قصص وروايات

بعد ما عشا جوازنا خلص

أما أنا، فتذكرت إحدى التقييمات التي قرأتها قبل أن آتي
سامح غيّر حياتي.
شعرت ببرودة في معدتي.
ليس لأن شكوكي زادت، بل لأنني بدأت أفهم للمرة الأولى أن الشيء الذي أخفاه سامح عني لم يكن الشيء الذي كنت أخشاه.
لكن فهمي لذلك لم يجعلني أقل ألمًا.
لأن المشكلة لم تكن فقط في المكان الذي جاء إليه كل يوم، بل في أنني كنت زوجته، ومع ذلك كنت آخر شخص يعرف.
دخلت مها خلف ستارة صغيرة مخصصة لتغيير الملابس، ثم خرجت بعد دقائق مرتدية جاكتًا كحليًا وبنطالًا أسود وقميصًا أبيض بسيطًا.
وقفت أمام المرآة.
وفي اللحظة نفسها تغير وجهها.
قالت
الجاكت ده مخليني تخينة.
لم يرد سامح.
وشعري شكله وحش.
ظل صامتًا.
أنا شكلي أكبر من سني.
نهض سامح من مكانه، ومشى إلى المرآة وأدارها ناحية الحائط.
شهقت مها
سامح!
قال
إحنا مش جايين نعمل مقابلة مع انعكاسك في المراية.
ثم أشار إلى الكرسي.
اقعدي.
جلست.
وخلال الدقائق التالية بدأ يدربها على مقابلة العمل، لا بوصفها امرأة تحتاج إلى أن يقول لها إنها جميلة، بل بوصفها امرأة تحتاج إلى أن تتذكر أنها قادرة.
قال
عرفيني بنفسك.
تلعثمت.
تاني.
حاولتمرة أخرى.
ليه عايزة الشغلانة دي؟
بدأت الإجابة ثم اعتذرت في منتصفها.
تاني.
احكيلي عن موقف صعب عرفتي تتعاملي معاه.
ترددت، ثم بدأت تتحدث عن أمها، وعن السنوات التي قضتها في رعايتها، وعن أولادها الثلاثة، وعن البيت الذي كانت تديره، وعن كل مرة كان يحدث فيها عطل أو مشكلة فتكون هي أول من يتصرف.
كلما تكلمت، أصبح صوتها أكثر ثباتًا.
وسألها سامح سؤالًا آخر.
ثم آخر.
وبعد فترة، توقفت عن النظر إلى وجهه بحثًا عن الطمأنينة، وبدأت تنظر إلى نفسها باعتبارها شخصًا لديه ما يقوله.
عندها فقط أعاد سامح المرآة إلى مكانها.
وقال
دلوقتي بصي لنفسك وقولي لي صاحب الشغل هيشوف إيه؟
نظرت مها إلى انعكاسها.
كانت ترتدي الملابس نفسها.
وكان شعرها هو نفسه.
وكان وجهها هو الوجه نفسه.
لكنها هذه المرة كانت تقف باستقامة.
وبعد لحظات قالت
هيشوف واحدة عارفة هي بتعمل إيه.
ابتسم سامح.
بالضبط.
ضحكت مها، ثم امتلأت عيناها بالدموع، ثم ضحكت مرة أخرى لأنها اكتشفت أنها تبكي.
في تلك اللحظة فهمت معنى التقييم الذي قرأته عن أنه جعل صاحبتَه تشعر بأنها جميلة من جديد.
لم يكن سامح يقضي وقته في إخبار النساء بأنهن جميلات، ولم يكن يفعل شيئًا غامضًا كما تخيلت للحظة، بل كان يحاول أن يجعلهن يتوقفن عن النظر إلى أنفسهنباعتبارهن المشكلة.، ابتعد بهدوء وأعطاها ملفها.
وقال
روحي هاتي الشغلانة.
مسحت دموعها وقالت
هحاول.
هز رأسه.
لأ.
فتح الباب.
روحي وإنتِ خايفة.
نظرت إليه باستغراب.
