مشرد رفع لافته

راجل مشرد رفع لافتة مكتوب عليها:— «اتجوزيني… فاضلي شهر واحد بس وأموت.» وافقت بدافع الشفقة… لكن بعد جنازته، وصلتني رسالة خلت الدم ينشف في عروقي. كنت بعدّي من قدامه كل صباح وأنا رايحة شغلي. كان راجل مشرد هادي ومحترم، بيقعد كل يوم قريب من المكان اللي بعدّي منه.
على مدار السنتين اللي فاتوا، بقى بينا روتين بسيط ولطيف.
كنت بجيب له قهوة سادة، وأقف أتكلم معاه دقايق عن الجو أو أي حاجة بسيطة، وبعدها أكمل طريقي للشغل.
لكن في صباح شديد البرودة من الشهر اللي فات، لقيت حاجة مختلفة.
المرة دي ماكانش طالب فلوس، ولا حتى مستني حد يساعده.
كان ماسك قطعة كرتون مكتوب عليها بخط كبير:
«اتجوزيني… فاضلي شهر واحد بس وأموت.»
وقفت مكاني من الصدمة.
قربت منه، وقعدت جنبه واديته القهوة اللي متعودة أجيبها له، وسألته باستغراب:
— إيه اللي إنت كاتبه ده؟
كان شكله تعبان جدًا.
وشه شاحب أكتر من المعتاد، وإيده كانت بتترعش وهو بياخد مني الكوباية.
بص في الأرض وقال بصوت ضعيف:
— الدكاترة قالولي فاضلي حوالي شهر… عندي فشل في الكبد.
اتصدمت، وقلبي وجعني عليه.
قلت:
— أنا آسفة جدًا… بس إيه علاقة ده بالجواز؟
رفع عينه ناحيتي، وكانت الدموع بتلمع فيها، وقال:
— أنا مش عاوز أموت من غير ما يكون ليا حد. عاوز يبقى في ورقة رسمية بتقول إن فيه إنسان يخصني… حد يستلم رمادي بعد موتي بدل ما أموت لوحدي ومحدش يسأل عني.
كلامه كسر قلبي.
أنا بطبعي بتأثر جدًا بالناس، ووقتها كنت عايشة لوحدي ومفيش في حياتي حد.
فضلت أفكر في كلامه طول اليوم.
وفي الآخر قلت لنفسي:
هو مش طالب مني جواز حقيقي…
هو مجرد إجراء رسمي علشان راجل بيموت يحس إن ليه حد في آخر أيامه.
وبعد يومين فقط، رحنا ووقعنا أوراق الجواز.
ماكنش فيه فرح.
ولا فستان.
ولا خاتم.
ولا حتى حياة زوجية بينا.
بالنسبة ليا، الموضوع كله كان مجرد ورقة قانونية تمنح راجل بيموت شوية كرامة وراحة في أيامه الأخيرة.
وبعد 3 أسابيع بالظبط…
مات.
اهتميت بالإجراءات اللي تخص جنازته، وودعته وأنا مقتنعة إني على الأقل حققت له آخر أمنية في حياته.
لكن امبارح…
فتحت صندوق البريد، ولقيت ظرف كبير باسمي.
الغريب إن تاريخ إرساله كان قبل وفاته بيوم واحد.
دخلت البيت، وقعدت على ترابيزة المطبخ وفتحت الظرف.
كان جواه كذا ورقة مكتوبة بخط إيده.
افتكرت إنها رسالة شكر ووداع.
يمكن كان عاوز يشكرني إني وقفت جنبه في آخر أيامه.
بدأت أقرأ أول سطر…
وبعدين التاني…
لكن مع أول كام جملة، إيدي بدأت ترتعش.
وقفت عن القراءة للحظة، وبصيت للورق وأنا مش مصدقة.
لأن الرسالة ماكانتش رسالة شكر.
والراجل اللي اتجوزته بدافع الشفقة…
ماكانش الشخص اللي كنت فاكرة إني أعرفه.
والأخطر…
إنه ما اختارنيش بالصدفة.
الحقيقة اللي كانت جوه الظرف
رجعت أبص للورقة تاني، وأنا حاسة إن قلبي بيدق أسرع من الطبيعي.
أول سطر كان مكتوب فيه:
«لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا خلاص مش موجود… وده معناه إن الوقت جه تعرفي أنا مين فعلًا، وليه اخترتك إنتِ بالذات.»
بلعت ريقي وكملت.
كان خطه مهزوز في بعض الأماكن، لكن الكلام واضح.
«أول حاجة لازم تعرفيها… إني ماكنتش مشرد.»
وقفت عند الجملة دي.
قريتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
ماكنتش مشرد؟
طب إزاي؟
أنا شوفته بعيني سنتين كاملين تقريبًا.
نفس الهدوم القديمة.
نفس البطانية البنية اللي كان بيلفها حوالين جسمه في الشتا.
نفس الكرسي الصغير اللي كان بيقعد عليه.
وفي أيام المطر كنت بلاقيه مستخبي تحت سقف محل مقفول.
كملت القراءة بسرعة.
«اسمي الحقيقي مش الاسم اللي عرفتيه بيه. واسمي موجود في الأوراق اللي جوه الظرف. ولو بحثتي عنه، هتفهمي جزء من الحكاية.»
رميت الرسالة لحظة وبدأت أقلب الورق.
كان فيه مستند مطوي.
فتحته.
أول ما قريت الاسم، حسيت إني مش فاهمة حاجة.
الاسم كان طويل، وتحته اسم شركة كبيرة.
الاسم نفسه مألوف.
شوفته قبل كده فين؟
فتحت موبايلي وكتبت الاسم.
وأول نتيجة ظهرت قدامي خلتني أقوم من على الكرسي.
صورة قديمة لرجل أعمال.
الصورة من حوالي 15 سنة.
شعره كان أسود.
لابس بدلة غالية.
واقف قدام مبنى ضخم.
لكن العينين…
نفس العينين.
قربت الصورة بإصبعي.
مستحيل.
هو.
الراجل اللي كنت كل صباح أجيب له قهوة.
الراجل اللي كنت فاكرة إنه بينام في الشارع.
كان في يوم من الأيام صاحب مجموعة شركات وعقارات.
فضلت أقلب في النتائج وأنا مش مصدقة.
أخبار قديمة.
صفقات.
صور في مناسبات.
وبعدين فجأة…
الأخبار عنه وقفت من سنين.
رجعت للرسالة.
«زمان كان عندي فلوس أكتر مما أقدر أصرفه. وكان حواليّا ناس أكتر مما أقدر أعدهم. لكن لما خسرت صحتي، بدأت أعرف مين كان بيحبني ومين كان بيحب اللي معايا.»
قعدت تاني.
«عيلتي كانت أول ناس اكتشفت حقيقتهم.»
حسيت إن فيه حاجة تقيلة جاية.
«بعد وفاة مراتي من سنين، حصل خلاف كبير بيني وبين أولادي. كانوا شايفين إني لازم أسلمهم إدارة كل حاجة وأعيش بعيد. وأنا رفضت.»
كملت.
«الخلاف وصل للمحاكم، وبعدها حصل شيء أسوأ. اكتشفت إن أقرب الناس ليا كانوا مستعدين يعتبروني ميت وأنا لسه عايش، طالما ده هيخليهم يسيطروا على كل حاجة.»
حطيت إيدي على بوقي.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الصفحة اللي بعدها.
«في اليوم اللي قابلتك فيه لأول مرة… أنا ماكنتش محتاج تمن القهوة.»
افتكرت اليوم ده.
كان من سنتين تقريبًا.
كنت متأخرة على الشغل.
والجو كان ساقعة.
لقيته قاعد لوحده.
دخلت جبت قهوتين.
واحدة ليا وواحدة له.
مديتها له وقلت:
— الجو صعب النهارده… خد دي تدفيك.
هو وقتها بصلي باستغراب.
وقال:
— أنا ما طلبتش حاجة.
ضحكت وقلت:
— وأنا ما قلتش إنك طلبت.
وسبته ومشيت.
رجعت للرسالة.
«كنت بختبر الناس.»
قلبي انقبض.
