سر الجرة

«جدو، متديش فلوس لبابا تاني»، قالها حفيدي الصغير وهو عنده 6 سنين، قبل ما يسيب الآيس كريم زي ما هو. كنت بعت لجوز بنتي أكتر من مليون ونص جنيه على مدار السنين، من يوم ما بنتي ماتت. عمري ما سألت كتير. لكن اليوم ده، طلعت موبايلي، وسجلت رقم عربية، وبدأت أجمع أدلة. وبعد كام يوم، تسجيل واحد كشفلي حقيقة خلتني أندم على كل ليلة قضيتها وأنا بعيط على موت بنتي…
لأن يمكن بنتي ما ماتتش أصلًا.
الجزء الأول
— جدو، متديش فلوس لبابا تاني… بس امشي وراه يوم واحد، وهتفهم كل حاجة.
جلال عبد الرحمن حس إن الآيس كريم بيسيح بين صوابعه.
كان قاعد قدام حفيده يوسف، عنده ست سنين، على دكة في حديقة الأزهر بالقاهرة.
من شوية بس، كان يوسف بيضحك وبيوريه استيكر على شكل ديناصور حطه على إيده.
لكن دلوقتي، ملامحه اتغيرت تمامًا.
كان بيبص حواليه بخوف، وكأنه خايف حد يكون بيسمعه.
جلال قرب منه وقال بهدوء:
— مين قالك تقولّي الكلام ده يا يوسف؟
الولد هز راسه بسرعة.
— محدش… أنا سمعت بابا وهو بيتكلم مع واحدة.
— واحدة مين؟
يوسف بص في الأرض.
— معرفش اسمها… بس كانوا بيضحكوا، عشان إنت قلت إنك هتبعتله فلوس تاني.
جلال سكت.
لأول مرة، حس إن الكلام اللي قدامه مش كلام طفل عادي.
من ست سنين، وهو بيحوّل كل شهر حوالي 25 ألف جنيه لجوز بنته، حسام عبد القادر.
كان بيعمل كده من يوم ما بنته الوحيدة، مريم، ماتت في حادثة عربية على طريق القاهرة ـ السويس.
العربية خرجت عن الطريق، وخبطت في حاجز خرساني، وبعدها اشتعلت فيها النار.
الج*ثة كانت متفحمة لدرجة إن التعرف عليها كان صعب جدًا.
جلال لسه فاكر الليلة دي كويس.
الساعة كانت حوالي اتنين بعد نص الليل لما الشرطة خبطت على بابه.
وفي اللحظة دي، مراته سناء انهارت وهي بتكرر:
— أكيد فيه غلط… مريم مستحيل تكون ماتت!
لكن التقرير الرسمي قال إن مفيش أي غلط.
مريم ماتت.
وبعدها بست شهور، سناء ماتت هي كمان بأزمة قلبية.
جلال كان دايمًا حاسس إن الحزن كسر قلبها.
بعد وفاة مريم، حسام بقى لوحده مع ابنه الصغير، اللي كان عمره وقتها ست شهور.
في الأول رفض أي مساعدة من جلال.
لكن جلال هو اللي أصر.
قال لنفسه:
«هو جوز بنتي… وابنه هو الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي من مريم.»
كان عنده محل بقالة صغير، وشقة ورثها عن أبوه وكان مأجرها، وشوية فلوس حاططهم على جنب.
وكان شايف إن الفلوس ملهاش قيمة جنب حفيده.
وهكذا بدأت التحويلات.
مرة عشان قسط الشقة.
ومرة عشان الحضانة.
ومرة عشان الدكتور.
ومرة عشان علاج يوسف.
وبعدها لبس المدرسة.
وبعدين تصليحات.
وبعدين ديون.
كل سنة كان بيظهر سبب جديد.
وكل سنة كان حسام بيشكر جلال أقل.
لكن جلال عمره ما سأل كتير.
كان بياخد يوسف يومين في الشهر.
يخرجوا سوا، يشتروا آيس كريم، ويمشوا شوية.
أما حسام، فعمره تقريبًا ما كان بيدخله بيته.
ولا مرة دعاه يقعد عنده كضيف.
في اليوم ده، لما رجع جلال يوسف، لقى حسام واقف قدام باب البيت.
ابتسم وقال:
— يا حاج جلال، الشهر الجاي محتاج منك مبلغ أكبر شوية.
جلال بصله.
— أكبر قد إيه؟
حسام ابتسم بثقة.
— يعني… بدل الـ25، خليهم 50 ألف.
جلال فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال لأول مرة:
— هفكر.
ابتسامة حسام اختفت فورًا.
— هتفكر؟
— أيوه.
حسام قرب منه وقال:
— بس الموضوع ضروري يا حاج.
جلال بص في عينيه.
— قلتلك هفكر.
ومشي.
طول الليل، جلال ما عرفش ينام.
كان كل شوية يفتكر كلام يوسف.
«متديش فلوس لبابا تاني.»
والأغرب من الكلام نفسه، كان خوف الولد.
الطريقة اللي سكت بيها لما جلال حاول يسأله.
وكأنه خايف من حاجة أكبر منه.
بعد يومين، كان جلال واقف في المحل بيحسب الحسابات، لما دخلت ست في منتصف الثلاثينات.
لبسها كان بسيط وأنيق.








