بنتي والسطوح

قالت حبيبة وصوتها بيتقطع:
”من يوم ما بابا ساب البيت ومشيت، وأنا حاسة إن حياتي ادمرت… كل يوم خناق وزعيق وماما بتعيط طول الليل، وبابا مش بيسأل ولا بيرد عليا… وفي نفس الوقت امتحانات الثانوية العامة قربت، والدروس والضغط، ومبقتش عارفة أركز في كلمة واحدة… حسيت إني لوحدي والدنيا كلها اتقفلت في وشي.
وفي يوم وأنا بقلب على النت ودموعي مغرقة عيني، لقيت صفحة اسمها ‘فك الكروب ولم الشمل’… دخلت كلمت الأدمن وقولتله أنا عايزة بابا يرجع وماما تبطل عياط، والبيت يرجع زي الأول عشان أقدر أعيش وأذاكر.
الراجل ده استغل خوفي وسني الصغير… قالي إن معمولنا ‘عمل سفلي’ للتفرقة، وإن بابا لو مرجعش خلال شهر هيجراله حادثة وماما هتتشل!
قالي لازم أعمل طقوس فوق السطوح بعيد عن العيون، وبعتلي تراب أحمر قالي إنه تراب من مكان مبروك ومخلوط بمسك أحمر وبخور مخصوص، وكان بيخليني آخد مصروفي وفلوس الدروس اللي بتدوهالي أبعتهاله على محافظ إلكترونية بحجة إنه بيشتري طلبات لفك السحر!
ولما الفلوس خلصت مني، قالي خدي بقايا أكل من البيت عشان يقدمها قربان، وكان مهددني إني لو اتكلمت أو حكيت لماما، التعويذة هتتقلب وبابا هيموت في نفس الليلة!”
كل كلمة كانت بتنزل زي الخنجر في قلبي وفي قلب جلال. بصينا لبعض وإحنا حاسين بالخزي والندم… الخناقات التافهة والكرامة والعناد بيني وبينه، عمتنا عن بنتنا الوحيدة، ورميناها فريسة في إيد دجال ومبتز نصاب يلعب بعقلها ويدمر نفسيتها وهي في أخطر مرحلة في حياتها!
جلال مسك راسها وباسها ميت مرة وهو بيبكي بحرقة:
”حقك عليا يا بنتي… أنا السبب، أنا اللي كنت أناني وسبتكم ومفكرتش في وجعك… أنا آسف يا حبيبة قلبي، مش هسيبك تاني أبداً، ومش هسمح لأي حاجة تفرقنا تاني.”
وأنا بكل ما فيا:
”سامحينا يا حبيبتي… العيب مش فيكي، العيب فينا إحنا اللي قفلنا ودانا عن وجعك.”
في نفس الليلة، جلال مسك تليفون حبيبة، ولقى رسايل التهديد والابتزاز لسه شغالة من النصاب ده وهو بيطلب فلوس تانية. جلال مكدبش خبر، الصبح بدري راح لمديرية الأمن وقدم بلاغ رسمي في مباحث الإنترنت ومعاه كل الرسايل والتحويلات وأرقام المحافظ وسكرين شوتس لكل كلمة.
رجال الشرطة اتعاملوا مع الموضوع بمنتهى السرعة والاحترافية… ونصبوا فخ للمبتز بالاتفاق مع جلال، وفي خلال 48 ساعة بس، كانت المباحث مقتحمة وكر الدجال النصاب في إحدى القرى المجاورة، وطلع شاب عاطل مسجل خطر بيستغل صفحات السوشيال ميديا عشان ينصب على البنات المراهقات ويوهمهم بالسحر ويبتزهم مادياً! واتقبض عليه واتصادرت كل أجهزته واتحول للنيابة العامة ليأخذ جزاءه العادل.
ومن اليوم ده… حياتنا اتغيرت تماماً وانقلبت 180 درجة، بس المرة دي للأحسن وبشكل مكنتش أحلم بيه!
جلال رجع البيت ونقل كل حاجته، وقعدنا مع بعض وحطينا نقط على كل الحروف القديمة، وقررنا إن مشاكلنا كزوجين تنتهي عند باب أوضتنا، وعمر ما بنتنا تسمع صوت عالي تاني. نظفنا السطوح سوا، ورمينا كل الكراكيب والذكريات الوحشة، وحولنا الأوضة القديمة لمرسم صغير ومكان جميل للزرع والورد.
أما حبيبة… أخدناها عند دكتورة نفسية شاطرة ساعدتها تتخلص من الصدمة والرعب اللي عاشته، ورجعنالها ثقتها بنفسها وبالله، وعرفناها إن الغيب والقدر بإيد ربنا وحده، ومفيش دجال ولا سحر يقدر يغير مشيئة ربنا.
حبيبة رجعت لمذاكرتها بحماس غير عادي، والأجواء في البيت كانت كلها حب ودعم وتشجيع، باباها بقى هو اللي بيوصلها الدروس ويستناها، وأنا اللي بقعد جنبها أسهر معاها بالليل وأعملها العصاير وأشجعها.
ومرت شهور الامتحانات بسلام… لحد ما جه اليوم المنتظر، يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة.
كنا قاعدين التلاتة في الصالة ماسكين إيدين بعض وأنفاسنا محبوسة قدام شاشة الكمبيوتر، جلال بيضغط على زرار النتيجة وإيده بتترعش… وفجأة… ظهرت الشاشة!
حبيبة جلال… المجموع: 96.5% – علمي علوم!
الصالة اتهزت بالزغاريد وصرخات الفرحة! جلال شال حبيبة وهو بيلف بيها في الصالة ودموع الفرحة بتنزل من عينيه، وأنا سجدت على الأرض سجدة شكر لربنا ودموعي بتغسل كل شهور الحزن والقهر اللي فاتت. الجيران دخلوا يباركوا، والبيت اللي كان على وشك الخراب، اتملى نور وفرحة وضحك.
دخلت حبيبة كلية الصيدلة اللي كانت بتحلم بيها، وبقت قصتها درس لكل أب وأم إن أولادهم هما الأمانة الحقيقية، وإن جدار الأسرة لو اتصدع بسبب عند الأهل، الأطفال هما اللي بيدفعوا التمن من أرواحهم ونفوسهم.
وعرفت ساعتها… إن أعظم سحر في الدنيا هو “الحب، والأمان، ولمة العيلة الصادقة”، وإن ربنا بيعوض بعد الصبر والرجوع للحق بأكتر مما كنا نتمنى ونحلم.
تمت بحمد الله
#الكاتبه_نور_محمد
العبرة من القصة:
خلوا بالكم من ولادكم، اسمعوهم واحتووهم وقربوا منهم، متخلوش المشاكل والخلافات تعميكم عن أرواح بريئة بتضيع في النص وتدور على الأمان عند ناس متسواش!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






