قصص وروايات

راجل متجوز

فضلت باصص في الأرض وساكت، ملامحي جامدة ومفيش على لساني غير الصدمة، ولا حتى قادر أرفع عيني فيها وأبادلها الدلع زي كل مرة.
لما لقتني مطنشها وزي منا، ملامحها اتغيرت فجأة، وسحبت إيدها من على كتفي بضيق ونفخت بزهق وقامت وقفت قدامي. رمت الكلمتين بنبرة حادة ووش خالي تماماً من أي حنية: «جرى إيه يا عاطف؟ هتفضل قاعدلي مبوز وقالب خلقتك كده كتير؟ أنا مبحبش النكد ده ولا طايقة العيشة في الجو الكئيب ده! أنت جاي تفرغ همك ونكد بيتك الأولاني عليا أنا؟».
بصتلي بزعل وكملت وهي بتعدل شعرها بلامبالاة: «أنا اتجوزتك عشان أعيش مبسوطة ومرتاحة، مش عشان كل ما تروح هناك ترجعلي شايل الهم ومسود الدنيا في وشي! لو مش هتعرف تفصل وتفكك من الدراما الرخيصة دي، يبقى تشوفلك مكان تاني تنكد فيه، أنا دماغي مش ناقصة وجع دماغ!».
سابتني ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها، وفضلت أنا قاعد مكاني في الصالة.. بصيت للفراغ حواليا وضحكت بمرارة على نفسي؛ الست اللي بعت أهلي وبيتي وابني عشان رضاها وراحتها، أول ما شافتني مكسور ومحتاج حد يسندني، اتنصلت مني وقالتلي بصريح العبارة: “أنا مبحبش النكد ده”.
كلامها نزل عليا زي الكرباج، بس ضعفي وقلة حيلتي قدامها كانوا أكبر من أي كرامة باقية ليا. بدأت أتهته وأنا باصص في الأرض، مقدرتش أنطق بكلمة تزعلها ولا حتى أعاتبها، بلعت الإهانة وقلت بصوت مكسور وخاضع: «حاضر يا مرفت.. حقك عليا، حاضر مش هنكد عليكي.. أنا هنزل دلوقتي عشان متضايقيش».
لميت نفسي وخرجت من الشقة بقلة قيمة، ونزلت ركبت عربيتي وسوقتها لحد بيت سوسن وأنا مش عارف هعمل إيه. طلعت الشقة الفاضية، ودخلت الصالة والسكوت بيخنقني من كل ناحية. طلعت التليفون بإيد بتترعش، وجربت أرن على سوسن عشان أطمن على الولد أو أعرف أي خبر.. الخط كان بيدي مشغول وبيقفل فوراً؛ عملتلي بلوك.
قلت أجرب أرن على أخويا طارق عشان أستسمحه وأعرف منه حالة ابني، أول ما التليفون رن وفتح، مسمعتش منه غير جملة واحدة بنبرة كلها زعل: «ملكش إخوات يا عاطف.. ورقمي ده متتصلش بيه تاني»، وقفل السكة في وشي وعملي بلوك هو كمان.
حاولت أتصل بحمايا، وبأخو سوسن، وحتى بجارتنا اللي البنت كانت عندها.. كل ما أرن على حد فيهم، يا إما يقفل السكة في وشي من غير ما ينطق، يا إما التليفون يديني على طول إنه غير متاح بعد البلوك.
رميت الموبايل على الكنبة وحطيت راسي بين إيديا في وسط الضلمة والسكوت.. بقيت زي التايه، الكل سابني، ومفيش بني آدم واحد راضي حتى يسمع صوتي، وأنا محبوس بين حيطان بيتي الأولاني الخربان، مأسور بضعفي لمرفت اللي طردتني عشان النكد، وبندمي على اللي ضيعتهم بإيدي.
