ازل وشاهين

ثم ضحك.
ضحكة رجل نجا أخيرًا من حرب طويلة.
قال:
— أنا حاسس إني كنت لازم أسجل اللحظة دي.
ضحكت وهي تضربه في كتفه.
— بطل رخامة.
قال:
— لا والله، دي لحظة تاريخية.
قالت:
— ممكن أرجع في كلامي.
أمسك قلبه بتمثيل.
— لا يا دكتورة، إحنا اتفقنا.
قالت وهي تضحك:
— إنت مستفز.
نظر لها.
وقال بهدوء:
— وإنتِ حبيبتي.
توقفت.
الكلمة هذه المرة لم تخفها.
بل طمأتها.
لكن حين عادت أزل إلى البيت، وجدت آدم مستيقظًا.
نظر إليها.
ثم إلى وجهها.
ثم ابتسم.
قال:
— قالك؟
اتجمدت.
— قاللي إيه؟
ضحك.
— إنه عايز يتجوزك.
أزل فتحت فمها.
— إنت عرفت منين؟
— هو سألني الأول.
صمتت.
— إيه؟
قال آدم:
— قالي إنه مش هيتقدم خطوة من غير ما يعرف إني مرتاح.
جلست أزل.
شيء جديد تحرك في قلبها.
قالت:
— وإنت قلتله إيه؟
اقترب آدم.
وقال:
— قلتله أنا مش عايز مكان بابا يتاخد.
سكتت.
قال:
— وهو قالي “ولا أنا عايز آخده.”
دموعها تجمعت.
أكمل:
— قالي إنه هيكون شاهين وبس.
قالت أزل:
— وإنت؟
ابتسم.
— قلتله ده كفاية.
احتضنته.
قال وهو يضحك:
— بس عندي شرط.
قالت:
— إنت كمان؟
— آه.
— إيه؟
— متخلفوش بسرعة.
ابتعدت عنه بصدمة.
— يا ولد!
ضحك وجرى.
— أنا مش ناقص بيبي يصحيني بالليل!
صرخت وراءه:
— آدم!
كان ضحكه يملأ البيت.
وللمرة الأولى منذ عادت، شعرت أزل أن هذا البيت قد يسمع ضحكًا أكثر مما سمع بكاء.
لكنها لم تكن تعرف أن المواجهة الأخيرة لم تأتِ بعد.
ففي صباح اليوم التالي، وصل إلى شاهين رجل يحمل خبرًا عن مراد.
خبرًا لا يتعلق بالمال.
ولا بالتوقيعات.
بل بشيء فعله مراد قبل سنوات…
كان كفيلًا بأن يجعل شاهين يعيد النظر في كل ما يظنه عن الماضي.
يتبع في الفصل الخامس والأخير: الحقيقة الكاملة، المواجهة الأخيرة، والزواج الذي يأتي بعد خمسة عشر عامًا من الفقد.
وصل الرجل إلى شاهين قبل الظهر بقليل.
كان في أواخر الستينات، عريض الكتفين رغم انحناءة العمر، وملامحه تحمل ذلك النوع من التعب الذي يتركه حمل سرٍّ طويل.
دخل مكتب شاهين وهو يضم ملفًا بنّيًا إلى صدره.
قال السكرتير:
— بيقول الموضوع يخص الأستاذ مراد… ويخص الدكتورة أزل.
مجرد سماع اسمها جعل شاهين يرفع رأسه.
قال:
— دخله.
دخل الرجل.
وقف لحظة كأنه يختبر الكلمات في رأسه قبل أن ينطق بها.
— إنت المهندس شاهين عبد الرحيم؟
— أيوه.
— أنا عبد المقصود… كنت شغال مع مراد الله يرحمه من أكتر من عشرين سنة.
أشار شاهين إلى الكرسي.
— اتفضل.
لكن الرجل لم يجلس.
قال:
— أنا مش جاي على فلوس.
تصلبت ملامح شاهين.
— أمال جاي ليه؟
نظر الرجل إلى الملف في يده.
ثم مدّه إليه.
— عشان حاجة كان لازم توصل من زمان.
فتح شاهين الملف.
وجد أوراقًا قديمة، بعضها مصفرّ الأطراف.
وبينها ظرف مغلق.