يعني إيه؟
قال
مش لازم الخوف يختفي عشان تبدأي، كفاية إنك ما تخليش الخوف يمنعك.
هزت رأسها، ثم حملت ملفها وخرجت.
أُغلق الباب خلفها.
وبقينا أنا وسامح وحدنا.
ظل الصمت بيننا ثواني، ثم قلت
إمتى كنت ناوي تقول لمراتك الحقيقة؟
خفض سامح عينيه وقال
رنا… أنا غلطت. المكان ده مركز تأهيل مهني، بساعد الستات اللي عايزين يرجعوا يشتغلوا، والمستشفى اللي قلت لكِ عليه بتتعاون معانا وبتحوّل لنا بعض الحالات.
نظرت إليه بوجع.
يعني التلات سنين دول كلهم كنت بتخبي عني شغلك الحقيقي؟
هز رأسه.
في البداية كنت خايف من كلام الناس، وبعدها بقى إخفاء التفاصيل أسهل من إني أشرحها كل مرة.
ثم لفت نظري شيء صغير بجوار حاسوبه؛ قطعة بلاستيكية زرقاء قديمة، عرفتها فورًا من بيتنا.
قلت
إيه دي؟
أمسكها بين أصابعه وقال
دي السبب اللي خلاني أبدأ كل ده… أمي كانت ربة بيت، ولما اضطرت تدور على شغل بعد ما أبويا سابنا، سألوها في مقابلة عملتي إيه طول السنين اللي فاتت؟ وما عرفتش تقول غير إنها ربت ابنها، وكأن السنين اللي قضتها في تربيتيما كانتش محسوبة شغل.
صمت لحظة، ثم تابع
وأنا كنت صغير وقتها، لكني كنت شايفها وهي بتعمل كل حاجة… البيت، الفواتير، المدرسة، المواعيد، ورعايتي. بس ما كنتش أعرف وقتها إن كل اللي بتعمله ده له قيمة مهنية. لما كبرت، فهمت قيمة كل اللي كانت بتعمله.
فهمت وقتها لماذا كان يساعد هؤلاء النساء، لكنني لم أستطع أن أنسى ما حدث بيننا.
قلت
إنت بتعلّم الستات دي إن وقتهم له قيمة، وأنا كنت بقضي الساعات مستنياك، حتى امبارح في ذكرى جوازنا.
خفض رأسه وقال
أنا غلطت لما افترضت إنك هتستحملي وتفهمي وتسامحيني كل مرة.
قلت
أنا مراتك يا سامح، وكان لازم أعرف.
هز رأسه.
كان لازم.
ساد الصمت بيننا، حتى طُرق الباب ودخلت شابة مرتبكة.
قالت
مقابلتي اتأجلت لبكرة، وأنا مش حاسة إني مستعدة.
وقبل أن يرد سامح، قلت لها
روحي وإنتِ خايفة. مش لازم الخوف يختفي عشان تبدأي.
نظرت إليّ لحظة، ثم ابتسمت.
ونظر إليّ سامح بطريقة مختلفة، كأنه فهم أخيرًا أن المشكلة لم تكن في شغله، بل في أنه أبعدني عن جزء مهم من حياته.
في المساء، سخّن سامح عشاء ذكرى زواجنا، وجلس أمامي.
أخذ لقمة وقال
طعمها حلو.
قلت
كانت أحلى امبارح.
ابتسم بحرج، ثم اهتز هاتفه.
نظر إليّ، فقلت
رد.
أجاب، وبعد لحظات قال للمرأة التي تحدثه
الخمسعشرة سنة اللي في السيرة الذاتية مش فراغ… قولي لي كنتِ بتعملي إيه فيهم.
مد يده فوق السفرة، فوضعت يدي فيها.
كان زواجنا لا يزال يحتاج إلى وقت، لكن هذه المرة، عندما رن هاتفه، لم أشعر أن هناك عالمًا كاملًا يبدأ بعيدًا عني.
كان سامح أمامي، والطعام دافئ، ويده في يدي.
ولأول مرة منذ وقت طويل، لم يكن هناك أحد على مائدتنا ينتظر وحده.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى