وجد عشرين من صديقات امه

جاءه صوت كريم منخفضًا:
—الشخص اللي إنت عايش معاه من خمس سنين.
وانقطع الاتصال.
نظر أحمد إلى مريم.
ثم إلى أمه.
ثم إلى الشرطي.
لكن قبل أن يتكلم، سمعوا جميعًا صوتًا من خلفهم.
كان صوت سلمى.
—بابا…
استدار أحمد بسرعة.
كانت سلمى واقفة عند باب غرفة الطعام.
وجهها شاحب.
ملابسها متسخة.
وفي يدها شيء صغير.
ركض إليها واحتضنها.
—إنتِ كنتِ فين؟!
تشبثت به.
ثم فتحت يدها.
كان فيها مفتاح صغير.
قالت:
—الراجل اللي خدني رجعني.
ثم رفعت عينيها إلى جدتها.
—وقال لي أدي المفتاح لتيتا.
تغير وجه نوال بالكامل.
لأنها عرفت المفتاح فورًا.
كان مفتاحًا لمكان لم يدخله أحد منذ خمس سنوات.
غرفة ليلى القديمة.أمسك أحمد بالمفتاح، وظل ينظر إليه.
—غرفة ليلى فين؟
لم تجبه نوال.
قالت مريم:
—في بيت العيلة القديم.
رفع أحمد عينيه إليها.
—إحنا عندنا بيت قديم؟
أومأت.
—أمك كانت بتقول إنه اتباع من سنين.
نظر أحمد إلى نوال.
—اتباع؟
صمتت.
ثم قالت:
—مااتباعش.
ضحك أحمد بسخرية.
—طبعًا.
أمسك معطفه.
—هنروح هناك دلوقتي.
اعترض الشرطي:
—لازم نأمن المكان الأول.
لكن أحمد قال:
—أنا مش مستني خمس سنين تاني.
بعد أقل من ساعة، وصلت السيارة إلى البيت القديم.
كان مهجورًا.
النوافذ مغلقة، والحديقة غطاها العشب.
نزل أحمد ومعه الشرطي ومريم وسلمى، بينما بقيت نوال في السيارة.
اقترب أحمد من الباب.
أدخل المفتاح.
دار القفل بسهولة.
فتح الباب.
رائحة الغبار والهواء المغلق خرجت من الداخل.
أضاء الشرطي المصباح.
كانت الصالة كما هي تقريبًا.
صور عائلية قديمة.
أثاث مغطى بقطع قماش.
وساعة متوقفة عند الثانية عشرة وثماني دقائق.
مريم أمسكت يد سلمى.
—خليكي جنبي.
صعد أحمد السلم.
في نهاية الممر كان هناك باب أبيض.
توقف أمامه.
على الباب لوحة صغيرة مكتوب عليها:
ليلى.
فتح الباب.
كانت الغرفة مرتبة بشكل غريب.
لم تكن مهجورة.
كان هناك سرير مرتب.
وعلى الطاولة كوب قهوة حديث.
اقترب الشرطي منه.
—القهوة لسه دافئة.
نظر أحمد حوله.
—يعني حد كان هنا.
ثم رأى شيئًا على الحائط.
صورة كبيرة لليلى وهي تحمل سلمى رضيعة.
اقترب.
وتحت الصورة كانت هناك جملة مكتوبة:
“لو أحمد عرف الحقيقة، هيحمي البنت مهما حصل.”
تجمد.
—دي كتابة ليلى.
قالت مريم:
—أيوه.
فتح أحمد درج المكتب.
وجد داخله دفترًا صغيرًا.
بدأ يقلب صفحاته.
كانت ليلى تكتب كل شيء.
عن الأموال.
عن نوال.
عن كريم.
عن الحادث.
لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة.
كان مكتوبًا فيها:
“لو حصل لي حاجة، أحمد لازم يعرف إن سلمى بنته. لكن أهم من ده كله، لازم يعرف مين كان معايا ليلة الحادث.”
توقف أحمد.
قلب الصفحة.
كانت هناك أسماء.
ثلاثة أسماء.
نوال الشاذلي.
كريم الشاذلي.
عمر الشاذلي.
رفع أحمد رأسه.
—عمر؟
مريم شهقت.
—أخوك الكبير؟
أومأ أحمد ببطء.
عمر كان أخاه الأكبر.
وكان يعيش خارج البلاد منذ سنوات.
لكن أحمد لم يفهم.
—هو كان مسافر قبل الحادث بشهر.
قالت مريم:
—حسب ما كنا فاكرين.
تقدم الشرطي.
—كمّل.
قلب أحمد الصفحة.
وجد جملة واحدة تحت الأسماء:
“الشخص الثالث هو من دبّر كل شيء، لكنني لن أذكر اسمه هنا.”
ثم وجد ظرفًا صغيرًا.
كان عليه اسم أحمد.
فتحه.
وجد بداخله صورة.
صورة له مع ليلى قبل الحادث بأيام.
وفي خلف الصورة تاريخ.
لكن الشيء الذي أصابه بالصدمة لم يكن الصورة.
بل الكتابة خلفها:
“أحمد، لو وصلت للورقة دي، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا: لماذا كنتَ أنت آخر شخص تحدثتُ معه قبل موتي؟”
أحمد وضع الصورة على الطاولة.
—أنا مش فاكر المكالمة.
مريم اقتربت منه.
—يمكن بسبب اللي حصل لك.
هز رأسه.
—لا.
ثم نظر إليها.
—أنا بدأت أفتكر.
سكت الجميع.
—ليلة الحادث… ليلى اتصلت بيا.
مريم قالت:
—قالت لك إيه؟
أغمض أحمد عينيه.
كانت الذكرى تعود ببطء.
صوت ليلى.
صراخ.
صوت فرامل.
ثم جملة أخيرة.
فتح عينيه فجأة.
—قالت لي: “أحمد، متثقش في…”
توقف.
—مين؟
نظر إلى نوال من خلال باب الغرفة.
كانت تقف في الممر.
وجهها أبيض تمامًا.
قال أحمد:
—متثقش في مين؟
نوال لم تجب.
ثم فجأة سمعوا صوت ارتطام قوي في الطابق السفلي.
ركض الشرطي إلى السلم.
وبعد ثوانٍ صرخ:
—في حد هنا!
نزل أحمد خلفه.
كانت نوال واقفة عند الباب الخارجي.
وبجوارها رجل.
رجل لم يره أحمد منذ سنوات.
عمر.
نظر عمر إلى أخيه.
ثم قال:
—كنت عارف إنك هتوصل هنا في النهاية.
رفع أحمد يده.
—إنت مين اللي كان في الفيديو؟
ابتسم عمر.
—أنا.
تجمدت مريم.
أما أحمد فاقترب منه.
—إنت ق/تلت ليلى؟
هز عمر رأسه.
—لا.
—أومال عملت إيه؟
نظر عمر إلى نوال.
ثم إلى أحمد.
—أنا اللي ساعدتها تهرب.
ساد الصمت.
قال أحمد:
—تهرب؟!
—أيوه.
—لكن ليلى ماتت.
ابتسم عمر ابتسامة غامضة.
—دي هي الكذبة اللي عاشت عليها العيلة خمس سنين.
وفجأة…
صدر صوت من خلف أحمد.
كان صوت امرأة.
هادئًا.
مرتجفًا.
لكنه مألوف بشكل مخيف.
—أحمد…
استدار.
تجمد مكانه.
كانت مريم واقفة خلفه.
لكن المرأة التي تحدثت لم تكن مريم.
كانت تقف في آخر الممر.
تشبه مريم تمامًا.
حتى سلمى صرخت:
—ماما!
وضعت المرأة يدها على فمها.
وقالت:
—أنا مش مريم.
ثم نظرت إلى أحمد.
—أنا ليلى.تجمد أحمد.
لم يستطع أن ينطق.
كانت المرأة الواقفة أمامه تشبه مريم إلى درجة جعلت عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
نفس الوجه.
نفس العينين.
لكن هناك اختلافًا صغيرًا.
ندبة رفيعة تمتد قرب حاجبها الأيسر.
تقدمت مريم خطوة.
—ليلى…
ابتسمت المرأة والدموع في عينيها.
—أيوه يا مريم.
انهارت مريم على الكرسي.
—إنتِ عايشة؟
هزت ليلى رأسها.
—كنت عايشة.
ثم نظرت إلى أحمد.
—لكن بالنسبة للعالم… أنا مت من خمس سنين.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








