قصص وروايات

مشرد رفع لافته

وبعدين بصيت من العين السحرية.

مفيش حد.

فتحت الباب بحذر.

لقيت ظرف صغير على الأرض.

مكتوب عليه اسمي.

أخدته وقفلت الباب بسرعة.

فتحته.

كان جواه صورة.

صورة ليا أنا وجوزي.

متصورة من بعيد.

في اليوم اللي رحنا فيه نوقع أوراق الجواز.

يعني حد كان بيراقبنا.

قلبت الصورة.

مكتوب وراها:
«هو استخدمك… وإنتِ لسه ما تعرفيش أسوأ حاجة عملها.»

وتحت الجملة عنوان.

نفس عنوان محمود.

تاني يوم الصبح ما قلتش للمحامي.

عارفة إنه كان هيمنعني.

ركبت عربيتي وروحت للعنوان.

كان بيت قديم في منطقة هادية.

وقفت قدامه حوالي 10 دقايق.

جزء مني كان بيقول امشي.

لكن فضولي كان أقوى.

خبطت.

محدش رد.

خبطت تاني.

سمعت حركة جوه.

الباب اتفتح فتحة صغيرة.

راجل كبير، شعره أبيض ووشه مرهق، بصلي.

أول ما شافني…

وشه اتغير.

قال:

— إنتِ مراته؟

قلبي دق.

— حضرتك محمود؟

بص يمين وشمال.

وبعدين فتح الباب.

— ادخلي بسرعة.

دخلت.

قفل الباب وراه بالمفتاح.

البيت كان شبه فاضي.

قلت:

— جوزي ساب اسمك في ملف.

قال:

— عارف.

— عرفت منين؟

بصلي وقال:

— لأنه جه عندي قبل ما يموت بأسبوع.

اتصدمت.

— إيه؟!

— كان عارف إن أيامه قليلة.

قعد.

— وقاللي إن فيه ست هتيجي بعد موته.

— أنا؟

— أيوه.

طلع ظرف من درج قديم.

— وسابلك ده.

مد إيده.

لكن قبل ما آخده قلت:

— استنى. الأول قولي الحقيقة. مين حاول يؤذيه؟

محمود بصلي طويلًا.

— إنتِ لسه فاكرة إن شريف هو المشكلة؟

— مش هو؟

ضحك ضحكة قصيرة حزينة.

— شريف حرامي… آه. وكان عاوز يسيطر على شركات أبوه. لكن الحادث؟

هز راسه.

— شريف ما خططش له.

حسيت الأرض بتتحرك تحتي.

— أمال مين؟

قرب مني.

— جوزك اكتشف قبل الحادث إن حد بيحوّل فلوس من الشركات من سنين.

— مين؟

قال:

— الشخص اللي كان مسؤول عن حماية مصالحه القانونية.

مافهمتش في الأول.

لكن بعدها…

افتكرت.

المحامي.

قلت:

— مستحيل.

محمود قال:

— المحامي اللي إنتِ بتثقي فيه دلوقتي كان شريك في كل حاجة.

رجعت خطوة.

— إنت بتكدب.

— اسأليه عن شركة «الشرق للاستثمارات».

الاسم كان مألوف.

شوفته في الملفات.

محمود مدلي الظرف.

— جوزك عرف إنه مش هيقدر يثق فيه. علشان كده خبّى أهم دليل عندي.

فتحت الظرف.

كان فيه فلاشة صغيرة.

قال:

— دي النسخة الوحيدة الكاملة.

وفجأة…

موبايل محمود رن.

بص للشاشة.

وشه ابيض.

قال:

— عرفوا إنك هنا.

— مين؟

قام بسرعة.

— لازم تمشي.

— مين عرف؟

— مفيش وقت!

سمعنا عربية وقفت بره.

محمود فتح باب خلفي.

— اطلعي من هنا.

مسكت الفلاشة.

وقبل ما أخرج، قلت:

— إنت متأكد من المحامي؟

بصلي.

— جوزك اكتشف خيانته قبل موته بثلاث شهور.

خرجت من الباب الخلفي.

جريت لحد شارع جانبي.

ركبت عربيتي.

قفلت الأبواب.

إيدي كانت بترتعش.

طلعت موبايلي.

كان عليه 6 مكالمات فائتة.

كلهم من المحامي.

وبعدين وصلت رسالة منه:
«إنتِ فين؟ لازم أشوفك فورًا. اكتشفت مين حاول يقتل جوزك.»

فضلت باصة للرسالة.

الفلاشة في إيدي.

مين فيهم بيكدب؟

محمود؟

ولا المحامي؟

رجعت البيت.

قفلت كل حاجة.

حطيت الفلاشة في اللابتوب.

ظهر فولدر واحد.

اسمه:
«إلى زوجتي.»

فتحته.

كان فيه فيديو.

ضغطت تشغيل.

ظهر جوزي قدام الكاميرا.

كان تعبان جدًا.

لكنه قال:

— لو وصلتي للفيديو ده، يبقى محمود نفذ وعده.

وبعدين سكت لحظة.

— دلوقتي هقولك الحقيقة اللي ماقدرتش أكتبها في أي رسالة.

قرب من الكاميرا.

— أنا ما كنتش خايف من أولادي.

نفسي وقف.

قال:

— كنت بخليهم يفتكروا إني خايف منهم.

ثم أضاف:

— لأن الشخص اللي كان عاوزني أموت… كان لازم يفضل مقتنع إني ماعرفتش حقيقته.

وبعدين ذكر اسم الشخص.

ولما سمعته…

إيدي سابت الموبايل من الصدمة.

لأن الاسم ماكانش شريف.

وماكانش المحامي.

كان اسم شخص تالت…

شخص كنت بشوفه كل يوم تقريبًا في شغلي.

والأسوأ إن جوزي قال بعدها:

— هو اللي خلاني أعرفك أصلًا.

وفجأة…

جرس باب شقتي رن.

بصيت ناحية الباب.

وجالي صوت أعرفه كويس جدًا من بره:

— افتحي… أنا عارف إن الفلاشة معاكي.

يتبع…
الجزء الثالث والأخير: الشخص اللي كان بيراقبني من البداية
اتجمدت وأنا باصة ناحية الباب.

الصوت اتكرر:
— افتحي… أنا عارف إن الفلاشة معاكي.

ماكنتش محتاجة أسأل مين.
أنا عارفة الصوت كويس.
مديري في الشغل… سامح.
الراجل اللي بشوفه تقريبًا كل يوم.
الراجل اللي من سنتين وافق ينقلني للقسم الجديد.
الراجل اللي كان دايمًا يسألني:
— أخبارك إيه؟ محتاجة حاجة؟

رجعت بسرعة للابتوب.
الفيديو لسه شغال.
جوزي كان بيقول:
— اسمه سامح… ولو إنتِ بتسمعي الكلام ده، فأنا غالبًا مت.

حطيت إيدي على بوقي.
الخبط على الباب زاد.
— افتحي يا ندى… لازم نتكلم.

رجعت للفيديو.
جوزي كمل:
— لكن قبل ما تحكمي عليه، لازم تعرفي الحكاية من البداية.

وطيت صوت اللابتوب.
وقعدت على الأرض جنب الكنبة، بعيد عن الباب.
— سامح بدأ يشتغل معايا من حوالي 16 سنة.
— كان شاب ذكي وطموح، وأنا وثقت فيه أكتر مما كان المفروض.
— وبعد وفاة مراتي، بقيت أعتمد عليه في حاجات كتير.

الخبط وقف فجأة.
الصمت كان أخوف من الخبط.
كملت الفيديو.
— لما أولادي بدأوا يدخلوا إدارة الشركات، سامح قرب من شريف. في البداية افتكرت إن ده طبيعي… لحد ما بدأت الفلوس تختفي.

جوزي رفع ملف قدام الكاميرا.
— شركات وهمية… عقود مزورة… موردين مش موجودين أصلًا.

قلبي بدأ يدق أسرع.
نفس الفواتير اللي أنا اكتشفتها زمان.

قال:
— وإنتِ كنتِ أول غلطة في خطتهم.
أنا؟
— لما لاحظتي اختلافات الفواتير وقدمتِ التقرير، سامح هو اللي أمر مديرك يقفل الموضوع.

افتكرت فجأة.
مديري القديم وقتها كان متوتر جدًا.
قاللي:
— سيبي الموضوع يا ندى، دي غلطة في النظام.
وأنا صدقته.

جوزي كمل:
— لكن نسخة من تقريرك وصلتلي.
— سألت مين الموظفة اللي اكتشفت ده.
— وعرفت اسمك.

سكت.
ثم قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:
— لكن سامح عرف إني سألت عنك.

سمعت صوت حركة برا الباب.
قمت ببطء.
بصيت من العين السحرية.
مفيش حد.
رجعت بسرعة.

جوزي قال:
— من اللحظة دي، بقيتي خطر عليه من غير ما تعرفي.

دموعي نزلت.
أنا كنت عايشة حياتي عادي.
بروح الشغل.
برجع.
بشتري حاجات البيت.
وأنا أصلًا موجودة وسط حرب ماعرفش عنها حاجة.