وفي مقدمة الظرف كان مكتوبًا بخط أنثوي صغير:
إلى شاهين.
توقف قلبه.
رفع عينيه إلى الرجل.
— ده إيه؟
قال عبد المقصود:
— جواب.
— من مين؟
نظر إلى الاسم.
هو يعرف الخط.
رآه على دفاتر المدرسة.
على قصاصات صغيرة كانت أزل تخفيها له بين صفحات الكتب.
قال بصوت خافت:
— أزل.
هز الرجل رأسه.
— أيوه.
وقف شاهين.
— الجواب ده كان فين؟
— عند مراد.
تغير وجهه بالكامل.
قال:
— إنت بتقول إيه؟
ابتلع الرجل ريقه.
— أنا كنت بشتغل معاه وقتها. يوم من الأيام جاله ظرف من مصر. هو فتحه… قراه… واتعصب.
قبض شاهين يده.
— وبعدين؟
— بعدها اداني الظرف وقاللي أحرقه.
الصمت الذي وقع بعدها كان ثقيلًا.
قال شاهين:
— وإنت محرقتهوش؟
— لأ.
— ليه؟
نظر الرجل إلى الأرض.
— معرفش. يمكن عشان طريقة كلامه خلتني أحس إن الورقة دي فيها ظلم لحد. خبّيتها.
رفع شاهين الظرف بيد بدأت ترتجف.
— من خمستاشر سنة؟
— تقريبًا.
— وساكت كل ده؟
قال الرجل بصوت مكسور:
— أنا غلطت.
شاهين لم ينكر.
قال:
— آه، غلطت.
ثم أضاف:
— جدًا.
خفض الرجل رأسه.
— بعد وفاة مراد وأنا بصفي حاجات قديمة عندي، افتكرت الظرف. ولما سمعت إن الدكتورة أزل رجعت وإنك موجود… قلت لازم أوصله.
سكت شاهين.
ثم قال:
— مراد قراه؟
— كله.
— قال حاجة؟
تردد الرجل.
ثم قال:
— قال جملة.
رفع شاهين عينيه.
— إيه؟
قال الرجل:
— “طول ما أنا عايش، الواد ده مش هيعرف إنها لسه عايزاه.”
جمدت الكلمات الهواء.
لم يتحرك شاهين.
لم يرمش.
كان هناك غضب صامت يتكون داخله، لكنه لم يكن غضبًا يحتاج إلى صراخ.
كان غضب رجل اكتشف أن خمسة عشر عامًا كاملة لم يسرقها القدر وحده.
كان هناك من ساعده.
ظل شاهين بعد رحيل الرجل واقفًا بجوار النافذة.
الظرف أمامه.
لم يفتحه.
كان يستطيع.
لكنه لم يفعل.
لأن الرسالة لم تعد له وحده.
اتصل بأزل.
ردت بعد رنتين.
— ألو؟
قال:
— إنتِ فين؟
لاحظت صوته فورًا.
— في المستشفى. مالك؟
— محتاج أشوفك.
— حصل حاجة؟
سكت.
قالت:
— شاهين؟
— مفيش خطر. بس لازم تشوفي حاجة.
بعد ساعة، كانت جالسة أمامه في المكتب.
وضع الظرف على الطاولة.
في اللحظة التي رأت فيها خطها، تغير لون وجهها.
لم تمد يدها.
بقيت تحدق فيه.
قالت:
— ده…
— جوابك.
رفعت عينيها إليه.
— إزاي؟
حكى لها.
كل شيء.
عبد المقصود.
مراد.
الأمر بحرق الرسالة.
والجملة.
حين انتهى، كانت أزل صامتة.
قال شاهين:
— أنا مفتحتوش.
نظرت إليه.
— ليه؟
— لأنك كتبتيه وإنتِ في حالة يمكن متحبيش حد يقراها دلوقتي.
ارتجفت شفتاها.
قال:
— لو عايزة تفتحيه، افتحيه. لو عايزة تحرقيه، احرقيه. لو عايزة تديني إياه، هديني.
مدت يدها أخيرًا.
أخذت الظرف.
لم يكن مجرد ورق.
كان صوت بنت في الثامنة عشرة، انتظرت خمسة عشر عامًا كي يسمعها أحد.
فتحت الظرف.
أخرجت الورقة.
كان الحبر قد بهت.
بدأت تقرأ.
وبعد السطر الأول، انكسرت أنفاسها.
قال شاهين:
— أزل…
رفعت يدها.
— استنى.
وأكملت.
قرأته في صمت.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم مدت الورقة إليه.
قال:
— متأكدة؟
هزت رأسها.
أخذها.
كانت كلماتها القديمة بسيطة.
لا بلاغة فيها.
فقط خوف.
“شاهين، أنا آسفة. أنا مش كويسة. مش عارفة أكلمك ولا أوصلك. أنا بحاول أعيش. متفتكرش إني نسيتك. أنا كل يوم بفتكرك. لو كنت زعلان مني، حقك. بس متكرهنيش. أنا مشيت بالعافية. أنا كان نفسي أختارك.”
توقف شاهين عند آخر جملة.
أنا كان نفسي أختارك.
أغمض عينيه.
خمسة عشر عامًا من الغضب تراجعت فجأة أمام بنت صغيرة كانت تستغيث على الورق.
قال بصوت مبحوح:
— يا أزل…
بكت.
لكن هذه المرة لم تكن دموع ضعف.
كانت دموع حداد.
حداد على السنوات.
على الفرصة الأولى.
على الشاب الذي ظن أنه مرفوض.
وعلى الفتاة التي ظنت أن صوتها لم يصل لأنه لم يعد يريد سماعه.
قال شاهين:
— أنا آسف.
نظرت له.
— إنت آسف على إيه؟
— إني صدقت إنك نسيتي.
قالت:
— وأنا آسفة إني عشت سنين فاكرة إنك قريت وسكت.
سكتا.
ثم قالت:
— مراد كان عارف.
— أيوه.
— عارف إني كنت بحبك.
— أيوه.
رفعت يدها إلى فمها.
قالت:
— عشان كده كان بيكره اسمك.
نظر إليها شاهين.
بدأت أجزاء كثيرة قديمة تتجمع في عقلها.
قالت:
— كان كل ما حد في البلد يجيب سيرتك يتنرفز.
— كنت فاكرة غيرة.
ضحكت بمرارة.
— طلعت خوف.
قال شاهين:
— خوف من إيه؟
نظرت له.
— إني أعرف إنك لسه مستنيني.
سكت.
ثم أضافت:
— ويمكن كان خايف إنك تعرف إني لسه مستنياك.
حين خرجت أزل من المكتب، لم تكن غاضبة فقط.
كانت حاسمة.
قالت لشاهين:
— عايزة أروح لأمي.
سأل:
— أجيلك؟
فكرت.
ثم قالت:
— لأ.
نظر لها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— دي مواجهة لازم أعملها لوحدي.
أومأ.
— هكون مستني.
قالت:
— عارف إيه أجمل حاجة فيك؟
ابتسم.
— أخيرًا هنسمع مدح؟
قالت:
— إنك بقيت تعرف إمتى تقرب… وإمتى تقف مكانك.
ضحك.
— دي خبرة خمستاشر سنة.
دخلت أزل البيت القديم بعد العصر.
كانت أمها جالسة أمام التلفاز.
قالت:
— جيتي بدري.
لم ترد أزل.
جلست أمامها.
قالت:
— أنا لقيت الجواب.
توقف وجه الأم.
وهذا وحده كان كافيًا.
أزل حدقت فيها.
— إنتِ عارفة.
قالت أمها بسرعة:
— جواب إيه؟
— متكدبيش.
سكتت الأم.
قالت أزل:
— الجواب اللي كتبته لشاهين بعد جوازي.
شحبت ملامحها.
— أزل…
— إنتِ كنتي عارفة إنه اتبعت.
لم تجب.
قالت أزل:
— وصل لمراد.
الأم أغلقت عينيها.
أزل شعرت أن قلبها يهبط.
— إنتِ كنتي عارفة؟
قالت الأم:
— أنا…
— كنتي عارفة؟
صرخت الكلمة.
قالت الأم:
— أيوه.
وقفت أزل.
كأن اعترافًا واحدًا أعاد لها كل الغرف المغلقة دفعة واحدة.
قالت:
— إزاي؟
بدأت الأم تبكي.
— مراد كلمني وقتها.
— وقالك إيه؟
— قال إنك بتحاولي تكلمي شاهين.
