مشرد رفع لافته

كملت:
«أنا كنت أعرفك قبل ما تعرفيني.»
سيبت الورقة فوق الترابيزة.
المحامي قال:
— في إيه؟
ناولته الرسالة.
قرأ.
وبصلي.
— إنتِ كنتِ تعرفيه قبل الشارع؟
— والله العظيم لأ.
رجعت للورقة.
«من حوالي 3 سنين، كنتِ بتشتغلي في شركة من الشركات اللي كنت أملك جزءًا منها بشكل غير مباشر.»
افتكرت شغلي القديم.
كنت اشتغلت حوالي سنة في شركة حسابات صغيرة قبل ما أنقل لمكاني الحالي.
«في الوقت ده، حصلت واقعة يمكن إنتِ نسيتيها.»
أنا فعلًا ماكنتش فاكرة.
لحد ما قريت الجملة التالية.
«ملف فواتير الموردين.»
اتجمدت.
افتكرت.
كان ملف حسابات عادي.
وأنا وقتها كنت موظفة بسيطة جدًا.
لقيت اختلافات في مجموعة فواتير.
أرقام متكررة.
شركات بأسماء شبه بعض.
بلغت مديري.
وبعد أسبوع تقريبًا، المدير قالي إن الموضوع خطأ إداري واتقفل.
وبعدها بشهرين أنا سبت الشركة.
كملت الرسالة.
«الملف اللي بلغتي عنه ماكانش خطأ.»
نفسي اتقطع.
«كان أول خيط وصلني للفلوس اللي كانت بتخرج من شركاتي.»
بصيت للمحامي.
قلت:
— أنا السبب؟
قال:
— سبب إيه؟
كملت بصوت مسموع:
«إنتِ من غير ما تعرفي، كنتِ أول شخص غريب عن العيلة يكتشف جزءًا من اللي بيحصل.»
المحامي قرب مني.
«طلبت أعرف مين الموظف اللي لاحظ الفواتير. وقتها عرفت اسمك.»
بدأت أفهم.
هو عرفني قبل سنتين.
عرف اسمي.
عرف شغلي.
وبعدين قعد في طريقي كل يوم.
قلت وأنا متضايقة:
— يعني حتى أول قهوة ماكانتش صدفة.
المحامي ما ردش.
كملت:
«لكن معرفة اسمك ماكانتش كفاية. كنت محتاج أعرف إنتِ من النوع اللي ممكن أئتمنه، ولا مجرد موظفة لاحظت رقمًا غلط.»
غمضت عيني.
كل حاجة كانت محسوبة.
مكان جلوسه.
طريقي.
لقاءاتنا.
حتى ظهوره كراجل مشرد.
لكن الرسالة كملت:
«كنت ناوي أراقب تصرفك أيام قليلة وأختفي.»
وبعدها:
«لكن الأيام بقت أسابيع… والأسابيع بقت شهور.»
«وكل مرة كنت أقرر أمشي، كنتِ تعملي حاجة بسيطة تخليني أستنى يوم تاني.»
حسيت دموعي بتنزلق.
«مرة جبتيلي بطانية. مرة دواء للبرد. مرة قعدتي جنبي 20 دقيقة لأنك لاحظتي إني حزين.»
«ولا مرة سألتي عندي كام.»
«ولا مرة صورتي نفسك وإنتِ بتساعديني.»
«ولا مرة عاملتيني كإني أقل منك.»
سكت لحظة.
وبعدين كملت:
«وعندما عرفت إن المرض أصبح في مرحلته الأخيرة، اتخذت القرار.»
«لو فيه شخص واحد أقدر أسيب عنده الحقيقة… فهي إنتِ.»
لكن تحت الجملة دي كان مكتوب بخط أكبر:
«مش الثروة. الحقيقة.»
بصيت للمحامي.
— هو ما اتجوزنيش علشان الميراث.
قال:
— واضح إن فيه سبب أكبر.
بدأنا نفتش باقي الصندوق.
أول ملف كان مليان كشوف حسابات.
التاني عقود شركات.
التالت صور تحويلات مالية.
لكن الملف الرابع…
كان عليه اسمي.
أنا.
اسمي كامل.
فتحته بسرعة.
لقيت معلومات عن شغلي القديم.
تاريخ تعييني.
تاريخ استقالتي.
وصورة من التقرير اللي قدمته بخصوص الفواتير.
لكن آخر صفحة كانت مختلفة.
كان فيها صورة لراجل ماعرفوش.
وتحتها مكتوب:
«محمود سالم – المحاسب.»
سألت المحامي:
— مين ده؟
بص للصورة.
ملامحه اتغيرت.
— ده الراجل اللي اختفى بعد حادث العربية.
قلت:
— الميكانيكي؟
قال:
— لأ.
— أمال مين؟
— ده المحاسب اللي كان بيحقق مع جوزك في التحويلات.
قلبي وقع.
— یعنی فيه اتنين اختفوا؟
— على الأقل.
قلبنا الصفحة.
كان فيه عنوان مكتوب بالقلم.
وبجانبه جملة:
«لو الملف وصل لزوجته، ابحثوا عنه هنا.»
قلت:
— ممكن يكون عايش؟
المحامي قال:
— ممكن.
خرجنا من البنك حوالي الساعة 2.
وأنا حاسة إني ماعدتش عارفة مين أثق فيه.
المحامي اقترح نروح مكتبه وننسخ الملفات.
لكن وأنا خارجة من البنك، موبايلي رن.
رقم مجهول.
رديت.
— ألو؟
محدش اتكلم.
قلت:
— ألو؟
وبعدين سمعت صوت راجل:
— فتحتي الخزنة؟
وقفت مكاني.
المحامي بصلي.
قلت:
— مين؟
الراجل تجاهل سؤالي.
— جوزك قالك تدوري على محمود، صح؟
الدم جمد في عروقي.
— إنت مين؟
قال:
— لو رحتي للعنوان اللي معاكي، هتموتي زي ما هو مات.
وقفل.
بصيت للمحامي.
— حد عارف إحنا لقينا إيه.
قال:
— قال إيه؟
حكيتله.
أول مرة شفت الخوف الحقيقي على وشه.
قال:
— ماتروحيش العنوان.
قلت:
— ليه؟
— لأن ده ممكن يكون فخ.
قلت:
— وممكن يكون الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة.
رجعت البيت قبل المغرب.
قفلت الباب كويس.
وقعدت أبص للملفات اللي صورت منها نسخ.
كنت تعبانة.
خايفة.
وغضبانة من جوزي.
ليه ما قالليش وهو عايش؟
ليه خلاني أكتشف كل ده لوحدي؟
فتحت الموبايل القديم اللي كان في الخزنة.
البطارية كانت ضعيفة.
وصلته بالشاحن.
بعد دقايق اشتغل.
ماكنش عليه شريحة.
ولا صور تقريبًا.
لكن كان فيه تطبيق تسجيل صوتي.
فتحت.
لقيت 17 تسجيل.
كل واحد بتاريخ مختلف.
آخر تسجيل كان قبل وفاته بيومين.
ضغطت تشغيل.
سمعت صوته.
نفس الصوت الهادي اللي كنت بسمعه كل صباح.
قال:
— لو إنتِ اللي بتسمعي التسجيل ده، فأنا آسف.
بدأت أعيط.
كمل:
— عارف إنك هتزعلي لما تعرفي إني كنت عارفك قبل ما تعرفيني. وعارف إنك ممكن تحسي إن كل لحظة بينا كانت كدبة.
سكت ثواني.
— بس القهوة اللي كنت بستناها منك كل صباح ماكنتش كدبة.
ابتسمت وسط دموعي.
قال:
— وإنتِ الشخص الوحيد اللي حسسني في آخر سنتين إني بني آدم مش حساب بنكي.
وبعدين صوته اتغير.
بقى جاد.
— دلوقتي اسمعيني كويس. الملفات اللي في الخزنة فيها أدلة على سرقة ملايين من الشركات. لكن دي مش أخطر حاجة.
قربت الموبايل مني.
— أخطر حاجة موجودة في التسجيل رقم 8.
بصيت للقائمة.
التسجيل رقم 8.
ضغطت عليه.
في البداية سمعت دوشة.
واضح إنه تسجيل خفي.
وبعدين صوت جوزي:
— إنت بتطلب مني أمضي على تنازل عن الشركة؟
صوت راجل رد:
— إحنا مش بنطلب… إحنا بنحاول ننهي المشكلة بهدوء.
جوزي قال:
— وشريف عارف إنك هنا؟
الراجل رد:
— شريف هو اللي باعتني.
جسمي اتشد.
الصوت كمل:
— امضي، وخد اللي يكفيك تعيش باقي عمرك مرتاح.
جوزي ضحك.
— وإلا؟
سكت الراجل.
وبعدين قال:
— حادثة العربية كانت تحذير.
حطيت إيدي على بوقي.
المحادثة استمرت.
جوزي قال:
— يعني بتعترف إن الحادث ماكانش صدفة؟
الصوت رد:
— أنا ما قلتش كده.
— قلت كفاية.
فجأة حصلت حركة.
صوت كرسي.
وبعدين التسجيل انتهى.
فضلت قاعدة مصدومة.
ده أول شيء قريب من دليل حقيقي.
لكن مين الراجل؟
رجعت للتسجيل الأول.
ثم الثاني.
وفي تسجيل رقم 11، سمعت اسمًا.
«محمود.»
نفس المحاسب.
كان بيتكلم مع جوزي.
محمود قال:
— عندي النسخة الأصلية.
جوزي:
— فين؟
محمود:
— في مكان محدش يعرفه.
— وإيه اللي فيها؟
— كل التحويلات… والأسماء الحقيقية ورا الشركات الوهمية.
جوزي:
— وشريف؟
محمود سكت.
وبعدين قال:
— شريف مش لوحده.
جوزي:
— مين معاه؟
قبل ما محمود يرد…
التسجيل انتهى.
صرخت من الغيظ:
— لا!
فضلت أقلب التسجيلات.
يمكن الإجابة في واحد تاني.
وفجأة سمعت صوت عند باب الشقة.
اتجمدت.
مش خبط.
صوت مفتاح.
حد بيحاول يدخل.
قمت بسرعة.
مسكت الموبايل والملفات.
الصوت وقف.
قربت من الباب من غير ما أعمل صوت.
سمعت خطوات بتبعد.
استنيت حوالي 5 دقايق.




