بنت مهدودة

قيت بت عندها 8 سنين مهدودة في وسط الصحراء وحاضنة بيبي صغير ب كل قوتها، واكتشفت إنها البنت اللي أخويا مخبيها عن الدنيا كلها من سنين! ولما البت كانت بين الحياة والموت، هو ما سألش غير على الواد وقاللي ما تبلغش الشرطة! ما تجادلتش معاه وسلمت الصور ل الضباط.. بس لما فتحت الظرف اللي البت كانت حمياه ب روحها، لقيت الرسالة مكتوبة لي أنا ب اسمي!
البت الصغار كانت على وشك إنها تقع وتغمى عليها، بس كانت حاضنة البيبي ب قوة غريبة، وكأنها مستعدة تختفي من الدنيا قبل ما تسيبه يقع من إيدها!
الشمس كانت نازلة تقطع في صحراء الفيوم زي النار.. في الوقت ده من بعد الضهر، حتى الزواحف كانت بتستخبى بين الحجارة من الحر، والهوا كان بيغلّي فوق الأرض الناشفة.
جلال المرسي كان بقاله يجي 3 ساعات بيلف المنطقة على حصانه.. كان بيدوّر على مهرة صغيرة هربت من مزرعة أخوه بالليل.. جلال عارف الدروب دي من صغره، وعارف كويس إن التوهان في الحر ده ممكن يكون حكم ب الموت!
فجأة الحصان بتاعه وقف..
جلال شد اللجام ب هدوء
فيه إيه يا بطل؟
الحصان رفع ودانه وبص ناحية شجيرة ناشفة وقليلة..
وفي اللحظة دي، جلال سمع الصوت!
ما كانش صوت حيوان..
كان صوت عياط!
عياط ضعيف، متقطع، وطالع بالعافية..
نزل من على الحصان ومشي ب حذر بين الحجارة لحد ما لمح خيال متكور تحت ظل شجرة سدر قديمة..
كانت بت صغيرة..
عندها حوالي 8 سنين، لابسة تيشيرت واسع أوي عليها، وبنطلون مليان تراب، وكوتشي مقطوع من قدام ونصله طالع برة!
أول ما شافت جلال، زحفت ل ورا ب رعب
ما تقربش مني!
صوتها كان رايح ومحتضر..
اهدي يا بنتي.. والله ما هأذيكي!
كانت حاضنة حاجة على صدرها ب قوة.. جلال افتكرها شنطة، لحد ما إيد صغيرة خالص طلعت من بين بطانية رمادية قديمة!
بيبي صغير!
عمره ما يتعداش 6 شهور..
وشه كان محمر من الحر، وبيعيط ب صوت بحوح ومجهد أوي..
جلال قلبه اتعصر من المنظر.. طلع أزازة المية من خورج الحصان..
البت بصت ل المية وكأنها شافت كنز نازل من السماء!
بس لما جلال قرب الأزازة منها، هزت رأسها ب الرفض
شرب هو الأول…
أنتِ كمان محتاجة تشربي يا بنتي!
هو الأول.. أرجوك!
جلال بل شفايف البيبي ب حذر وداه قطرات بسيطة عشان ما يشرقش، وبعدها قرب المية ل البت..
شربت بقين بالعافية وسابت الأزازة!
شربي تاني يا بنتي!
مش مهم.. زمزمت شفايفها وقالت ب صوت واطي لو المية قليلة، سيب الباقي عشان يونس..
جلال حواجبة اتعقدت ب استغراب
يونس ده أخوكي؟
البت هزت رأسها ب إيوة..
طب وأبوكي وأمكي فين؟
نزلت عينها في الأرض ب كسرة..
جلال لاحظ ساعتها إن إيدها بتترعش ب قوة.. افتكرها خايفة، لحد ما البطانية اتزحلقت من على كتفها وظهرت دراعها اليمين!
الدراع كان ورمانه من أول المعصم لحد الكوع.. الجلد كان زارق والتراب مغطي علامتين صغيرين خالص بيميزهم أي ابن بلد!
جلال طول عمره عايش في الصحرا والأرياف.. وعارف الشك ده كويس!
عضة تعبان سام!
الكلام ده حصل إمتى؟!
البت ما ردتش ب كلمة..
أنتِ محتاجة مستشفى ودكتور فوراً!
مسكت في قميص جلال ب الشوية اللي فاضلين من صحتها وقالت ب رجاء
ما تودنيش عندهم.. أرجوك!
عند مين يا بنتي؟!
دموعها نزلت ب قهرة
عند أبا…
جلال حس ب قشعريرة هزت جسمه رغم الحر النار
اسمك إيه؟
شهد..
يا شهد، أنا هطلعك أنتِ وأخوكي من هنا، بس قوليلي إيه اللي حصل؟
بصت ل البيبي، وبعدين شالت إيدها السليمة وشاورت على الجبل البعيد
أبا قال محدش لازم يلاقي يونس خالص…
جلال اتسمر مكانه من الذهول!
شهد أخدت نفسها بالعافية وزادت ب نبرة تقطع القلب
أوعدني يا عمو.. حتى لو أنا ما وصلتوش.. أوعدني إن يونس هيعيش…
ورجليها الخاوية ما شالتهاش.. وقعت من طولها!
جلال لحقها قبل ما راسها تخبط في الحجارة..
وهو بيرفعها بين إيديه، فيه حاجة وقعت من جيب التيشيرت بتاعها!
صورة مطوية ومتبهدلة..
جلال وطى وجابها، ولما فتحها وبص فيها.. الدنيا لفت بيه واتجمد الدم في عروقه!
لأنه عرف الراجل اللي في الصورة واخد شهد في حضنه كويس أوي!
الراجل ده كان أخوه هو بنفسه!
يا ترى إيه السر المرعب اللي مخبيه أخوه، وليه كان عايز يخلص من البيبي ويخفيه عن وش الدنيا؟ وإيه الرسالة الصادمة اللي مكتوبة في الظرف واللي هتغير حياة جلال للأبد لما يفتحها؟ اللي جاي كشف مستور ومفاجأة تزلزل القلوب م تخطرش على بال حد!
الجزء الثاني
الصورة كانت محفوظة بكل غلاء رغم التبهذل.. فيها أخوه عامر وشهد صغيرة جدًا، لسه في سن الرضاعة، وحاضنها بكل حنان.. الابتسامة اللي على وشه ما كانتش ابتسامة أي أب.. كانت ابتسامة خوف وحب في نفس الوقت.
جلال مسح على وش شهد المغمى عليها.. قلبه بيدق بوجع
يعني أنتِ بنت عامر.. بنت أخويا..
ما فهمش حاجة غير إن الموت كان قريب منها أوي.. لفّها بعباءته، شال يونس بحذر، وركب الحصان ومشي بسرعة نحو أقرب مستشفى. الطريق طال وكأنه ما لوش نهاية.. كل ما يبص لشهد الهابطة بين إيديه، يفتكر كلامها الأخير أوعدني إن يونس هيعيش.. والكلام ده مش بيخرج من دماغه أبدًا.
وصل المستشفى.. الأطباء استقبلوها بسرعة، نقلوها لغرفة العناية المركزة، وعملوا كل ما يلزم لعلاج لدغة الأفعى ونقص السوائل الحاد