— وبعدين؟
— قال إن الجواز لازم يستقر.
ضحكت أزل بذهول.
— يستقر؟
— إنتِ كنتي مراته.
— وأنا كنت بستنجد!
— أنا كنت خايفة تطلقي!
قالتها الأم وكأنها اعتراف.
سكتت أزل.
اقتربت منها.
— ليه؟
ردت الأم:
— عشان الناس.
وللمرة الأولى، لم تحاول تجميل الحقيقة.
قالت:
— كنت خايفة الناس تقول بنتي اتطلقت بعد شهرين. كنت خايفة يقولوا إنك بتحبي واحد تاني. كنت خايفة خالتك تقاطعني. كنت خايفة العيلة كلها تكلمني.
بكت.
— كنت خايفة من كل حاجة.
قالت أزل:
— إلا عليا.
رفعت الأم رأسها.
— لأ… كنت خايفة عليكي.
قالت أزل:
— لو كنتي خايفة عليا، كنتي سألتي أنا عايزة إيه.
سكتت الأم.
قالت أزل:
— لو كنتي خايفة عليا، كنتي فتحتيلي الباب لما قولتلك إني تعبانة.
صوتها لم يعد عاليًا.
وهذا جعله أقسى.
— لو كنتي خايفة عليا، كنتي قولتيلي تعالي.
جلست الأم تبكي.
— سامحيني.
وقفت أزل ساكنة.
الكلمة التي انتظرتها سنين جاءت متأخرة.
لكنها جاءت.
قالت الأم:
— أنا ظلمتك.
نزلت دموع أزل.
— آه.
لم تكذب عليها.
— ظلمتيني.
بكت الأم أكثر.
قالت أزل:
— وأنا مش هقولك إن كله عادي.
سكتت.
— ومش هقولك إن كلمة آسفة تمسح خمستاشر سنة.
الأم أومأت.
قالت:
— بس أنا مش عايزة أفضل ابنتك المكسورة طول عمري.
رفعت أمها عينيها.
قالت أزل:
— أنا مسامحاكي عشان أنا محتاجة أتحرر.
ثم أضافت:
— مش عشان اللي حصل بسيط.
مدت أمها يدها.
ترددت أزل.
ثم أمسكتها.
لأول مرة، لم تكن المصالحة إنكارًا للألم.
كانت اعترافًا به.
بعد أسبوع، دخل شاهين بيت العائلة رسميًا.
لم يأتِ بموكب ضخم.
ولا رجال كثيرين.
جاء بأمه دلال.
نفس دلال التي كانت أم أزل تسميها قديمًا “السحارة”.
لكن الزمن فعل ما يفعله دائمًا.
خفف الحدة في الوجوه.
وجعل أشياء كثيرة كانت تبدو ضخمة في الماضي صغيرة أمام ما مرّ بهم.
جلست دلال أمام أم أزل.
الصمت بين المرأتين كان كافيًا ليحكي تاريخًا كاملًا.
قالت أم أزل:
— نورتوا.
ردت دلال:
— بنورك.
ثم نظرت إلى أزل.
ابتسمت.
— كبرتي يا بنتي.
ضحكت أزل.
— غصب عني.
نظر شاهين إليها.
قال:
— لأ، دي كبرت وزادت رخامتها.
رمقته.
— خليك في حالك.
ضحك آدم من آخر الصالة.
قال:
— أنا شايف الجوازة دي هتبقى مسلية.
الجميع ضحك.
حتى أم أزل.
ثم جاء السؤال.
قالت دلال:
— إحنا جايين نطلب أزل لشاهين.
التفتت أم أزل نحو ابنتها.
توقفت لحظة.
كان الماضي كله واقفًا بينها وبين الكلمة.
ثم قالت:
— الرأي رأي أزل.
رفعت أزل عينيها إليها.
كانت تلك الجملة وحدها اعتذارًا ثانيًا.
نظر الجميع إلى أزل.
ابتسم شاهين.
وقال:
— ها يا دكتورة؟
قالت:
— مستعجل أوي.
— بقالي خمستاشر سنة.
ضحك آدم.
قالت أزل:
— موافقة.
شاهين لم يضحك.
لثوانٍ، بقي ينظر إليها فقط.
ثم قال:
— متأكدة؟
ابتسمت.
— متأكدة.
قال:
— عشان محدش يقول إني ضغطت عليكي.
رفعت حاجبها.
— ممكن أغير رأيي دلوقتي.
قال بسرعة:
— لا، خلاص يا جماعة، الشهود سمعوا.
انفجر الجميع في الضحك.
أصرت أزل أن يكون الفرح بسيطًا.
قالت لشاهين:
— أنا مش عايزة حاجة كبيرة.
— تحت أمرك.
— ومش عايزة زحمة.
— حاضر.
— ومش عايزة حد يدخل في تفاصيلنا.
ابتسم.
— دي بالذات تتكتب في العقد.
قالت:
— أنا بتكلم جد.
أمسك يدها.
— وأنا موافق جد.
ثم سأل:
— عندك شروط تانية؟
فكرت.
— آه.
— قولي.
— أفضل أشتغل.
— ده مش شرط أصلًا.
نظرت له.
قال:
— شغلك بتاعك.
— ولو جالنا أولاد؟
— نتشارك.
ضحكت.
— نتشارك إيه؟
— كل حاجة.
— حتى تغيير الحفاضات؟
توقف.
قال:
— هو لازم ندخل في التفاصيل من دلوقتي؟
ضحكت حتى دمعت عيناها.
قال:
— ماشي يا ستي، حتى الحفاضات.
جاء يوم الزواج.
حين جلست أزل أمام المرآة، كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بلون عاجي.
لا طرحة طويلة.
لا زغاريد تصم الآذان.
لا امرأة تمسك شعرها لتفرض عليها شيئًا.
كانت وحدها أمام انعكاسها.
دخل آدم.
كان قد أصبح شابًا طويلًا، يرتدي بدلة داكنة.
وقف خلفها.
قال:
— حلوة أوي.
ابتسمت.
— بجد؟
— آه.
ثم اقترب.
— متوترة؟
فكرت.
قالت:
— شوية.
سأل:
— عايزة ترجعي؟
نظرت إليه في المرآة.
ابتسم.
— شاهين قاللي أسألك.
ضحكت.
— قالك كده؟
— آه. قال “لو أمك مترددة حتى واحد في المية، الفرح يتلغي.”
صمتت.
ثم قالت:
— قوله أمك متأكدة مية في المية.
آدم ابتسم.
— كده تمام.
عندما دخلت أزل، كان شاهين واقفًا ينتظرها.
لم يبدُ كرجل انتصر.
ولم يبدُ كرجل استعاد شيئًا كان يملكه.
كان ينظر إليها كرجل يعرف أن المرأة التي تمشي نحوه جاءت باختيارها.
وهذا هو الفرق كله.
حين وقفت بجانبه، همس:
— ممكن أسألك آخر مرة؟
قالت:
— لو سألت “متأكدة” هضربك.
ابتسم.
— متأك…
قرصته في ذراعه.
قال بصوت منخفض:
— آه يا مجرمة.
ضحكت.
وللمرة الأولى، دخلت زواجًا وهي تضحك.
لم يكن الزواج مع شاهين مثاليًا.
وكان ذلك أجمل ما فيه.
اختلفا.
تشاجرا.
غضبت منه.
وغضب منها.
وفي أول خلاف حقيقي، ارتفع صوته قليلًا.
تجمدت أزل.
لاحظ فورًا.
سكت.
تراجع خطوتين.
قال:
— آسف.
بقيت تنظر إليه.
قال:
— أنا اتعصبت… بس مش هكمل كلام وإنتِ خايفة.
قالت:
— أنا مش خايفة منك.
لكن صوتها لم يكن مقنعًا.
قال:
— جسمك بيقول غير كده.
جلس بعيدًا.
— ناخد وقت.
في تلك الليلة، فهمت أزل أن الشفاء ليس أن تختفي الندوب.
بل أن تجد من لا يضغط عليها حين تؤلمك.
مرت الشهور.
افتتحت أزل مركزًا طبيًا صغيرًا لعلاج النساء والأطفال في القرى المحيطة.
ساعدها شاهين في المبنى.
لكن حين اقترح أن يكتب اسمه على لوحة التبرعات، رفضت.
قالت:
— ليه؟
قال:
— المشروع بتاعك.
— وإنت دفعت جزء كبير.
— وأنا جوزك.
قالت:
— برضه.
ابتسم.
— خلاص اكتبي “فاعل خير وسيم جدًا”.
ضربته بالملف.
— اطلع بره.
ضحك.
أما آدم، فكانت علاقته بشاهين تكبر بهدوء.
لم يناده “بابا”.
وشاهين لم يطلب.
كان “عمو شاهين”.
حتى جاء يوم عيد ميلاد شاهين الأول بعد الزواج.
أعطاه آدم صندوقًا صغيرًا.
فتحه.
كان بداخله قلم معدني.
نقش عليه:
إلى أبي الذي لم يحاول يومًا أن يأخذ مكان أبي.
توقف شاهين.
قرأها مرة.
ثم ثانية.
رفع عينيه إلى آدم.
قال:
— إنت كاتب “أبي”؟
ارتبك آدم.
— لو مش عاجباك نرجعها “عمو”.
نهض شاهين واحتضنه.
ولأول مرة، رأته أزل يبكي بلا محاولة لإخفاء دموعه.
قال آدم داخل حضنه:
— يا عم ما تعيطش عشان القلم مش غالي.
ضحك شاهين وهو يمسح عينيه.
— يا ابني اسكت بدل ما أرميك من البلكونة.
قالت أزل:
— شاهين!
ضحك الثلاثة.
بعد عامين، كانت أزل في السابعة والثلاثين.
لم تكن تفكر في الحمل.
بل كانت قد أقنعت نفسها أن حياتها مكتملة.
لكن في صباح شتوي، وقفت في حمام المركز الطبي تحمل نتيجة تحليل.
وظلت تحدق فيها.
دخلت الممرضة.
— دكتورة، حضرتك كويسة؟
أزل لم ترد.
جلست.
وضعت يدها على بطنها.
ذكرتها اللحظة بنفسها وهي في الثامنة عشرة.
حين جلست على أرض الحمام بعد أن عرفت بحمل آدم.
لكن الفرق هذه المرة كان هائلًا.
في المرة الأولى، جاء الطفل في حياة لا تملكها.
أما الآن…
فكانت حياتها ملكها.
اتصلت بشاهين.
قال:
— ألو؟
لم تتكلم.
قال بسرعة:
— أزل؟ مالك؟
قالت:
— تعالى المركز.
— في حاجة؟
ابتسمت.
— تعالى بس.
وصل.
دخل مكتبها مذعورًا.
— في إيه؟
ناولته الورقة.
قرأ.
ثم توقف.
رفع عينيه.
— ده…
هزت رأسها.
— أيوه.
جلس على الكرسي.
قالت:
— إنت قعدت ليه؟
قال:
— رجلي مش شايلاني.
ضحكت.
نظر للورقة مرة ثانية.
— حامل؟
— آه.
— إحنا؟
ضحكت أكثر.
— لأ الجيران يا شاهين.
رفع رأسه إليها.
وبدأ يضحك ويبكي في الوقت نفسه.
قال:
— أنا هبقى أب.
اقتربت منه.
وضعت يدها على كتفه.
— إنت أب من زمان.
رفع عينيه إليها.
ثم وضع يده فوق يدها.
— بس المرة دي من أول يوم.
قالت:
— من أول يوم.
حين وُلدت الطفلة، أعطاها شاهين لأزل.
قال:
— اختاري الاسم.
نظرت أزل إلى الصغيرة.
وجه هادئ.
قبضتان صغيرتان.
عينان مغلقتان على عالم لم تعرف منه شيئًا بعد.
قال شاهين:
— فكرتي في اسم؟
أزل ابتسمت.
— حُرّة.
رفع حاجبيه.
— حرة؟
— آه.
سأل:
— ليه؟
نظرت إلى ابنتها.
قالت:
— عشان أول حق هتاخده مني قبل أي حاجة… حقها تختار.
سكت شاهين.
ثم قبّل رأسها.
— حرة شاهين عبد الرحيم.
قالت:
— حرة أزل وشاهين.
ابتسم.
— دي أخطر.
بعد سنوات قليلة، مروا جميعًا بجوار الغيط القديم.
كان آدم يقود السيارة هذه المرة.
وحرة في الخلف لا تتوقف عن الكلام.
قالت:
— بابا، هو إنت وماما كنتوا بتحبوا بعض وإنتوا صغيرين؟
قال شاهين:
— أمك كانت بتجري ورايا.
صرخت أزل:
— كداب!
ضحك آدم.
قال:
— أنا مصدق بابا.
قالت:
— إنت خاين.
صرخت حرة:
— طب وبعدين؟
قال شاهين:
— وبعدين أمك سابتني.
ضربته أزل في كتفه.
— يا شاهين!
قال وهو يضحك:
— طيب خلاص.
أوقف آدم السيارة عند طرف الطريق.
نزلوا.
وقفت أزل في المكان نفسه تقريبًا.
شاهين اقترب منها.
قال:
— فاكرة؟
— كل حاجة.
قال:
— أنا قلتلك هنا إيه؟
نظرت له.
— قلتلي ممكن تسامح الدنيا كلها إلا أنا.
خفض رأسه.
— كنت عيل غبي.
قالت:
— كنت موجوع.
سكت.
ثم قال:
— سامحتيني؟
ابتسمت.
— من زمان.
نظر لها.
— وأنا اكتشفت حاجة.
— إيه؟
قال:
— إني مكنتش محتاج أسامحك.
عينها لمعت.
قال:
— إنتِ ما خنتنيش.
— ولا اخترتي غيري.
— إنتِ كنتِ بنت صغيرة محاصرة.
أزل تنفست بعمق.
ثم قالت:
— بس في الآخر اخترتك.
مد يده.
— في الآخر؟
وضعت يدها في يده.
قالت:
— لأ.
ابتسمت.
— لما بقيت أعرف أختار… اخترتك.
من بعيد، صرخ آدم:
— يا جماعة هنبات هنا؟
ضحك شاهين.
قالت حرة:
— سيبهم يا آدم، دول كبار ومُحرجين.
قالت أزل:
— سمعتي البنت؟
قال شاهين بفخر:
— بنتي.
قالت:
— للأسف.
لف ذراعه حول كتفها.
هذه المرة لم تشعر أزل أنها مقيدة.
بل محاطة.
وكان الفرق بين الاثنين هو كل الحكاية.
في الثامنة عشرة، تعلمت أزل أن هناك من يستطيع أن يأخذ قرار الإنسان منه.
وفي الثالثة والثلاثين، تعلمت أن استعادة الحياة لا تبدأ بالانتقام.
ولا بالمال.
ولا حتى بالحب.
تبدأ في اللحظة التي يستطيع فيها الإنسان أن يقول:
أنا أريد.
وأن يقول:
أنا لا أريد.
وأن يعرف أن الكلمتين لهما القيمة نفسها.
أما شاهين، فلم يكن مكافأة على سنوات الألم.
ولم يكن فارسًا جاء لينقذها.
كان فقط الرجل الذي عرف كيف يقف بجوار امرأة أنقذت نفسها.
وحين مد يده إليها للمرة الثانية في حياتهما…
لم يأخذها.
انتظرها.
حتى اختارت هي أن تمسكها.
إهداء مني
إلى كل من قرأ حكاية أزل وشاهين حتى آخر حرف…
أهديكم هذه الرواية بكل ما فيها من وجع، وصبر، وحب، ومواجهة.
إلى كل امرأة أُجبرت يومًا على اختيار لم يكن اختيارها، وإلى كل قلب خسر شخصًا يحبه لأن الظروف كانت أقوى منه، وإلى كل إنسان ظن أن فرصة السعادة ضاعت للأبد…
أتمنى أن تذكركم أزل بأن الإنسان قد يتأخر في الوصول إلى نفسه، لكنه حين يصل لا يعود كما كان.
وأتمنى أن يذكركم شاهين بأن الحب الحقيقي لا يفرض نفسه، ولا يملك، ولا يسلب القرار… بل ينتظر حتى تأتي اليد الأخرى إليه بإرادتها.
شكرًا لكل عين قرأت، ولكل قلب عاش معي تفاصيلهم، ولكل شخص أحب أزل وشاهين وكأنهما حقيقيان.
كانت رحلة طويلة بين الوجع والحب…
وكنت أتمنى من قلبي أن تكون نهايتها على قدر انتظاركم.
بكل الحب، أسما السيد
تمت بحمد الله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