الفيديو كمل:
— سامح نقلك بعد فترة لشركة تانية تابعة لنفس الشبكة بشكل غير مباشر، علشان يفضل عارف إنتِ فين.

شهقت.
يعني نقلي للشغل الحالي… ماكانش صدفة.
كل حاجة بدأت تركب.
سامح نفسه هو اللي وافق على تعييني.
هو اللي قال وقتها:
— ملفك ممتاز.
كنت فاكرة إن حظي حلو.
لكن الحقيقة إنه كان بيخليني قريب منه.

جوزي قال:
— وأنا عملت العكس.
— قررت أقرب منك أنا كمان.
— لكن من غير ما تعرفي مين أنا.

هنا فهمت.
علشان كده قعد في الطريق اللي بعدّي منه.
علشان كده ظهر كراجل مشرد.
كان بيراقب سامح… وبيراقبني.

لكن جوزي قال بعدها:
— في البداية، إنتِ كنتِ مجرد شاهدة محتملة.
— وبعد شهور، بقيتي حاجة تانية.
صوته اتهز.
— بقيتي الإنسان الوحيد اللي كنت بشوفه من غير ما أشك فيه.

غمضت عيني.
افتكرت صباحات كتير.
القهوة.
ضحكته.
سؤاله ليا عن يومي.
مرة كنت زعلانة من الشغل.
قعدت جنبه عشر دقايق وقلتله:
— ساعات بحس إني عايزة أسيب كل حاجة وأمشي.
قاللي:
— ماتسيبيش حقك بسهولة.
وقتها افتكرته مجرد راجل كبير بينصحني.
دلوقتي فهمت.
كان عارف حاجات أنا نفسي ماكنتش أعرفها.

فجأة موبايلي رن.
سامح.
ما رديتش.
وصلت رسالة:
«لو ما فتحتيش، هتندمي.»

صورت الرسالة فورًا.
وبعتها للمحامي.
ثم كتبت:
«سامح عند باب بيتي.»

رد المحامي فورًا:
«ما تفتحيش. اتصلت بالشرطة.»

وقتها افتكرت كلام محمود.
إن المحامي شريك.
طب أثق فيه إزاي؟

رجعت للفيديو.
كأن جوزي كان متوقع السؤال.
قال:
— محمود هيقولك إن المحامي خانني.

بصيت للشاشة بصدمة.
— ماتلوميش محمود. أنا اللي طلبت منه يقولك كده.

قلت بصوت عالي:
— إيه؟!

جوزي ابتسم ابتسامة حزينة.
— كنت محتاج أعرف إذا كان فيه حد بيراقب محمود.

بدأت أفهم.
— لو الخبر وصل لسامح إن محمود قال إن المحامي هو الخائن، سامح هيتحرك بسرعة علشان ياخد الفلاشة.

حطيت إيدي على راسي.
يعني حتى الكذبة كانت فخ.
جوزي كان بيرتب كل حاجة قبل موته.
— المحامي الوحيد اللي فضلت واثق فيه. وعنده نسخة من جزء كبير من المستندات، لكن مش النسخة الكاملة.

وبعدين قال:
— النسخة الكاملة معاكي إنتِ.

بصيت للفلاشة.
في اللحظة دي سمعت صوت المفتاح تاني.
لكن المرة دي… القفل اتحرك فعلًا.

قمت مفزوعة.
اتصلت بالشرطة فورًا.
قلت عنواني بسرعة.
وبعدها جريت ناحية المطبخ.
مسكت موبايلي والفلاشة.
وفجأة الباب اتفتح.

سامح دخل.
وقف في الصالة.
كان هادي بشكل مرعب.
قال:
— أنا مش جاي أأذيكي.

قلت:
— اطلع بره.
— اسمعيني بس.
— إنت دخلت بيتي إزاي؟

رفع مفتاح صغير.
— النسخة دي عندي من فترة.

افتكرت محاولات فتح الباب قبل كده.
هو. كان هو.

قلت:
— الشرطة جاية.
ملامحه اتغيرت ثانية واحدة.
وبعدين رجع هادي.
— يبقى عندنا وقت قليل.

مد إيده.
— اديني الفلاشة.
— لأ.
— ندى… إنتِ مش فاهمة اللعبة دي.

قلت:
— فهمتها كويس.
ضحك.
— الراجل ده لعب بيكي لحد آخر نفس.
— على الأقل ما حاولش يإذيه.