عدّى أسبوع كامل وأنا عايش لوحدي في الشقة، أسبوع مر زي السنين في عذاب ووحدة ميعلمش بيها إلا ربنا. في وسط الأسبوع ده، جه أخويا طارق على غفلة، مكلمنيش ولا بص في وشي، دخل عند الجيران أخد بنتي ومشى على طول عشان يوديها لأمها اللي راحت قعدت عند أهلها بعد ما خرجت من المستشفى.. ابني خرج وبقى كويس، بس أنا كنت آخر من يعلم، لا عارف أشوفه، ولا قادر أطمن عليه، ولا حتى مسموحلي أسمع صوته في تليفون.
كنت محبوس بين نارين، نار الشوق لعيالي ووجع الضمير، ونار خوفي وضعفي إني أرجع لمرفت تكسرني أكتر أو تتخانق معايا لو شافتني حزين.
وبعد أسبوع كمان، وتحديداً بعد أسبوعين من ليلة المستشفى، تليفوني رن برقم والدي اللي فك البلوك عشان يقولي جملة واحدة من غير سلام: «تعالى بيت حماك دلوقتي، كلنا مستنيينك».
نزلت وروحي بتتسحب مني، ولما وصلت ودخلت الصالة، لقيت المشهد اللي عمري ما تخيلته.. والدي وإخواتي قاعدين في جنب، وقصادهم والد سوسن وإخوتها، وسوسن نفسها قاعدة بعيد وشها خالي من أي تعبير وكأنها حاطة قناع من تلج.
قعدت وراسي في الأرض ومحدش عبرني حتى برمش عينه، وفجأة والدي كسر السكوت وقال بنبرة قاطعة وبصوت مليان حزن وعار: «إحنا متجمعين هنا عشان ننهي الموضوع ده بالمعروف.. سوسن طلبت الطلاق وأهلها موافقين، وإحنا كأهلك شايفين إن ده أقل حق ليها بعد اللي شافته منك.. طلق يا عاطف، وبالذوق، عشان متجرجرش أم عيالك في المحاكم وتفضح نفسك وتفضحنا أكتر من كده».
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، رفعت راسي وبصيت لسوسن برجاء، بس عينها كانت باصة في الفراغ، مفيش فيها غير إصرار على إنها تمحيني من حياتها تماماً.
حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة، ولساني اتشل، قومت وقفت وبصيت لأبويا وأنا بتهته: «أطلق إيه يا حاج؟ لا طبعاً.. أنا غلطت وأنا معترف ومستعد أعمل أي حاجة، بس مش هطلق وأهد بيتي وأرمي عيالي!».
حمايا رد عليا بصوت هادي يقطع: «بيتك أنت هديته بإيدك من زمان يا عاطف.. والعيال أنت رميتهم الليلة اللي قفلت فيها السكة في وش أمهم وهي بتستنجد بيك عشان ابنك تعبان جدا. بنتي مش لعبة، ولا هي جارية عندك تركنها وقت ما تحب وترجعلها وقت ما تحب».
بصيت لسوسن وقربت خطوة برجاء وذل: «سوسن.. عشان خاطر العيال، بلاش توصلينا لكده.. أنا اتعلمت الأدب ومش هكرر أي حاجة زعلتك، إديني فرصة واحدة بس».
سوسن رفعت عينها فيا، النظرة كانت باردة وجامدة لدرجة تخوف، وقالت بصوت مسموع لكل اللي قاعدين: «عشان خاطر العيال بالذات لازم أطلق.. مش هربي عيالي على إن أبوهم قاسي، ولا هخليهم يشوفوا أمهم متهانة كل يوم عشان يرضي غيرها. أنت سقطت من عيني يوم ما سجلتلها بصوتك إنك بايعني ومستعد تضحي بيا، وسقطت من نظري تماماً الليلة اللي سيبت فيها ابنك تعبان عشان تثبتلها حبك.. أنت ملكش مكان هنا خلاص».

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى