قصص وروايات

وجد عشرين من صديقات امه

لقد عاد قبل يومين، فوجد عشرين من صديقات أمه يجلسن حول مائدة الطعام، بينما كانت زوجته وابنتهما الصغيرة، ذات الخمس سنوات، تغسلان الأطباق بيديهما… حتى إن الطفلة تحدثت عن صندوق مغلق.
الجزء الأول

 

—لو البنت دي ما خلصتش الأكل، مش هتاكل النهارده.

وصل صوت مدام نوال عبر غرفة الطعام في اللحظة نفسها التي أغلق فيها أحمد الشاذلي باب منزله في التجمع.

كان قد عاد من الإسكندرية قبل يومين، بعدما أُلغيت جلسة تدريبية مهمة في الشركة التي يعمل بها.

لم يخبر أحدًا بعودته.

كان يريد أن يفاجئ زوجته مريم وابنتهما الصغيرة سلمى، ذات الخمس سنوات.

لكنه هو من تلقى المفاجأة التي لم يكن مستعدًا لها.

توقف أحمد خلف باب غرفة الطعام، وظل يستمع.

كانت والدته، نوال، تجلس وسط أكثر من عشرين من صديقاتها، تتناول الطعام وتضحك، بينما كانت مريم تقف في المطبخ تغسل الأطباق بيديها.

أما سلمى، فكانت تحمل طبقًا أكبر من حجم ذراعيها الصغيرتين.

كانت ترتدي أكمامًا طويلة رغم حرارة الجو، وكأنها تخفي شيئًا.

وعندما سمعت خطوات والدها، تجمدت في مكانها.

قالت نوال وهي تضحك:

—لو مريم مش عارفة تدير بيتها، أنا بعلمها. الست لازم تعرف تخدم بيتها بنفسها.

ضحكت النساء من حولها.

ثم رفعت نوال صوتها:

—أنا ابني مدللني. عندي شغالة، وعندي حد يطبخ، وعندي مساعد، وكل حاجة متوفرة لي… لكن مراته؟ لازم تتعلم تعتمد على نفسها.

اقترب أحمد ببطء.

وفجأة، التفتت إحدى النساء إليه.

توقفت الضحكات.

سقط الصمت على غرفة الطعام.

رفعت نوال عينيها، وما إن رأته حتى تغير وجهها بالكامل.

—أحمد؟!

لم يجبها.

كانت عيناه مثبتتين على زوجته وابنته.

مريم كانت شاحبة، ويداها ترتجفان من كثرة غسل الأطباق.

أما سلمى، فكانت تخفض رأسها ولا تجرؤ على النظر إليه.

اقترب أحمد منها.

—سلمى… تعالي هنا يا حبيبتي.

رفعت الطفلة عينيها إليه، ثم ركضت نحوه.

احتضنها أحمد بقوة.

شعر بجسدها الصغير يرتجف بين ذراعيه.

همست في أذنه:

—بابا… متزعلش.

ابتعد عنها قليلًا.

—مين زعلك يا سلمى؟

هزت رأسها بسرعة.

—محدش.

نظر أحمد إلى يديها.

كانت أصابعها حمراء، وعلى بعضها آثار حروق واضحة.

تغير وجهه.

—إيدك حصل لها إيه؟

ابتلعت الطفلة دموعها، ثم همست:

—كنت بغسل الأطباق…

—إنتِ؟!

هزت رأسها.

ثم اقتربت من أذن والدها أكثر، وقالت بصوت مرتجف:

—بس متقولش لتيتا… عشان لو عرفت، هتقفل ماما في المطبخ تاني.

تجمد أحمد.

نظر إلى مريم.

أغمضت عينيها، وكأنها لم تعد تملك القوة لإخفاء شيء.

قالت بصوت ضعيف:

—أحمد… لو سمحت، متعملش مشكلة.

هذه الجملة كانت أقسى من أي اعتراف.

أخرج أحمد هاتفه بهدوء.

ثم قال:

—كل واحدة فيكم تقوم وتمشي.

ساد الصمت.

نوال ضربت يدها على الطاولة.

—إنت بتتكلم مع مين يا أحمد؟! أنا أمك!

رفع عينيه إليها.

—وأنا ابني مش هسمح لحد يأذي مراتي أو بنتي.

صرخت نوال:

—أنا كنت بأربيها! دي مراتك، ولازم تعرف واجبها!

لكن أحمد لم يرد.

اتصل بالشرطة، ثم وضع الهاتف جانبًا.

وفجأة، سمع صوت سلمى خلفه.

—بابا…

التفت إليها.

كانت تشير ناحية آخر المطبخ.

—في حاجة تانية… بس تيتا قالتلي ممنوع أقولك.

اقترب أحمد منها.

—إيه هي؟

نظرت الطفلة حولها بخوف، ثم همست:

—الصندوق المقفول…

تجمد أحمد.

—صندوق إيه؟

لكن قبل أن تجيب، ظهرت نوال خلفهما.

ولأول مرة، رأى أحمد الخوف الحقيقي في عيني أمه.

صرخت:

—اسكتي يا بنت!

ارتجفت سلمى وتراجعت إلى الخلف.

نظر أحمد إلى أمه، ثم إلى ابنته.