اختفت الابتسامة من وشه.
قال:
— هو قالك إني حاولت أأذيه؟

ما رديتش.
قرب خطوة.
رجعت أنا خطوة.
قال:
— الحادث ماكانش المفروض ينهي حياته بالطريقة دي.

قلت:
— يعني بتعترف؟
اتوتر.
عرف إنه غلط.
قال بسرعة:
— أنا ما قلتش كده.

نفس الجملة.
نفس الجملة اللي سمعتها في التسجيل.
وقتها عرفت إن مفيش شك.
هو نفس الصوت.

قلت:
— التسجيل موجود.
وشه ابيض.
— تسجيل إيه؟

رفعت موبايلي.
— صوتك.

سكت.
وبعدين قال:
— اديني الفلاشة وأنا هختفي من حياتك.
— والفلوس اللي سرقتها؟
— دي مشاكل شركات، مش مشكلتك.
— ومحاولة إيذاء جوزي؟

صرخ:
— هو اللي دمر كل حاجة!
أول مرة يفقد هدوءه.
— كان خلاص بعيد عن الإدارة! الشركات كانت بتقع، وولاده بيتخانقوا، وأنا اللي كنت شايل كل حاجة!

قلت:
— فسرقتها؟
قال:
— أنا أخدت حقي.
— وحادث العربية؟
سكت.
قلت:
— رد.
قال:
— كنت عايزه يخاف ويبعد.
— لكنه نجا.

بصلي.
— لأ.
قلت:
— وبعدها؟
ما ردش.
قرب خطوة تانية.
— الفلاشة يا ندى.

سمعت صوت عربيات تحت البيت.
سامح بص ناحية الشباك.
عرف إن الوقت خلص.
مد إيده فجأة ناحية الموبايل.
صرخت ورجعت لورا.

في اللحظة دي خبط قوي على الباب.
— شرطة! افتح الباب!

سامح وقف.
بصلي.
وفي ثواني دخل رجال الشرطة.
بعدها كل حاجة حصلت بسرعة.
سامح اتاخد للتحقيق.
وأنا فضلت واقفة في نص الصالة، جسمي كله بيرتعش.

الأيام اللي بعدها كانت أصعب أيام حياتي.
الفلاشة اتسلمت للجهات المختصة من خلال المحامي.
والملفات كشفت شبكة تحويلات مالية امتدت لسنين.
لكن المفاجأة إن شريف، ابن جوزي، ماطلعش بريء تمامًا.
كان فعلًا متورط في جزء من المخالفات المالية.
لكن الأدلة اللي تركها أبوه كانت بتفرق بين دوره وبين واقعة الحادث.
سامح كان استغل خلاف الأب مع أولاده علشان كل الشكوك تروح ناحية شريف.

أما محمود…
فاتضح إنه اختفى بإرادة جوزي.
جوزي هو اللي ساعده يبعد لما بدأ سامح يدور عليه.
والميكانيكي كمان ماكانش مختفي بالشكل اللي الناس افتكرته.
كان خايف بعد ما اكتشف التلاعب في العربية، وسافر بعيد.
وشهادته بقت جزءًا من التحقيق.

أما أنا…
كنت مستنية أعرف حاجة واحدة: الميراث.

بعد أسابيع، قعدت قدام المحامي مرة تانية.
نفس المكتب. نفس الترابيزة.
لكن أنا ماكنتش نفس الست اللي دخلت هنا أول مرة.

قلت:
— دلوقتي عايزة أعرف هو سابلي إيه فعلًا.
فتح الملف.
قال:
— قانونيًا، الوصية معقدة، وفيه اعتراضات من الورثة، وبعض التفاصيل هتتحسم رسميًا. لكن فيه جزء واضح جدًا من رغبته.

طلع خطاب.
— طلب إن جزءًا كبيرًا من ممتلكاته يفضل لأولاده وفق الإجراءات القانونية وحقوقهم.

استغربت.
— رغم كل اللي حصل؟
— كانوا أولاده في النهاية. وهو فرق بين أخطائهم وبين أفعال سامح.

سألته:
— وأنا؟
ابتسم.
— إنتِ ليكي بيت.
— بيت؟
قال عنوان ماكنتش أعرفه.
— وكمان مبلغ مالي وحصة استثمارية خصصها ليكي وفق الأوراق القانونية.

قلت:
— قد إيه؟
قال الرقم.
فضلت باصة له، مش قادرة أنطق.
المبلغ كان كفاية يغير حياتي تمامًا.
لكن الغريب إنني ماحسيتش بالفرحة اللي توقعتها.

قلت:
— ليه؟
ناولني آخر رسالة. كانت قصيرة.
فتحتها:
«أنا عارف إنك لما تعرفي الحقيقة ممكن ترفضي كل حاجة.»

ابتسمت رغم دموعي. كان عارفني.
«وعلشان كده، ما اعتبريش اللي سبتُهولك تمن للجواز.»
«ولا تمن للقهوة.»
«ولا مقابل إنك وقفتي جنبي.»
«اعتبريه فرصة تبدأي حياتك من غير خوف.»

دموعي وقعت على الورقة. كملت:
«لكن فيه حاجة أخيرة مستنيّاكي في البيت.»

رفعت عيني للمحامي.
قال:
— المفتاح.
طلع مفتاح من درج مكتبه.

بعد يومين، رحت البيت.
كان بيتًا قديمًا جميلًا على أطراف المدينة.
مش قصر، ولا فيلا ضخمة زي ما كنت متخيلة.
بيت بسيط بحديقة صغيرة.
فتحت الباب. ريحة المكان كانت مقفولة من فترة.
دخلت. الأثاث متغطي.
على الحيطان صور قديمة: جوزي وهو أصغر، مع زوجته الأولى، مع أولاده وهم أطفال.
فضلت أتفرج عليها.
لأول مرة شوفته مش كرجل مشرد، ولا كرجل أعمال، شوفته أب، زوج، إنسان عاش حياة كاملة قبلي.

دخلت مكتبه.
فوق الترابيزة كان فيه صندوق صغير.
فتحته.
لقيت الكوباية الورق القديمة اللي كنت جبتله فيها أول قهوة.
كان محتفظ بيها!
وتحتها ورقة:
«فاكرة أول يوم؟»
ضحكت وأنا بعيط.
«قلتيلي: أنا ما قلتش إنك طلبت.»
افتكرت. كملت:
«اليوم ده كنت ناوي أختفي بعدها.»
«لكن فضلت.»
«وفي النهاية، الشهر اللي طلبت منك تعيشيه كزوجتي كان أحسن شهر في آخر سنين حياتي.»

قعدت على كرسيه.
آخر سطر كان:
«أنا آسف إني بدأت علاقتنا بكذبة… وشكرًا إنك أنهيتي حياتي بحقيقة واحدة: إن الإنسان ممكن يلاقي أهل حتى لو اتأخر جدًا.»

حضنت الرسالة.
ولأول مرة من يوم وفاته… عيطت عليه بجد.
مش على الراجل الغني، ولا صاحب الشركات.
عيطت على الراجل اللي كان يقعد كل صباح مستنيني بقهوته.

مرت سنة.
القضايا أخدت مسارها القانوني.
وأنا سبت شغلي القديم، ماكنتش قادرة أفضل في المكان اللي سامح كان بيراقبني منه سنين.

أما البيت اللي سابهولي… ما بعتهوش.
عملت فيه حاجة مختلفة.
حولت جزءًا منه لمكان يقدم وجبات ساخنة ومساعدة مؤقتة للناس اللي فقدوا بيوتهم أو شغلهم.
وعلقت عند المدخل لافتة صغيرة.
ماكنتش عليها اسمه. هو ماكانش محتاج اسمه يبقى مكتوب.
كتبت جملة واحدة:
«محدش أقل من حد.»

كل صباح تقريبًا، كنت أعمل قهوة سادة، وأوقات أقعد في الحديقة بالكوباية التانية قدامي.
عارفة إنه مش هييجي.
لكن الغريب إن ده ماكانش بيحزنني زي الأول.
لأن الراجل اللي ظهر في حياتي كـ«مشرد»… سابلي أكتر من بيت وفلوس.
سابلي حقيقة فضلت معايا:
مش كل فقير محتاج فلوس… ومش كل غني عنده حد.

وفي يوم، وأنا بقفل الصندوق اللي حطيت فيه رسائله، وقعت منه قطعة كرتون صغيرة.
نفس قطعة الكرتون القديمة اللي كان رافعها الصبح اللي غير حياتي:
«اتجوزيني… فاضلي شهر واحد بس وأموت.»

قلت أًقلبها.
ولأول مرة اكتشفت إن فيه كتابة صغيرة جدًا على الضهر، واضح إنه كتبها قبل ما يرفع اللافتة:
«يارب توافق… مش علشان أموت وأنا متجوز، لكن علشان أموت وأنا عارف إن فيه إنسان واحد في الدنيا هيفتكرني بحب.»

ابتسمت وسط دموعي، وضميت اللافتة لصدري.
وقلت بصوت واطي:
— فاكر إنك كنت لوحدك؟
وسكت لحظة:
— إنت ماكنتش لوحدك.

تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى