قابلته في مستشفي

اتجوزت راجل غريب قابلته في مستشفى، عشان مايموتش لوحده وبعد أسبوع واحد من جوازنا، المحامي بتاعه سلّمني شنطته وقال لي جوزك كان عايزك تعرفي الحقيقة. كان عندي تسعة وعشرين سنة، ولسه مش عارفة أرجع أعيش طبيعي بعد وفاة أمي. من يوم ما ماتت، وأنا حاسة إن البيت بقى فاضي، وإن كل حاجة حواليا فقدت طعمها.
عشان كده بدأت أروح مستشفى حكومي قريب مننا وأتطوع هناك.
كنت بقعد مع المرضى اللي محدش بيسأل عليهم، خصوصًا الناس اللي حالتهم صعبة ومفيش حد من أهلهم جنبهم.
يمكن كنت بحاول أدي لحد تاني الحنية اللي أنا نفسي فقدتها.
وفضلت على الحال ده تقريبًا سنة كاملة
لحد ما قابلت عم حسين.
كان عنده اتنين وسبعين سنة، جسمه هزيل جدًا، وقلبه كان في آخر مراحله.
كان واضح عليه التعب، وكل نفس بياخده كان بالعافية، لكن الغريب إنه كل ما يشوفني داخلة الأوضة كان بيحاول يبتسم.
في الأول كنا بنتكلم كلام عادي.
عن الدنيا عن زمان عن مراته اللي ماتت من سنين وعن أولاده اللي انقطعت أخبارهم عنه.
ومع الوقت، كلامنا بقى جزء أساسي من يومي ويومه.
كنت بدخل له مخصوص عشان أقعد معاه شوية.
وهو كان بيستنى دخولي كأنه مستني زيارة حد من أهله.
لحد ما في يوم، وأنا قاعدة جنبه، مد إيده ومسك إيدي.
بص لي كام ثانية، وبعدين قال بصوت
ضعيف
اتجوزيني يا سارة.
اتجمدت مكاني.
افتكرت إنه بيهزر بسبب حالته، فحاولت أضحك.
عم حسين، إنت بتقول إيه بس؟ إنت تعبان جدًا وإحنا أصلًا بقالنا كام يوم بس نعرف بعض!
هز راسه، وقال بهدوء
أنا عارف. وعشان كده بطلب منك الطلب ده.
سكت شوية، وبعدين كمل
أنا مش عايز آخر أيامي أكون فيها مجرد مريض محدش يعرفه ولا أموت والدولة هي اللي تتصرف في جثتي وورقي.
شد على إيدي وقال
نفسي أموت وأنا راجل متجوز مش مجرد رقم في ملف مستشفى.
كلامه وجعني.
يمكن عشان أنا عارفة كويس إحساس إن حد يموت ويسيب وراه فراغ محدش يقدر يملاه.
فضلت أفكر في كلامه طول الليل.
وماعرفش إزاي لكن بعد يومين بس، وافقت.
المستشفى رتبت لنا الموضوع عن طريق القسيسرجل الدين المسؤول عن الزيجات، واتجوزنا في أوضة المستشفى، في أبسط شكل ممكن.
ماكانش عندي فستان ولا تجهيزات ولا حتى دبلة.
كنت لابسة بلوفر أصفر بسيط.
وهو، بدل الدبلة، طلع حلقة السحب بتاعة علبة كانز وحطها في صباعي وهو بيضحك.
وقال
أهو كده بقيتِ مراتي رسمي.
ضحكت وسط دموعي.
ومارَسناش حياة زوجية بالمعنى اللي الناس تعرفه.
أنا بس فضلت جنبه.
سبعة أيام كاملة.
سبع أيام كنت بقعد فيها على الكرسي اللي جنب سريره، أمسك إيده لما نفسه يضيق، وأجيب له المية، وأتكلم معاه لما يخاف.
وفي آخر يوم
كنت ماسكة إيده.
نفسه كان تقيل ومتقطع.
بص لي، وحاول يقول حاجة، لكن صوته ماطلعش.
ضغط على إيدي مرة أخيرة
وبعدين قلبه وقف.
فضلت قاعدة جنبه وقت طويل.
مش عارفة ليه كنت بعيط بالشكل ده.
يمكن عشان مهما كان الوقت اللي عرفته فيه قصير، لكنه دخل حياتي فجأة وخرج منها أسرع.
وبعد ما الأوضة فضيت، حسيت إن الصمت اللي سابه وراه أكبر بكتير من الوقت اللي عاشه فيها.
كنت لسه قاعدة لوحدي، ببص على السرير الفاضي، لما الباب اتفتح.
دخل راجل كبير في السن، لابس بدلة بسيطة، وماسك شنطة ظهر خضرا.
بص لي وقال
إنتِ سارة؟
مسحت دموعي بسرعة وهزيت راسي.
أيوه.
قرب مني وقال
أنا محامي جوزك.
استغربت.
جوزي؟
الكلمة نفسها كانت لسه غريبة على ودني.
مد إيده بالشنطة وقال
عم حسين سايبلك دي.
أخدتها منه، لكن أول ما مسكتها حسيت إنها تقيلة بشكل غريب.
بصيت له باستغراب.
هو فضل ساكت كام ثانية، كأنه مستني يشوف رد فعلي.
وبعدين قرب مني وخفض صوته وقال
سارة في حاجة لازم تعرفيها.
رفعت عيني له.
حاجة إيه؟
بص ناحية باب الأوضة، وبعدها رجع بص لي.
وقال بصوت واطي
جوزك ماكانش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك عرفتيه.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة في حياتي
هو كان عايزك تعرفي الحقيقة والحقيقة كلها موجودة جوه الشنطة دي.
سكت المحامي بعد الجملة دي، وأنا فضلت باصة له من غير ما أستوعب.
يعني إيه مش الشخص اللي أنا فاكرة إني عرفته؟
حط المحامي إيده على ظهر الكرسي، وقعد قدامي.
افتحي الشنطة.
بصيت للشنطة الخضرا اللي في حضني.
دلوقتي؟
دلوقتي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح السوستة.
في البداية، ما شفتش غير هدوم مطوية بعناية، علبة أدوية، محفظة جلد قديمة، ومسبحة صغيرة.
لكن تحت الهدوم كان فيه ظرف بني كبير، وفوقه صورة فوتوغرافية قديمة.
سحبت الصورة.
وأول ما بصيت فيها
اتنفست بصعوبة.
كانت صورة لأمي.
أمي.
نفس أمي اللي ماتت من سنتين.
كانت واقفة قدام باب بيت قديم، وفي الصورة راجل أصغر سنًا واقف جنبها.
رفعت عيني للمحامي.
دي أمي.
هز راسه.
عارف.
وإنت عرفت أمي إزاي؟
ماجاوبش.
رجعت أبص للصورة.
قلبتها من الخلف.
كان مكتوب بخط يد أمي
لو حصل لي حاجة ما تثقش في أي حد إلا حسين.
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
إيه ده؟
المحامي أخد نفس طويل.
عم حسين ماكانش مجرد مريض قابلتيه في المستشفى بالصدفة.
سكت.
أمال كان إيه؟
بص لي في عيني وقال
كان الشخص اللي أمك استأمنته على سر عمره عشرين سنة.
حسيت ببرودة في جسمي كله.
سر إيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت خبط على باب الأوضة.
المحامي انتفض.
قفل الشنطة بسرعة.
ما تطلعيش أي حاجة من الشنطة دي قدام حد.
ليه؟
بص ناحية الباب.
لأن الشخص اللي كان حسين خايف منه لسه بيدور عليها.
اتفتح الباب.
كانت ممرضة.
سارة، آسفة بس في راجل برا بيسأل عنك.
مين؟
الممرضة هزت كتفها.
معرفش. قال إنه قريب الأستاذ حسين.
بصيت للمحامي.
وشه اتغير.
قال لي بصوت منخفض
ما تقوليش إنك استلمتي الشنطة.
خرجت الممرضة.
وبعد ثواني، سمعت صوت راجل من الممر
سارة؟
صوت هادي.
لكن كان فيه حاجة خلت قلبي ينقبض.
المحامي وقف.
لازم تمشي من هنا.
إيه؟
حالًا.
بس أنا مش فاهمة أي حاجة!
قرب مني وقال
هفهمك كل حاجة بس مش هنا.
خبيت الشنطة تحت البلوفر بتاعي وخرجنا من باب جانبي للمستشفى.
طول الطريق وأنا ساكتة.
لحد ما وصلنا لعربية المحامي.
ركبت جنبه.
أول سؤال طلع مني كان
عم حسين كان يعرف أمي منين؟
فضل ساكت ثواني.
ثم قال
أمك ما ماتتش بسبب مرضها.
اتجمدت.
إيه؟
التقرير الرسمي قال إنها توفت بأزمة قلبية.
أيوه.
التقرير كان غلط.
ضحكت من الصدمة.
إنت بتقول إيه؟
أنا بقول لك إن أمك كانت عارفة إنها معرضة للخطر.
مد إيده للظرف البني.
وعشان كده كتبت لحسين.
فتحت الظرف.
جواه مجموعة أوراق.
أول ورقة كانت صورة لتقرير طبي.
التاريخ كان قبل وفاة أمي بأسبوعين.
وفي خانة التشخيص كان مكتوب
وجود آثار مادة مهدئة غير موصوفة طبيًا.
رفعت عيني.







