قصص وروايات

رحعت بعد عشرين سنة

رجعت بعد 10 سنين وقالتلي أنا هموت وعايزة أتجوزك ماتت بعد جوازنا ب أيام، وفي جنازتها ست غريبة سلّمتني ظرف وقالت مراتك كانت خايفة تقولك الحقيقة! اتجوزت البنت اللي حبيتها من أيام الجامعة، بعد ما رجعت لحياتي فجأة وقالتلي إنها مريضة بمرض ملوش علاج، وإن آخر حاجة نفسها تعملها قبل ما تموت هي إنها تبقى مراتي.

بعد فرحنا بخمسة أيام بس ماتت.
لكن في جنازتها، ظهرت ست عمري ما شوفتها قبل كده، وحطت ظرف مقفول في إيدي وهمستلي
سلمى عمرها ما قالتلك السبب الحقيقي اللي خلاها ترجعلك دلوقتي بقى مفيش حاجة تخليها تخاف.
قابلت سلمى لأول مرة من 13 سنة، أيام الجامعة.
من أول كلام بينا، كان وجودها جنبي مريح بشكل غريب.
مفيش تصنع.
مفيش حاجة محتاجة شرح.
على مدار 3 سنين، كنا تقريبًا دايمًا مع بعض.
بنذاكر سوا.
نطبخ أكل رخيص في شقق صغيرة.
نقضي صباحات الويك إند الكسلانة وإحنا بنتكلم عن المستقبل اللي كنا بنحلم بيه.
الشغل.
السفر.
بيت خاص بينا.
وأطفال في يوم من الأيام.
كنت فعلًا مقتنع إني لقيت الإنسانة اللي هقضي معاها باقي عمري.
لكن في ليلة، كل حاجة اتغيرت.
الخناقة نفسها كانت على حاجة تافهة تقريبًا.
كنا بنتكلم تاني عن مستقبلنا.
الشغل.
الجواز.
السفر.
وفي وسط الكلام، الجو اتشد.
صوتنا علي.
حاجات قديمة اتفتحت.
وكل واحد فينا قال كلام غالبًا ماكانش يقصده.
نمت وأنا زعلان، بس كنت متأكد إن الصبح هنعتذر لبعض ونرجع زي الأول.
لكن لما صحيت
سلمى كانت اختفت.
هدومها اختفت من الدولاب.
شنطها مش موجودة.
رقم تليفونها اتغير ومبقاش شغال.
وحساباتها على السوشيال ميديا اختفت.
هي ما كانتش بس مشيت من البيت.
هي محَت نفسها من حياتي بالكامل.
من غير جواب.
من غير رسالة.
من غير حتى تفسير.
في الأول، رفضت أصدق.
اتصلت بأصحابنا المشتركين.
بزمايلنا القدامى في الجامعة.
وبأي حد اشتغل معاها أو ممكن يكون يعرف عنها حاجة.
محدش اداني إجابة.
الأيام بقت أسابيع.
والأسابيع بقت شهور.
والشهور بقت سنين.
وفي وقت ما، فهمت إني مينفعش أفضل مستني طول عمري حد هو اللي اختار يختفي.
فحاولت أكمل حياتي.
ارتبطت ببنات تانيين.
بعضهم كانوا طيبين.
وبعضهم كانوا صبورين معايا جدًا.
وفي منهم كانوا يستاهلوا مني أكتر بكتير من اللي قدرت أديهولهم.
لكن كل علاقة كانت في الآخر بتوصل لنفس الحيطة اللي مش شايفها حد غيري.
مهما حاولت
كان فيه دايمًا صوت جوا دماغي بيقول
هما مش سلمى.
عشر سنين كاملة عدوا، وأنا شايل نفس السؤال من غير إجابة
ليه سابتني؟
لحد ليلة شتا والمطر فيها كان بينزل بغزارة.
جرس الباب رن.
ما كنتش مستني حد.
ولما فتحت الباب
اتجمدت مكاني.
سلمى كانت واقفة قدامي.
أكبر من زمان.
أرفع بكتير.
وشها شاحب، والإرهاق كان واضح عليه لدرجة إنه غطى على ملامح البنت اللي كنت فاكرها كويس.
لكن عينيها
عينيها كانوا زي ما هم.
فضلنا كام ثانية باصين لبعض من غير ما حد فينا ينطق.
وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
هاي.
كلمة واحدة.
بعد عشر سنين.
كان المفروض أطلب منها تفسير.
كان المفروض أسألها كانت فين، وليه سابتني أدور عليها كل السنين

دي من غير ما حتى تحاول تتواصل معايا.
لكن بدل كل ده
بعدت عن الباب وقلت
ادخلي.
قعدنا قدام بعض، وصوت المطر كان بيخبط على الشبابيك.
فضلت سلمى باصة لإيديها وقت طويل.
وبعدين أخيرًا اتكلمت.
وقالتلي سبب رجوعها.
كانت بتموت.
مرضها كان في مرحلة نهائية.
والدكاترة قالولها إن فاضلها وقت قليل جدًا.
فضلت قاعد قدامها وأنا بحاول أستوعب اللي سمعته.
طول السنين اللي فاتت، كنت بتخيل إني ممكن أقابل سلمى تاني بطرق كتير.
أوقات كنت بتخيل إنها هتعتذر.
وأوقات كنت بتخيل إني هزعق فيها وأسألها ليه عملت كده.
وأوقات كنت بتخيل إنها هتحكيلي كل حاجة، وساعتها أخيرًا أفهم ليه ضاع من عمرنا عشر سنين.
لكن عمري ما تخيلت إنها هترجع بس علشان تقوللي إنها بتموت.
وفجأة، مدت إيدها ناحيتي ومَسكت إيدي.
وقالت
في حاجة واحدة لسه نفسي أعملها.
بصيتلها.
إيه؟
ضغطت على إيدي أكتر وقالت
نفسي أتجوزك.
بصيتلها وأنا مش مصدق.
وقلت
إنتي اختفيتي عشر سنين، ورجعتي بالخبر ده، ودلوقتي عايزة تتجوزيني؟
نزلت عينيها وقالت
أنا عارفة شكلي إزاي وأنا بقولك كده.
قلت
أمال قوليلي السبب.
رفعت عينيها وبصتلي.
قلت
ليه أنا يا سلمى؟
وده كان السؤال اللي كنت مستنيه.
ليه رجعتيلي؟
ليه بعد كل السنين دي؟
ليه دلوقتي بالذات؟
لكن سلمى ما جاوبتش.
اكتفت بابتسامة حزينة، وضغطت على إيدي.
بعد يومين بس
كنا واقفين في الشهر العقاري.
مفيش فرح كبير.
مفيش ورد غالي.
مفيش قاعة.
مفيش قايمة طويلة بالمعازيم.
كان موجود أنا وسلمى، والموظف، وشاهدين بس.
كانت لابسة فستان بسيط.
وبسبب ضعفها الشديد، كنت ماسكها من دراعها وأنا واقف جنبها وقت كتب الكتاب.
لكن أول ما الموظف أعلن إننا بقينا زوج وزوجة
وشها اتغير.
لثواني، التعب اختفى من عينيها.
وعينيها لمعت.
ولأول مرة من عشر سنين
شفت قدامي البنت الصغيرة اللي وقعت في حبها أيام الجامعة.
الخمس أيام اللي بعد جوازنا مروا كأن الزمن وقف.
فضلنا جنب بعض.
اتفرجنا على أفلام قديمة.
اتكلمنا عن أيام الجامعة.
ضحكنا على الشقق الصغيرة اللي كنا بنسكن فيها.
وعلى الأكل اللي كنا بنحرقه.
وعلى الدكاترة اللي كنا بنقعد نشتم فيهم بعد المحاضرات.
وأوقات كانت بتتعب ومتبقاش قادرة تتكلم.
كانت تسند راسها على كتفي وأنا أفضل قاعد جنبها في هدوء.
أكتر من مرة سألتها
إنتي رجعتي ليه؟
وفي كل مرة كانت بترد بنفس الكلمة
بعدين.
وكنت مصدق إن لسه عندنا وقت.
لكن مكنش فيه وقت.
بعد خمس أيام من جوازنا
سلمى ماتت بهدوء.
الخمس أيام دول بقوا في نفس الوقت أسعد وأوجع خمس أيام في حياتي.
في جنازتها، وقفت جنب قبرها وسط مجموعة صغيرة من الناس.
معظمهم كانوا غرب.
والحاجة دي وجعتني أكتر مما توقعت.
الناس دي كانوا يعرفوا سلمى في العشر سنين اللي أنا ما كنتش أعرف عنها فيهم أي حاجة.
وبدأت أسأل نفسي
يا ترى كام واحد فيهم كان عارف هي اختفت ليه؟
وكام واحد كان عارف هي رجعتلي ليه؟
بعد ما الجنازة خلصت، الناس بدأت تمشي واحدة واحدة.
وفجأة، لفت نظري ست لابسة أسود بالكامل، واقفة بعيد.
عمري ما شوفتها قبل كده.
لكن بدل ما تمشي مع الناس، بدأت تتجه ناحيتي مباشرة.