بختبر الناس؟
«بعد اللي حصل مع عيلتي، فقدت الثقة في كل شخص حواليا. كنت عاوز أعرف هل لسه فيه حد ممكن يعامل إنسان كويس من غير ما يعرف اسمه، منصبه، حسابه في البنك، أو هو يملك إيه.»
بدأت أحس بالغضب.
يعني السنتين دول كانوا اختبار؟
أنا كنت جزء من لعبة؟
كملت وأنا متوترة.
«مئات الناس عدوا من قدامي. بعضهم تجاهلني. بعضهم شتمني. وبعضهم رمى فلوس عند رجلي من غير حتى ما يبص في وشي.»
ثم كتب:
«إنتِ كنتِ مختلفة.»
سكت لحظة.
«أول يوم ادتيني قهوة. اليوم التاني سألتي إذا كنت بردان. وبعد أسبوع جبتيلي جوانتي قديم وقلتي إنك مش محتاجاه.»
افتكرت الجوانتي.
كان بتاع أخويا من سنين.
كنت لقيته في الدولاب.
«وفي مرة اختفيت 4 أيام، ولما رجعت لقيتك زعلانة مني.»
ضحكت رغم توتري.
فعلًا.
كنت قلت له:
— إنت اختفيت فين؟ أنا افتكرت حصلك حاجة!
وقتها ابتسم وقال:
— هو فيه حد ممكن يقلق عليا؟
قلت له:
— طبعًا… إنت بني آدم.
دلوقتي فهمت ليه سكت بعدها.
رجعت أكمل.
«الجملة دي فضلت في دماغي شهور.»
دموعي بدأت تنزل من غير ما أحس.
لكن الصفحة التالية قلبت كل إحساسي.
«ومع ذلك، أنا ظلمتك.»
اتجمدت.
«لأني لما عرفت إن المرض وصل لمرحلة متأخرة، خفت.»
«مش من الموت.»
«خفت إن كل اللي بنيته في حياتي يقع في إيد الناس اللي قضيت آخر سنين عمري بحاول أبعده عنهم.»
إيدي بدأت ترتعش.
«وكان لازم أتجوز.»
رفعت عيني عن الورقة.
هنا بدأت أفهم.
أو على الأقل كنت فاكرة إني فهمت.
الجواز ماكانش علشان مايموتش لوحده.
كان محتاج زوجة لسبب قانوني.
كملت بسرعة.
«لكن الجواز لوحده ماكانش كفاية.»
حسيت ببرودة في جسمي.
«كان لازم تكون الزوجة شخصًا لا يعرف عيلتي، ولا يعرف ثروتي، ولا يقدروا يثبتوا إنها اتجوزتني طمعًا في فلوسي.»
وقفت.
أنا.
اختارني أنا.
لأني ماكنتش أعرف.
يعني حتى جهلي بحقيقته كان جزءًا من الخطة.
بدأ الغضب يتسلل جوايا.
قلت بصوت عالي رغم إني لوحدي:
— إنت استغليتني.
رجعت للرسالة.
كأنه كان متوقع إني أقولها.
لأن الجملة التالية كانت:
«وأنا عارف إنك دلوقتي غالبًا بتقولي إني استغليتك… ومعاكي حق.»
مسحت دموعي بعصبية.
«علشان كده كان عندك حق تعرفي الحقيقة كاملة بعد موتي، ويكون القرار في إيدك.»
قرار إيه؟
قلبت الصفحة.
لقيت جملة واحدة في نص الورقة:
«أنا سبتلك كل حاجة.»
اتسمرت مكاني.
كملت.
«البيت.»
«الأرض.»
«أسهمي.»
«الحسابات اللي مازالت باسمي.»
«وكل ممتلكاتي اللي قدرت أحميها خلال السنوات الماضية.»
حسيت إن الكلام أكبر من استيعابي.
أنا؟
الست اللي كانت بتعد فلوسها آخر الشهر علشان تعرف هتكمل مصاريف البيت إزاي؟
وفجأة راجل قابلته في الشارع سابلي ثروته؟
أكيد فيه حاجة غلط.
قلبت الورق بسرعة.
كان فيه اسم مكتب محاماة ورقم ملف.
وتحتهم موعد.




