سر الجرة

الجزء الثاني
وقف جلال في نص الصالة، رجليه مش شايلاه. عينيه كانت مثبتة على ورقة الجرنال المفرودة على الترابيزة، وعلى شوية الرمل والجبس اللي كانوا جواه. من ست سنين وهو كل جمعة بيحط إيده على الجرّة دي، يقرا الفاتحة، ويدعي لبنته بالرحمة. ست سنين وهو فاكر إنه شايل قطعة من جسمها اللي اتفحم في الحادثة.
تليفونه رن في إيده، كان عماد.
— جلال! أنت معايا؟ أنت بتقول إيه يا جلال؟
جلال بص للجرّة بصوت طالع بالعافية، شبه الحشرجة:
— بقولك الجرّة فيها تراب ورمل يا عماد.. رماد إيه وج/ثة إيه؟! أنا بنتي ما ماتتش في الحادثة دي.. أو على الأقل اللي اتحرق في العربية ما كانش بنتي!
عماد سكت على الناحية التانية لحظات، صمته كان تقيل، وبعدين قال بصوت حاسم:
— لم اللي على الترابيزة ده ورجعه الجرّة تاني زي ما كان. ما تلمسش أي حاجة، وما تخليش مخلوق يحس بحاجة. أنا جاي لك حالاً.
ساعة واحدة وكانت عربية عماد واقفة تحت البيت. نزل منها بملامحه الصارمة اللي المشيب زادها هيبة، ودخل شقة جلال. قفل الباب وراه بالترباس، وقعد قدام الترابيزة. مسك الجرّة، بصلها بتمعن، وجاب كشاف صغير من جيبه ونور بيه على المحتويات.
— فعلاً.. ده خالي تماماً من أي بقايا عضوية. ده تراب بناء ومحارة متكسرة.
جلال مسك في دراع عماد بلهفة وصوت مبشورة:
— يعني مريم عايشة يا عماد؟! قوللي إنها عايشة! حسام ضحك عليا؟ حسام ومين تاني؟
عماد حط إيده على كتف جلال وغمز بعينيه بصرامة:
— اهدى يا جلال واقعد. بلاش اندفاع. خلينا نفكر بدماغ مفتوحة. لو مريم عايشة.. تبقى فين كل السنين دي؟ وليه تسيب ابنها ست سنين مع حسام وتختفي؟ وليه حسام بياخد منك فلوس كل شهر ويمثل دور الأب المكلوم؟ الأهم من ده كله.. مين الست اللي كانت واقفة معاه في الشارع النهاردة؟
جلال حط إيديه على وشه، ودموعه نزلوا من غير صوت:
— أنا مش فاهم حاجة.. دماغي هتن his تفجر. يوسف يا عماد.. الولد الصغير كان حاسس! لما قاللي “متديش فلوس لبابا تاني واكشفه”.. الولد شايف حاجة في البيت ومهموم أكبر من سنه!
عماد قام وقف وبدأ يتمشى في الصالة.
— بص يا جلال، القضية دي مقفولة رسمياً بتقرير طب شرعي وتصريح دفن من ست سنين. عشان نفتح ملف زي ده، محتاجين دليل قاطع، مش مجرد شوية رمل في جرّة. لو روحت بلغت دلوقتي من غير إثبات، حسام هيطلع منها زي الشعرة من العجينة، وهيقول إن الجرّة دي أنت اللي غيرت محتواها أو إن المستشفى هي اللي سلمتك كده بالغلط. والأسوأ من ده.. إنه ممكن ياخد يوسف ويختفي تماماً، وساعتها مش هتشوفه تاني.
جلال رفع راسه بحدة:
— أومال أعمل إيه؟! أقعد حاطط إيدي على خدي وأنا شايفه بياخد شقايا بدم بارد ويصرفه على نسوان؟!
— لا.. هنلعبها صح. أنت هتفضل الصراف الآلي بالنسبة له. مش هتبين له أي تغيير. الشهر الجاي لما يطلب منك الـ50 ألف، هتقوله إنك بتحضرهم. وفي الوقت ده.. أنا وأنت هنبدأ شغلنا.
في اليوم التالي، الساعة كانت تمانية الصبح. جلال كان واقف مستني عماد في عربية ملاكي قديمة ومفيمة بسلسلة تمويه. كانوا واقفين في الشارع الخلفي لبيت حسام.
عماد ركب جهازي تسجيل صغيرين وعدسة كاميرا دقيقة معاه في شنطة، وبص لجلال:
— حسام بيخرج الساعة كام؟
— كالعادة.. الساعة تسعة بيروح الشركة اللي شغال فيها حسابات، أو ده اللي هو فهمهوني على الأقل.
— تمام. أول ما يخرج، مش هنتبعه هو.. هنتبع خطوات بيته. هنشوف مين بيدخل ومين بيخرج.
بالفعل، الساعة تسعة إلا ربع، نزل حسام من بواب العمارة. كان لابس بدلة أنيقة، وماسك شنطة جلادية، وعلى وشه نفس الابتسامة الباردة اللي جلال بقى يكرهها أكتر من أي حاجة في الدنيا. حسام ركب عربيته ومشيت.
جلال كان هيتحرك بالعربية يمشوا وراه، بس عماد مسك إيده:
— استنى.. بص فوق كده.
جلال بص ناحية بلكونة شقة حسام في الدور التالت. الستارة اتحركت. وبعد دقيقتين بس.. ظهرت ست في البلكونة بتنشر ملاية بيضا.
جلال اتسمر مكانة، وعينيه وسعت من الصدمة.
الست دي.. هي نفسها اللي جت المحل امبارح واشترت القهوة!
وهي نفسها اللي حسام حضنها في الشارع!
عماد جاب منظار مكبر وركز على وش الست، وبعدين بص لجلال وقال بهدوء:
— مركز معايا يا جلال؟ الست دي عايشة في الشقة فوق! بتنشر غسيل ومقيمة هناك! ويوسف عايش معاهم!
جلال كان ينبض قلبه لدرجة إنه حاسس بصدى دقاته في ودانه:
— الست دي.. الست دي ملامحها مش غريبة عليا يا عماد. أنا شفت الوش ده قبل كده، بس مش قادر أفتكر فين!
— فكر كويس.. قبل حادثة مريم؟ ولا بعدها؟
— مش فاكر.. بس الشبه.. الوش ده فيه حاجة ترعبني!
عماد شغل كاميرا زوم عالي وأخد كذا صورة لوش الست وهي واقفة في البلكونة.
— أنا هأخد الصور دي وأبعتها لواحد حبيبي في الأحوال المدنية، يرجعلي بياناتها ورقم بطاقتها في خلال ساعات. وأنت دلوقتي هتروح تعمل حاجة واحدة بس.
— إيه هي؟
— هتنزل تشتري كروت شحن، وهتتصل بحسام من رقم غريب.. وتقول له جملة واحدة بس وتطير الرقم.
— أقوله إيه؟
عماد ابتسم ابتسامة خبيثة:
— قول له: “السر اللي في الجرّة اتكشف.. ومريم مش هي اللي ماتت”. وشوف رد فعله هيكون إيه.
جلال خاف:
— مش كده هننبهه؟
— ده المطلوب! لما الخاين بيخاف.. بيكرر أخطائه. بيجري يطمن على جر/يمته، وساعتها هيقودنا بنفسه للحقيقة اللي بنستناها.
رجوع جلال البيت كان شبه الكابوس. قعد في صالونه، وصورة الست في البلكونة مش راضية تفارق خياله. الوش ده.. العيون دي.. طريقة حركة إيديها وهي بتنشر..
وفجأة!
قفز جلال من مكانه وكأن كهربا لمسته.
جري على الدولاب، ونزل ألبوم صور قديم بتاع مريم لما كانت في الكلية.
بدأ يقلب الصفحات بسرعة وسعر، صباعه بيتحرك على الصور لحد ما وقف عند صورة معينة.
صورة مريم في حفلة تخرجها، وجنبها صاحبتها الأنتيم.. البنت اللي كانت بتنام عندهم في البيت، وتأكل معاهم على ترابيزة واحدة، والبنت اللي اختفت فجأة بعد الحادثة بشهرين بحجة إنها سافرت الخليج!
رانيا!
جلال مسك الصورة وإيده بتترعش، وجاب صورة رانيا القديمة جنب صورة الست اللي عماد صورها الصبح بالمنظار.
هي! نفس الشامة اللي تحت عينها الشمال، نفس رسمة الوش!
في اللحظة دي، تليفون جلال رن. كان عماد.
— جلال! صاحبي في الأحوال المدنية جابلي بيانات الست.. بس الموضوع أعقد مما نتخيل!
جلال قال بصوت مرعوب وهو باصص للصورة:
— رانيا يا عماد! الست دي اسمها رانيا.. صاحبة مريم!
عماد سكت ثواني على التليفون، وبعدين قال بصوت منخفض وخطير:
— مظبوط.. رانيا صلاح الدين. بس الغريب مش إنها رانيا.. الغريب إن رانيا دي مسجلة في الأوراق الرسمية إنها ماتت من خمس سنين في حادثة قطر!
جلال صرخ في التليفون:
— يعني إيه؟! الست اللي عايشة مع جوز بنتي وبتربي حفيدي مسجلة ميتة؟! مين اللي اتدفن مكان مين يا عماد؟!
عماد رد عليه بثبات:
— اهدى يا جلال.. اللغز بدأ يتحل، بس اللي جاي أسود بكثير. رانيا مش ميتة.. ورانيا هي اللي عايشة بشخصية ثانية. والفلوس اللي كنت بتبعثها كل شهر.. ما كانتش مصاريف ليوسف.. الفلوس دي كانت ثمن السكوت!
— سكوت مين؟!
— سكوت رانيا.. أو ثمن العملية اللي عملوها سوا. حسام ورانيا خططوا لكل حاجة من البداية. الحادثة.. الج/ثة المتفحمة.. واختفاء مريم!
جلال حس إن الشقة بتدور بيه:
— أومال بنتي فين يا عماد؟! بنتي فين؟!
عماد قال بجدية:
— اسمعني كويس.. حسام دلوقتي خارج من بيته ورايح ناحية طريق السويس.. نفس الطريق اللي حصلت عليه الحادثة من ست سنين! أنا ماشي وراه بالعربية.. حصلني فوراً على طريق السويس عند الكيلو 45.. النهاردة هنعرف مريم مدفونة تحت الأرض.. ولا محبوسة فوقيها!
طرق السويس كان فاضي ومكشوف. جلال كان سايق عربيته القديمة وإيده بتترعش على الدركسيون، قلبه بيدق بصوت مسموع. الكيلو 45.. المنطقة دي بالذات هي المكان اللي انقلبت فيه عربية مريم من ست سنين، نفس الحتة اللي وقف فيها يوم الحادثة والبوليس بيمنعه يقرب من الهيكل الفحم المشتعل.
تليفونه رن على الكرسي جنبه، فتح السبيكر وهو حاطط عينيه على الطريق:
— عماد! أنا قربت من الكيلو 45.. أنت فين؟
صوت عماد جه وسط صوت هواء عالي:
— أنا وراه بمسافة كيلو يا جلال. حسام دخل في طريق جانبي غير ممهد، مدق ترابي بيدخل على منطقة مزارع واستراحات قديمة ورا المحطة. هدّي سرعتك وأول ما توصل للمدخل هتشوف علامة كافيه مهجور، ادخل ورايا بس طفي أنوار العربية.
جلال هدى السرعة، ودخل المدق الترابي. التراب كان طالع غبار كثيف، والعربية بتهتز تحت إيده. بعد حوالي كيلومترين، شاف عربية عماد مركونة ورا مبنى مهجور من الطوب الأحمر. ركن جنبه ونزل بسرعة وهو بيجر رجليه.
عماد مسكه من دراعه وشده ورا الحيطة:
— هس.. واطي صوتك خالص. بص هناك.
على بعد خمسين متر، كانت فيه مزرعة قديمة محاطة بسور صفيح عالي، وباب حديد مصدي. عربية حسام كانت واقفة قدام الباب، وهو طالع منها بيتلفت حواليه بقلق واضح. أخرج مفتاح كبير، فتح الباب، ودخل، وقفل الباب وراه بس ما قفلوش بالمفتاح.
جلال كان هيجري ناحية الباب، بس عماد مسكه بقوة:
— اصبر يا جلال! مش هندخل هجوم كده. حسام ممكن يكون مسلح، وممكن يكون فيه حد جوه. هنلف من ورا السور.
لفوا ورا المبنى لحد ما لقوا فتحة صغيرة في السور الصفيح، عدوا منها بالراحة. المزرعة كانت مهجورة، فيها شجر ناشف ومخزن قديم سقفه صاج. من جوه المخزن، كان فيه نور ضعيف طالع من شباك صغير صلب، وصوت كلام حاد بيطلع.








