قصص و روايات

في محل بقالة

وقلت:

— أنا في السبعين من عمري يا حسام. ولم يعد لدي ما يكفي من السنوات لأنتظر حتى تتعلم كيف تحبني كما ينبغي.

ثم صعدت إلى غرفتي.

مقالات ذات صلة

حقيبة واحدة.

هذا كل ما احتجته لأحمل أغراضي من منزل عشت فيه لعقود.

والغريب أن حمل الحقيبة إلى الخارج كان أخف بكثير من البقاء.

# الجزء الثالث — حياة تستحق أن تُعاش

بعد ستة أشهر، كنت أجلس في شرفة فيلا جميلة تطل على البحر في الساحل الشمالي.

كانت أشعة الصباح تنعكس على الماء، بينما أرتشف قهوتي من فنجان خزفي.

ولأول مرة منذ عقود، لم يكن هناك أحد ينتظر مني إعداد الإفطار.

لم يعد أحد يصفق بأصابعه ليأمرني.

لم يعد أحد ينتقد الطعام.

استأجرت سيدة مصرية تُدعى إلهام لمساعدتي في أعمال المنزل، وكانت امرأة طيبة القلب، كادت تُصاب بنوبة قلبية في المرة الأولى التي ضبطتني فيها أغسل الأطباق.

وفي النهاية توصلنا إلى اتفاق.

أطبخ كل يوم جمعة، لأن الطهي لا يزال يسعدني.

أما بقية الأسبوع، فهي ترفض أن تسمح لي بالعمل.

بعد أن غادرت منزل حسام، أجرت سارة وفريقها مراجعة شاملة لكل ما أملكه.

وكانت النتيجة النهائية مفاجئة حتى بالنسبة إليّ.

نحو سبعة وأربعين مليون جنيه.

لم تكن ثروة ظهرت فجأة.

كانت نتيجة خمسين عامًا من العمل والادخار والاستثمار واتخاذ قرارات حذرة.

لكنني لم أرد أن تبقى أموالي جالسة في الحسابات فقط.

ساعدت في توسيع ملكية العاملين في المتجر من خلال ترتيب مالي عادل، وأبقيت لنفسي حصتي، مع منح الموظفين فرصة حقيقية للمشاركة في نجاح المكان الذي عملوا فيه لسنوات.

وفي أحد اجتماعات العاملين، اقترب مني الشاب الذي كان يعمل عند صندوق الدفع في ذلك الصباح المهين.

اعتذر لأنه تجنب النظر إليّ بعد أن أهانتني منى.

قلت له إنه ليس لديه ما يعتذر عنه.

فهو ببساطة صدق امرأة تحدثت بثقة.

أما عقاراتي المؤجرة، فوضعتها تحت إدارة شركة متخصصة، مع تعليمات واضحة بالحفاظ على إيجارات مناسبة للعائلات التي تعتمد على دخلها المحدود.

ثم فعلت أخيرًا شيئًا أجلته نصف قرن.

اخترت حياة لأنني أريدها أنا.

اخترت الساحل.

فيلا جميلة ومريحة.

ثلاث غرف نوم.

ومكتبة مليئة بالكتب.

وحديقة تمتد حتى البحر.

والأهم من كل ذلك، مطبخ أطبخ فيه لأنني أحب الطبخ، لا لأن أحدًا يأمرني بذلك.

وفي صباح أحد الأيام، جاءتني إلهام بالهاتف.

وقالت:

— شاب اسمه ياسين يتصل بكِ من القاهرة.

كان حفيدي يتصل بي كل أسبوع.

في البداية كان غاضبًا.

ثم أصبح مرتبكًا.

وبمرور الوقت، بدأ يطرح الأسئلة.

قلت:

— ياسين؟

— أهلًا يا جدتي.

وبعد لحظة، قال:

— ماما وبابا هيتطلقوا.

لم أندهش.

سألته:

— وأنت؟ كيف حالك؟

— أنا كويس.

ثم تردد قليلًا.

وقال:

— بابا عايز يكلمك.

قلت:

— وإنت شايف إيه؟

صمت ياسين عدة ثوانٍ.

ثم قال:

— أعتقد إن بابا عارف إنه غلط. بس… أعتقد كمان إنه بقى ندمان أكتر لما عرف عندك فلوس قد إيه.

فاجأتني إجابته.

ففي الثالثة عشرة من عمره، بدأ يفهم شيئًا لم يفهمه والداه.

لذلك سألته سؤالًا أصعب.

— وأنت؟ هل أنت نادم بسبب المال؟

قال بسرعة:

— لأ.

ثم أصبح صوته أكثر هدوءًا.

— أنا ندمان إني ضحكت عليكِ في المتجر. كنت عارف إن اللي عملته غلط. بس كنت عايز ماما وبابا يفتكروني مضحك.

شعرت بغصة في حلقي.

قلت:

— شكرًا لأنك قلت لي الحقيقة.

ثم سأل:

— ممكن أزورك يومًا؟ مش عشان عندك فلوس. أنا بس وحشتيني.

ابتسمت وأنا أنظر إلى البحر.

وقلت:

— لما تكبر وتقدر تسافر لوحدك، هكون سعيدة جدًا إنك تيجي.

كان لا يزال هناك أمل في ياسين.

لقد أخطأ، لكنه، على عكس والديه، بدأ يتعلم من خطئه.

كان حسام يتصل بي أيضًا مرات كثيرة.

لكنني لم أجب.

كانت رسائله تقول الشيء نفسه دائمًا.

إنه آسف.

وإنه تغير.

وإنه يريد فرصة أخرى.

ربما يأتي يوم أصدقه فيه.

لكنني لم أكن مستعدة بعد.

ثم جاءني خطاب من منى.

ثلاث صفحات كاملة.

كانت تلومني على تدمير العائلة.

وتطالبني بالمال اللازم لمحامي طلاقها.

وتهددني بأنها ستمنع ياسين من زيارتي.

وتعدني بأنها ستتغير إذا أعدت النظر في وصيتي.

لكن الشيء الوحيد الذي لم تفعله هو الاعتذار عن الطريقة التي عاملتني بها.

فكل جملة في الخطاب كانت تدور حول الشيء نفسه:

ماذا يمكن لأموالي أن تفعل من أجلها؟

طويت الخطاب، وحملته إلى المدفأة، وتركت النيران تلتهمه.

بعض الجسور تستحق أن تُبنى من جديد.

أما بعضها الآخر فلم يكن جسورًا من الأساس.

كانت مجرد أبواب لا تُفتح إلا مقابل ثمن.

وفي النهاية، أنشأت مؤسسة تساعد كبار السن الذين يتعرضون للإهمال أو الاستغلال المالي من جانب عائلاتهم.

كما خصصت منحًا مالية للأمهات اللواتي يربين أبناءهن وحدهن ويحاولن بناء مشروعاتهن الخاصة، للنساء اللواتي يقفن في المكان الذي وقفت فيه أنا ذات يوم، بعد أن تركني فؤاد مع ابن صغير، ولم يكن في البنك تقريبًا شيء.

ولأول مرة، أصبحت أموالي تعبر عن المرأة التي كنت عليها فعلًا.

في ذلك المساء، وقفت على الشرفة أراقب الشمس وهي تختفي خلف الأفق.

ورفعت فنجاني.

إلى الفرص الثانية.

إلى الاستقلال الذي قد يأتي متأخرًا، لكنه يظل مهمًا.

وإلى اكتشاف أن اختيار نفسك ليس أنانية، عندما يكون كل من حولك قد قضى سنوات يطلب منك أن تختفي.

أنا في السبعين من عمري.

قبل ستة أشهر، ضحكت عائلتي عندما وصفني أحدهم بأنني خادمتهم.

واليوم، أستيقظ كل صباح في منزل يسوده الهدوء، محاطة بأشخاص يعاملونني بالاحترام واللطف، من دون أن يعرفوا، أو يهتموا، بكمية المال التي أملكها.

لعقود طويلة، كنت أعتقد أن حياتي أوشكت على الانتهاء.

لكنني كنت مخطئة.

لقد كانت حياتي تنتظرني فقط حتى أبدأها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى