سر زوجي

جوزي بدأ يقفل لوكيشن موبايله كل مرة يخرج فيها من البيت. في الأول قلت لنفسي يمكن عطل في الجهاز، أو تحديث جديد في التطبيق مش عارف يتعامل معاه، أو حتى إنه نسى يفتحه من غير قصد. عمر الموضوع ما كان عندنا مشكلة، ولا كان تجسس ولا مراقبة، كنا فاتحين اللوكيشن لبعض من أول يوم جوازنا، مجرد عادة عملية لو حد فينا سايق بالليل، أو مسافر، أو تأخر في الشغل، التاني يطمن قلبه ويعرف هو فين بالظبط.
كنا متجوزين بقالنا ست سنين، ولحد شهور قليلة فاتت، كنت مقتنعة تمامًا إن جوازنا من أقوى وأسعد ما يكون. نادرًا ما كنا پنتخانق، لسه بنمسك إيد بعض ونحس بالدفء والقرب، وكل خطوة كنا بنمشيها بنمشيها سوا. وقبل أربع شهور بالظبط، بعد سنين طويلة من الانتظار والعلاج والأمل، ربنا رزقنا بتوأم ولاد، وكنت فاكرة إننا وصلنا لقمة السعادة، وإن الحياة هتضحك لينا للأبد.
لكن من يوم ما جابوا الولاد، حاجات صغيرة بدأت تتغير. أولها اللوكيشن كان شغال تمام طول ما هو في البيت، أول ما يخرج، يختفي فجأة. كل ما أسأله، الرد بيكون نفسه عطل في التطبيق، النت ضعيف، يمكن نسيت أفتحه. وبعدين بدأت الأعذار تزيد وتتعقد، لحد ما بقت مستحيلة أصدقها. لما كنت بحاول أهدي واحد من البيبيهات اللي بيعيط جامد، وفي نفس الوقت أجهز الرضعة للتاني، واكتشفت إن اللبن قرب يخلص، فتحت التطبيق أشوفه قريب ولا لأ، لقيت المكان مش ظاهر خالص. لما رجع، قلتله بهدوء إنت قفلت اللوكيشن؟ رد من غير ما يبصلي غالبًا تحديث سوفت وير، الحاجات دي بتتعطل من نفسها. قبلت كلامه المرة دي، بس قلبي اتقبض شوية.
تكرر الموضوع مرة، وتانية، وتالتة. وبدأت ألاحظ إنه كل ما يخرج، بيتأخر أكتر من العادة، وردوده بقت مبهمة. بدأ ياخد الموبايل معاه الحمام، وغير الباس كود بتاعه، وفي ليالي كتير بصحى من النوم لقيت مكانه فاضي، ولما أسأله يقول كنت بشرب مية، بصيت على الولاد، مش عارف أنام. ولا إجابة من دول كانت مقنعة، ولا كلامه كان بيطمني، وكل ما أحاول أتكلم معاه بصراحة، بيتعصب ويقوللي إنتِ مرهقة ومش بنامي كفاية، بتفكري في الحاجات أكتر من لازم، وبتخلي الوهم يلعب في دماغك. كلامه كان بيضايقني، وبيخليني أحس إني أنا الغلطانة، وإن اللي شايفاه مش موجود، لكن الحقيقة كانت تقوللي إن في حاجة غلط، وإن حاجة كبيرة بتتخبى عني.
الفصل الثاني القرار اللي مكنتش فخورة بيه
جاء يوم الخميس، جوزي رجع من الشغل، وقعد شوية، وفجأة مسك مفاتيح عربيته وقال عندي اجتماع طارئ لازم أروحله دلوقتي. بصيتله وأنا قاعدة على الكنبة، والتوأم نايمين جنبي في الشغل؟ قال أيوه، غالبًا هتأخر، متستنيش. قرب مني وباسني على الجبين، وطلع. أول ما باب البيت اتقفل وراه، اتصلت بأمي ممكن تيجي تقعدي مع الولاد شوية؟ محتاجة أروح مشوار سريع وأرجع فورًا.
عشرون دقيقة وكانت أمي عندي، وكنت راكبة عربيتي وماشية وراه. مكنتش فخورة بنفسي، ومكنتش عايزة أكون في الموقف ده، لكن كنت متأكدة إن في حاجة غلط، وإن الصمت مش هيحل حاجة. جوزي ساق عربيته ومشى، وعدى من قدام مقر شغله من غير ما يقف، وعدى من منطقة المحلات، ومن المستشفى، وفضل يمشي لحد ما خرجنا مسافة كبيرة برا حدود البلد، لحد ما دخل حديقة تذكارية هادية، مليانة أشجار
طويلة وشجر بلوط ضخم، والمكان كله مليان هدوء ووقار.
ركنت عربيتي بعيد شوية، بحيث مش يقدر يشوفها، ونزلت ومشيت على رجلي ببطء، مختبية ورا الأشجار، وقلبي بيدق بسرعة مكنتش حاسة بيها قبل كده. شفته وهو ماشي ناحية شجرة بلوط قديمة في أقصى الحديقة، وشايل في إيده صندوق صغير مغلف بشرائط بيضاء. وكان في بنت شابة واقفة مستنياه هناك، واقفة بظهرها لي، وملامحها غريبة ومألوفة في نفس الوقت.
في اللحظة الأولى، قلت لنفسي دي زميلة شغل، أو قريبة، أو محتاجة مساعدة. لكن قلبي كان بيخبرني بحاجة تانية. وقف جوزي قدامها، وفتح الصندوق، وطلع منه صور صور لولادنا التوأم، وهما لسه مولودين جديد، صور كنت أنا اللي التقطتها، وكنت بحطها في الدولاب عشان نحفظها. البنت بصت للصور للحظات طويلة، وبعدين زقت الصندوق ناحيته تاني، وقالت جملة خلتني أتجمد مكاني، والدم اتجمد في عروقي أنا مش عايزة صور تاني يا بابا.
بابا.
حطيت إيدي على فمي عشان ما أطلع صوت، ومش عارفة أصدق اللي سمعته. جوزي وطي صوته وقال اهدي يا بنتي، أرجوكي لكنها بصتله بعينين مليانة دموع وڠضب وقالت دول إخواتي. لحد إمتى هتفضل تطلب مني أتصرف كإنهم مش موجودين؟ ولحد إمتى هتفضل تخبي وجودي عنها؟
إخواتي.
في ثانية واحدة، كل التخمينات والخۏف من الخېانة اتشال، وحط مكانها صدمة أضعافها. دي مكنتش عشيقة، ومكنش في خېانة زي ما كنت خاېفة، هو كان بيخبي عني جزء كامل من حياته، جزء كان موجود من قبل ما نتعرف، وكل ده من غير ما أعرف ولا أسمع ولا أشك. وفجأة لف جوزي ناحية الجهة اللي أنا واقفة فيها، وعينه جت في عيني. لون وشه اتغير تمامًا، واتكلم بصوت متقطع مكسور إنتِ
بصيت للبنت أولًا، وبعدين رجعت بصيت لجوزي، والشبه بينهم كان واضح ومستحيل يتفوت نفس لون العينين، نفس التعبير، نفس شكل الفم والفك، وكل تفصيل كان بيقول إنها بنته، وإن الحقيقة كانت أعمق وأكبر وأقسى من أي خېانة كنت أتخيلها. قلت بصوت بالكاد طالع من حلقي يا نهار أبيض إنت عملت إيه؟