وقفت قدامي من غير ما تعرفني بنفسها.
وبعدين مدت إيدها وحطت ظرف مقفول في إيدي.
اسمي كان مكتوب على الظرف.
بصيتلها وقلت
إيه ده؟
ملامحها كانت مليانة حزن.
قربت مني وهمست
سلمى ما كانتش مستعدة تقولك السبب الحقيقي اللي خلاها ترجعلك.
إيدي شدت على الظرف.
قلت
يعني إيه؟
ثبتت عينيها في عيني.
وبعدين قالت بصوت واطي
دلوقتي خلاص مفيش حاجة تخليها تخاف.
وقبل ما ألحق أسألها أي سؤال تاني، لفت ومشيت.
فضلت واقف مكاني وأنا بتابعها وهي بتختفي وسط الناس اللي لسه موجودين.
وبعدين بصيت للظرف اللي في إيدي.
عشر سنين كاملة، وأنا فاكر إن اختفاء سلمى هو أكبر لغز في حياتي.
ليه اختفت؟
ليه مسحت نفسها من حياتي؟
ليه عمرها ما حاولت تتواصل معايا؟
وليه محدش قدر يوصلها؟
لكن وأنا واقف جنب قبرها
فهمت فجأة إني طول الوقت كنت بسأل السؤال الغلط.
الموضوع مش إنها اختفت ليه.
الموضوع الحقيقي هو
ليه رجعت؟
وإيه الحقيقة اللي كانت خايفة تقولها لي وهي عايشة
واللي دلوقتي بقت مدفونة معاها؟
الحقيقة دي كانت جوه الظرف المقفول اللي في إيدي.
واللي كنت لسه ما أعرفش إن فتحه هيقلب حياتي كلها رأسًا على عقب.
حكايات_زيزي
فضلت واقف قدام قبر سلمى والظرف في إيدي، كأني خايف أفتحه.
كان اسمي مكتوب عليه بخط إيديها.
نفس طريقة كتابة اسمي اللي كنت فاكرها من أيام الجامعة.
قعدت أبص عليه دقايق طويلة، وبعدين خرجت من المقابر وأنا حاسس إن رجلي مش شيلاني.
ركبت العربية، وحطيت الظرف على الكرسي اللي جنبي.
ما شغلتش الموتور.
فضلت ساكت.
كنت حاسس إن أول ما أفتح الظرف، العشر سنين اللي فاتوا هيرجعوا يجروا عليا مرة واحدة.
لكن الفضول كان أقوى.
مزقت الظرف ببطء.
جواه كان فيه جواب طويل، وصورة قديمة، ومفتاح صغير لونه فضي.
أول حاجة شدت انتباهي كانت الصورة.
رفعتها قدام عيني.
كانت صورة ليا أنا وسلمى.
لكن مش الصورة اللي أعرفها.
الصورة كانت متصورة بعد اختفائها بأيام قليلة.
أنا كنت واقف جنبها
بس الغريب إن الصورة متصورة من بعيد، كأن حد كان بيراقبنا.
قلبت الصورة.
ولقيت جملة مكتوبة على ضهرها
هو لازم يعرف لكن مش دلوقتي.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
مسكت الجواب.
أول سطر كان
لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مت.
وقفت.
غمضت عيني لحظة.
وبعدين كملت.
عارفة إن أول سؤال هتسأله هو ليه اختفيت؟
اتنهدت.
ده فعلًا كان السؤال اللي عايش معايا عشر سنين.
لكن السطر اللي بعده خلاني أتجمد.
أنا اختفيت علشان أحميك.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
أحميك؟
من إيه؟
مين كان ممكن يأذيني؟
وليه أنا أصلًا؟
كملت القراءة.
في الليلة اللي اتخانقنا فيها، أنا مكنتش ناوية أمشي. كنت ناوية أصالحك الصبح.
إيدي بدأت ترتعش.
لكن قبل ما أنام، وصلتني رسالة غيّرت كل حاجة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
الرسالة كانت من شخص كنت فاكرة إنه مات من سنين.
وقفت عن القراءة.

مقالات ذات صلة
1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى