قصص وروايات

الصورة اللي تحت الحوض

أن الخۏف لا يُهزم إلا بالقوة وإنه لو استطاع جعلها تكمل الستين فلن يكون قد فشل للمرة الثانية وأنا وقتها قلت له أمام الجميع إنك فشلت لأنك جعلت طفلة تخاف منك وليس لأنها لم تصل للستين وإن الشجاعة مش إن الطفل يسكت وهو مړعوپ والشجاعة مش إنك تجبر حد أضعف منك على تحمل شيء لا يقدر عليه والشجاعة الحقيقية إنك توقف لما تعرف إنك بټؤذي شخصًا حتى لو كنت مقتنعًا إنك بتعمل ده لمصلحته وبعد انتهاء القضية بدأت حياة جديدة أنا وبنتي وكانت أصعب فترة في حياتنا لأن بنتي كانت كل ما تشوف كرونومتر تخاف وكل ما تسمع رقم الستين تبكي لكننا مع الوقت بدأنا نعيد بناء إحساسها بالأمان بدون إجبار وبدون أسرار وبدون ألعاب مخيفة وكانت كل مرة تدخل الحمام تختار بنفسها مدة الاستحمام وتفتح الباب لو حبت وتقفل الباب لو حبت وكنت دائمًا أقول لها مفيش حاجة اسمها سر بين الطفل وأمه يخليه خاېف وإن أي حد يقول لها لو حكيت ماما هتزعل منك يبقى لازم تحكي فورًا وبعد فترة بدأت ترجع تضحك تاني وبدأت تحكي لي عن الحضانة وعن أصحابها وعن الدبدوب بتاعها وفي يوم سألتني هو بابا كان وحش من الأول وأنا سكت شوية وقلت لها أنا مش عارفة يا حبيبتي يمكن كان عنده حاجات صعبة جواه وما عرفش يعالجها لكن اللي عمله كان غلط ومش ذنبك وهي سألتني هو كان بيحبني فقلت لها ممكن يكون بيحبك لكن الحب لوحده مش كفاية لازم يكون معاه أمان ورحمة واحترام وهي سكتت وبعدين حضنتني وقالت أنا بحبك يا ماما وأنا وقتها بكيت من غير ما أخبي دموعي لأنني كنت عارفة إن بنتي كانت بتتعلم من جديد إن التعبير عن الخۏف مش ضعف وإن البكاء مش عيب وإن كلمة لأ من حقها تكون مسموعة وبعد شهور طويلة اتصل بي المحقق وقال لي إنهم وجدوا آخر شيء متعلق بالقضية وهي رسالة صغيرة كانت داخل غلاف الصورة القديمة وكانت الرسالة من جوزي لنفسه وهو في سن المراهقة وكتب فيها لو كنت شجاعًا وقتها كنت أنقذتها لكني الآن فهمت إن الشجاعة مش إنك تستحمل الألم الشجاعة إنك تمنع الألم عن اللي أضعف منك وأنا قرأت الرسالة أكثر من مرة وحسيت إن الإنسان أحيانًا ممكن يفهم الحقيقة بعد فوات الأوان لكن فهمه لها لا يمحو الضرر الذي تسبب فيه وبعدها احتفظت بالصورة القديمة عندي لكني لم أعلقها ولم أخفها عن بنتي لأنها لم تعد رمزًا للخوف بالنسبة لي بل بقت تذكيرًا إن الأطفال محتاجين حد يسمعهم ويحميهم وإن الأسرار اللي بيطلبها الكبار من الأطفال ممكن تكون أخطر من أي شيء آخر وبعد سنة تقريبًا رجعت بنتي تمارس حياتها بشكل طبيعي وبدأت تروح المدرسة وتلعب مع أصحابها وتنام من غير ما تصحى مڤزوعة وفي عيد ميلادها السادس طلبت مني هدية غريبة جدًا قالت لي عايزة كرونومتر وأنا اټخضيت وسألتها ليه فقالت عشان أنا اللي أستخدمه المرة دي وأنا ضحكت وسألتها هتعملي بيه إيه فقالت هحسب قد إيه أقدر أضحك من غير ما أوقف وفعلاً مسكت الكرونومتر وضغطت عليه وبدأت تجري في البيت وتضحك وأنا جريت وراها وهي كانت بتضحك وتقول ماما أنا وصلت للعشرين ماما وصلت للتلاتين ماما وصلت للأربعين وأنا وقفت قدامها وأنا بضحك وبعيط في نفس
الوقت ولما وصلت للستين رمت الكرونومتر على الكنبة وقالت خلاص أنا مش ضعيفة وأنا قربت منها وحضنتها وقلت لها لا يا حبيبتي إنتي مش محتاجة توصلي لرقم معين عشان تثبتي إنك قوية إنتي قوية لأنك قلتي أنا خاېفة وإنتي قوية لأنك طلبتي المساعدة وإنتي قوية لأنك لسه قادرة تضحكي بعد كل اللي حصل وهي حطت راسها على كتفي وقالت يعني لو خفت أقدر أقول لك فقلت لها دايمًا وفي اللحظة دي فهمت إن الرقم اللي كان بيستخدمه أبوها عشان يخوفها اتحول في يوم واحد من رمز للړعب إلى رقم عادي جدًا وإن آخر شيء بقي في حياتنا من تلك الفترة لم يكن الخۏف ولا الصورة ولا الدفتر ولا الكرونومتر وإنما كان درس واحد فقط وهو إن الطفل مش لازم يستحمل عشان يثبت إنه شجاع وإن الحب الحقيقي مش إنك تختبر قدرة الشخص على تحمل الألم وإنما إنك تكون أول شخص يوقف الألم عنه ولحد النهارده كل ما أفتكر اللحظة اللي رجعت فيها البيت قبل ميعادي وأفتكر صوت جوزي وهو بيعد خمسة وخمسين ستة وخمسين سبعة وخمسين بحس بقشعريرة في جسمي لكني في نفس الوقت أحمد ربنا إنني رجعت في اليوم ده وإنني فتحت الباب وإنني صدقت خوف بنتي وإنني ما حاولتش أبرر اللي شفته لأن أخطر شيء كان ممكن يحصل مش إنني أكون ظلمت جوزي أو اتسرعت في الحكم عليه أخطر شيء كان ممكن يحصل هو إني أقول لنفسي أكيد فيه تفسير بسيط وأقفل الباب وأمشي وأترك بنتي تكمل الستين وفي اللحظة اللي كنت فاكرة إنني أنقذتها من اختبار صغير اكتشفت إنني كنت في الحقيقة أنقذها من سر كبير كان عمره خمسة عشر سنة وإن الصورة اللي كانت تحت الحوض ما كانتش مجرد صورة لطفلة مفقودة كانت شاهدًا صامتًا على خوف انتقل من جيل إلى جيل وعلى خطأ حاول شخص أن يصلحه بطريقة خاطئة وعلى حقيقة واحدة اتعلمتها متأخر جدًا وهي إن السكوت لا يجعل الچرح يختفي وإن الطفل الذي يقول أنا خاېف لا يحتاج إلى شخص يعلمه كيف يتحمل أكثر بل يحتاج إلى شخص يقول له أنا مصدقك وأنا جنبك ومش هسيبك لوحدك.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى