بنت مهدودة

ساعات من القلق والتوتر، طلع له الطبيب
الحالة مستقرة دلوقتي.. بس السم كان منتشر في جسمها من كتر ما صبرت واتحملت.. محتاجة متابعة وعلاج طويل
والبيبي؟
بخير الحمد لله.. تغذى كويس وارتاح.. محتاج بس مراقبة عشان يتأكد إن ما أصابوش حاجة من الحر والجفاف
تنهد جلال براحة، بس الراحة ما كملتش.. سمع صوت وراه
فينهم؟!
التفت بسرعة.. كان عامر، وجهه أحمر من الغضب، وعيناه بتدوران في المكان بجنون
فين شهد وفين يونس؟!
عند الدكاترة.. في أمان رد جلال ببرود
عامر قرب خطوة وهمس بشر
ما تبلغش الشرطة يا جلال.. أرجوك.. خليهم معايا وأنا هاخدهم وأروح من غير ما حد يحس
جلال بص لأخيه بدهشة واشمئزاز
أنت مجنون؟ البنت كانت تموت في الصحرا! لدغتها أفعى ومشيت مسافات طويلة تحمل البيبي ده لوحدها!
أنا كنت مضطر.. ما فهمتش الظروف!
ظروف إيه اللي تخلّيك تسيب بنتك وابنك يموتوا في وسط الرمال؟!
عامر سكت، شفايفه بترتجف، ثم قال بلهجة تهديد
أنا أبوهم.. مين يقدر يمنعني آخذهم؟ وأنتَ لو حكيت كلمة، هتندم طول عمرك!
جلال شعر بغضب يغلي في عروقه
أنا مش خايف منك يا عامر.. والحق لازم يطلع مهما كان
خرج من المستشفى فورًا واتصل برئيس قسم الشرطة في المنطقة، صديق عمره مأمون. حكاله كل حاجة بالتفصيل، الصورة، اللدغة، الصحراء، وكلام شهد عن أبيها.
مأمون قال بجدية
أنت عملت صح يا جلال.. هنجي الحين.. محتاجين نأمن المكان ونستجوبه قبل ما يهرب
في غضون ساعة، كانت السيارات قد وصلت.. وقفوا حول غرفة العناية وحرسوا الباب. عامر لما شافهم، حاول يهرب لكنهم قبضوا عليه فورًا.
في أثناء التفتيش، لاحظ جلال شيء.. شهد كانت ماسكة بقبضتها الصغيرة ورقة مطوية بقوة لما نقلوها للسرير.. فكّ إصابعها بحذر وأخذها.. ظرف أبيض صغير، مغلق بملمس، ومكتوب عليه بخط أنثوي دقيق إلى جلال.
اتجمد مكانه.. كيف عرفت اسمه؟ ومن كتب الورقة دي؟
فتح الظرف ببطء.. بدأ يقرأ والدموع بتملأ عينيه خطوة بخطوة
أخي الغالي جلال..
إن كنت تقرأ الكلام ده، فمعناه إن شهد وصلت ليك.. وإنني رحلت من الدنيا، أو ربما سجنتني الأيام في مكان ما لا تعرفه.
أنا سمية.. زوجتك اللي اختفت من حياتك قبل 7 سنين.. ما كنتش أسيبك باختياري.. عامر هو اللي خطفني وهددني بالقتل لو حكيت لك كلمة.. قال إنه لو حصل بيننا ولد، هيكون ملكه، وبيحقّله يتصرف فيه زي ما يشاء.. عايز يورّثه اسمه وثروته، وأنا مجرد وسيلة عشان ينجب وريثًا!
كلامها صعق جلال.. سمية حية طوال السنين دي كلها؟ وعامر أخوه هو اللي خطفها؟!
كمل القراءة وقلبه بيوجع
شهد عرفت مني إنك عمها وإنك طيب.. خبّيت الورقة دي عندها من يوم ما اتولد يونس، وقولتلها لو حصل لي حاجة، تروحي لعمو جلال.. هو الوحيد اللي هيحميكم.
عامر اكتشف إن يونس مش مريض زي ما كان بيقول.. هو سليم معافى، بس عايز يتخلص منه عشان يورّث شهد كل حاجة ويحرم يونس من نصيبه! شهد سمعته وهو بيقول إنه هيرميه في الصحرا ويقول إنه مات.. فجرت معاه قبل ما يلحق.. حاولت أمنعه فضربني وحبسني.. ما أعرفش إيه حصل لي بعدها..
أرجوك يا جلال.. احمِ ولادي.. وردّلي حقي وحقهم.. عامر قتل الأمل في قلبي كتير.. متخليهوش يقتلهم هم كمان!
سقطت الورقة من إيده.. الدنيا كانت بتدور حوله.. أخوه اللي ربّاه معاه، اللي كان زي الظل ليه، هو اللي سرق حبه وسرق سنوات عمرهم كلها!
الجزء الثالث
مرّ يومان.. شهد بدأت تفيق تدريجيًا. أول ما فتحت عينها، شافت جلال قاعد جنب السرير بيمسك إيدها الصغيرة. ابتسمت بضعف
عمو جلال.. يعني الورقة وصلتك؟
وصلت يا حبيبتي.. وكل كلامك صدق قال بصوت مخنوق أمك كانت طيبة جدًا.. قالتلي كل حاجة
دموعها نزلت
هي فين يا عمو؟ لسه جاية؟
سكت جلال شويه، مسح على رأسها
مش عارفين مكانها لسه.. بس هنلاقيها.. وعد مني
من تلك اللحظة، تغيرت الخطة تمامًا.. لم تعد القضية مجرد تعرض طفلة للخطر، بل أصبحت اختطاف وتهديد وحرمان من ميراث واختفاء قسري.
أثناء استجواب عامر، أنكر كل شيء في البداية.. قال إن سمية سافرت طوعًا، وإن الأولاد هربوا من البيت وحدهم، وإن ما حصلش منه أي أذى. لما عرضوا عليه الورقة والصورة وشهادة الأطباء، بدأ ينهار تدريجيًا
كنت محتاج وريث.. كل اللي عندي لازم يبقى لحد من دمي.. شهد بنتي الكبرى، كان المفروض كل حاجة ليها.. لما اتولد يونس، خفت يشاركها.. خفت يتقسّم كل حاجة
يعني عشان الفلوس أذيت بنتك وابنك ومراتك؟! صرخ جلال أخوك اللي كنت بتحبه من صغره؟!
كنت خايف أفقد كل شيء.. المال بيخلي الناس تعمي يا جلال
الشرطة بدأت البحث عن سمية فورًا.. تتبعوا خطوات عامر، سألوا الجيران، فتشوا المزارع القديمة والبيوت المهجورة اللي حول المكان. شهد سمعتهم وبتقول بكل ما تملك من ثقة
أبا كان بيقول إنها محبوسة في البيت القديم اللي وراء التل الكبير.. البيت اللي مفيهوش حد يسكنه
ذهبوا فورًا.. البيت كان بعيد، مهجور، مظلم.. لما فتحوا الباب، شموا رائحة عفونة وجوع.. وفي الغرفة الخلفية، وجدوا سمية ملقاة على الأرض، ضعيفة، شبه مغمى عليها، لكنها كانت حية!
نقلوها للمستشفى بسرعة.. لما استعادت وعيها، شافت جلال قاعد جنبها.. ما تكلمتش، بس دموعها نزلت بصمت، ومدّت إيدها له ببطء. مسك إيدها




