ، كده أحسن.
— ليه؟
بصيت للتلات أطفال وهما بيتخانقوا على لعبة واحدة رغم إن معاهم تلات ألعاب شبه بعض.
وقلت:
— عشان الإجازة الحقيقية مش إنك تسيب مسؤوليتك ورا الستارة وتقعد لوحدك.
الإجازة إنك تبقى وسط الناس اللي بتحبهم…
من غير ما يكون فيه حد بيستخدمك.
ولا بيسرقك.
ولا بيخطط يوقعك وإنت نايمة من التعب.
ركبنا الطيارة.
قعدت جنب الشباك.
واحد من التلاتة نام على كتفي.
والتاني مسك إيدي.
والتالت بدأ يعيط قبل الإقلاع كالعادة.
ضحكت.
وبصيت من الشباك.
من سنة، طلعت على طيارة وأنا فاكرة إني ست مرهقة محتاجة جوزها يساعدها.
ونزلت منها وأنا مكتشفة إن جوزي كان بيخوني وبيسرقني وبيخطط ياخد أرض أمي ويسيبني غرقانة في الديون.
لكن الحقيقة إن حسام عمل غلطة واحدة قلبت خطته كلها عليه.
هو افتكر إن تعبي معناه إني ضعيفة.
وإن ثقتي فيه معناها إني غبية.
وإن وجود تلات أطفال في حضني معناه إني مش هقدر أحارب.
مافهمش إن الست اللي قادرة تصحى كل ليلة على عياط تلات أطفال…
وتقوم تاني الصبح…
وتكمل…
مش سهلة تتكسر.
المضيفة قربت وقالت:
— حضرتك جاهزة للإقلاع؟
بصيت للتلاتة.
وبعدين ابتسمت.
— جدًا.
الطيارة اتحركت.
ولأول مرة من وقت طويل…
ماكانش فيه حد قدامي في درجة رجال الأعمال مستنياه يرجع يساعدني.
وماكانش فيه حد مستخبي ورا الستارة.
وماكانش فيه كدبة مستنية تتكشف.
كان فيه أنا.
وولادي.
وحياة جديدة…
أنا اللي اخترت مقعدي فيها.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