وفي تلك اللحظة، فهم أن الأيدي المحروقة التي رآها لم تكن سوى الجزء الظاهر من الحقيقة.

أما الصندوق المقفول…

لم يتحرك أحمد لثوانٍ.

كانت عيناه معلقتين بوجه أمه.

لم يرَ فيها الغضب الذي اعتاده طوال حياته، ولا الغرور الذي كانت تتحدث به دائمًا.

رأى شيئًا آخر.

الخوف.

الخوف الذي لم يستطع أن يخفيه حتى وهي تحاول التظاهر بالقوة.

قال أحمد ببطء:

—فين الصندوق؟

ردت نوال بسرعة:

—مفيش أي صندوق.

لكن سلمى هزت رأسها.

—لأ يا بابا… موجود.

اقترب أحمد من ابنته، وانحنى أمامها.

—وريني.

أمسكت سلمى بيده.

لكن قبل أن تتحرك، أمسكت مريم بذراع أحمد.

—أحمد، بلاش.

نظر إليها.

—ليه؟

لم تجبه.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.

قالت بصوت منخفض:

—أنا عارفة إنك عايز تحمينا… بس اللي جوه الصندوق ممكن يدمّر كل حاجة.

تجمد أحمد.

—إنتِ عارفة اللي جوه؟

خفضت مريم رأسها.

—مش كله.

تدخلت نوال بعصبية:

—كفاية تمثيل! أحمد، أمك واقفة قدامك، وبدل ما تسألني بتصدق كلام طفلة ومراتك؟

نظر إليها أحمد طويلًا.

ثم قال:

—سلمى عندها خمس سنين، ومع ذلك كانت بتغسل أطباق عشرين واحدة وإيديها محروقة.

ساد الصمت.

—إنتِ عايزاني أصدق مين؟

لم تجد نوال جوابًا.

قادته سلمى إلى آخر المطبخ.

كان هناك دولاب خشبي قديم، لا يلفت النظر.

أشارت الطفلة إلى أسفله.

—هنا.

انحنى أحمد.

وبالفعل، وجد شيئًا أسود صغيرًا خلف مجموعة من الصناديق.

سحبه.

كان صندوقًا حديديًا قديمًا.

مغلقًا بقفل.

وقف أحمد أمامه.

شعر بقلبه يخفق بقوة.

—المفتاح فين؟

نظرت سلمى إلى جدتها.

ثم قالت:

—تيتا كانت بتخبيه تحت المخدة.

تغير وجه نوال.

—كذابة!

ارتجفت سلمى واختبأت خلف أبيها.

رفع أحمد يده.

—محدش يقرب منها.

ثم التفت إلى أمه.

—هاتِ المفتاح.

—مش هديهولك.

—يبقى هنكسر القفل.

صرخت نوال:

—أحمد، لو فتحت الصندوق ده، هتندم!

ابتسم أحمد ابتسامة باردة.

—أنا ندمت فعلًا.

ثم أضاف:

—ندمت إني وثقت فيكي.

كانت الجملة كأنها صفعة.

تراجعت نوال خطوة.

وفي تلك اللحظة، دخل أحد أفراد الشرطة إلى المنزل بعد أن وصل البلاغ.

تقدم أحمد نحوه وقال:

—أنا عايز الصندوق ده يتفتح قدامكم.

اقترب الشرطي.

وبعد دقائق، تم كسر القفل.

فتح أحمد الغطاء.

وفي اللحظة التي رأى فيها ما بداخله، تغير لون وجهه.

كانت هناك صور.

صور قديمة لمريم.

صور لسلمى منذ ولادتها.

ملفات طبية.

أوراق بنكية.

وعقد ملكية منزل.

لكن الشيء الذي جعل أحمد يتجمد تمامًا كان ظرفًا أبيض قديمًا، مكتوبًا عليه بخط يد والدته:

“لو أحمد عرف الحقيقة… كل شيء سينتهي.”

مد يده ببطء وأخرج الظرف.

فتحَه.

قرأ السطر الأول.

ثم توقف.

قرأه مرة أخرى.

رفع عينيه إلى مريم.

—إنتِ كنتِ عارفة؟

بدأت مريم في البكاء.

—كنت خايفة أقولك.

—إيه اللي كنتِ خايفة تقوليه؟

لم تجب.

فتح أحمد الورقة.

كانت نتيجة تحليل نسب قديمة.

وتحتها جملة واحدة جعلت الأرض تهتز من تحت قدميه:

“الطفلة سلمى ليست السبب في الحادث الذي أخفى الحقيقة عن أحمد…”

رفع أحمد رأسه بسرعة.

—حادث إيه؟

لكن قبل أن تجيب مريم، جاء صوت نوال من خلفه:

—لأن سلمى…

ثم سكتت.

نظر إليها أحمد.

—سلمى إيه؟

أغمضت نوال عينيها.

وبصوت مكسور، قالت:

—سلمى مش بنت مريم وحدها…

توقف قلب أحمد تقريبًا.

—يعني إيه؟

رفعت نوال عينيها إليه.

—لأن أم سلمى الحقيقية… ماتت من خمس سنين.

صرخت مريم:

—ماما!

أما أحمد، فظل واقفًا بلا حركة.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى