كاميليا

عمرهم ما كان يخطر على بالي إن جسمي في يوم من الأيام هيتحول لبيت لعالم كامل صغير. لحد اللحظة دي، كنت مجرد ست عادية اسمها كاميليا. عايشة حياة هادية وبسيطة، وبحلم بأطفال أصحاء، وبيت فيه هدوء، وصباح طبيعي زي باقي الناس. مكنتش عايزة اسمي يتكتب في الجرايد. مكنتش عايزة الناس تتكلم عني. مكنتش عايزة أكون جزء من قصة معجزة.
أنا بس كنت عايزة أكون أم.
الحكاية كلها بدأت بمتابعة عادية عند الدكتور.
كنت قاعدة قدام دكتور هشام، إيد حطاها على بطني، وجوزي ممدوح قاعد جنبي.
كان بيحاول يبتسم، بس كنت حاسة بالقلق اللي جواه هو كمان.
الدكتور فضل باصص للشاشة وقت طويل.
في الأول مقالش حاجة.
بعدين عمل زوم شوية على الصورة.
وعَدّ تاني.
وملامح وشه بدأت تتغير.
أنا لسه فاكرة اللحظة دي بالظبط.
هي اللحظة اللي بتسبق الخبر الشديد أو الغريب قبل ما يتقال بصوت عالي، بس انت من السكوت بتبقى خلاص عرفت إن حياتك كلها على وشك تتغير.
يا دكتور… هو البيبي كويس؟ سألته.
الټفت لي ببطء وقال الأطفال يا كاميليا.
أنا اتسمرت في مكاني.
الأطفال؟
الكلمة دي اتملت بيها الأوضة في ثانية.
بصيت لممدوح، وكان هو كمان بيبص لي.
وفي عينينا احنا الاتنين نفس السؤال
كام واحد؟
دكتور هشام أخد نفس عميق وقال
احنا شايفين سبعة أجنة.
سبعة.
الرقم ده نزل على قلبي زي الحجر.
مكنتش عارفة أفرح ولا أخاف.
الناس بتقول الطفل رزق وبركة.
بس سبع أطفال؟
يا ترى دي بركة ولا اختبار؟ في اللحظة دي مكنتش عارفة.
كل اللي كنت حاسة بيه إن حياتي عمرها ما هترجع زي الأول تاني.
من اليوم ده، بيتنا مابقاش بيهدى أبداً.
الناس رايحة جاية، يسألوا، ويبصوا لي بذهول، يرقوا لي ويترحموا عليا، ويدعوا لي.
ناس تقول ده سر من ربنا.
وناس تقول دي مخاطرة كبيرة جداً.
حكايات_شروق_خالد
حصري_علي_الصفحه
وناس تانية كانت بتبص لي وكأنهم بيودعوني، بس مبيجرؤوش يقولوها بصوت عالي.
بس محدش سألني إذا كنت بعرف أنام بالليل ولا لأ.
وأنا مكنتش بنام.
كنت أتسحب في السرير، أحط إيدي على بطني، وأسمع الحركة اللي جوة.
خبطة صغيرة تيجي من الناحية دي، وبعدين خبطة من الناحية التانية، وساعات أحس إن بطني كلها بتتحرك وتدب فيها الحياة مرة واحدة.
جسمي كان بيتقل يوم عن يوم.
ساعات مكنتش بتمكن أخد نفسي.
ساعات كنت بحس إني خلاص مش قادرة أستحمل.
بس كل ما أجي أعيط، أحس بحركة صغيرة جوايا.
وكأن واحد منهم بيقولي
يا ماما، احنا لسه هنا.
مكنتش سميتهم.
كنت خاېفة.
مكنتش عايزة أتعلق بيهم أوي عشان لو خسړت واحد منهم، قلبي مش وهيستحمل.
بس قلب الأم مبيستأذنش.
بيحب حتى وهو خاېف يحب.
في ليلة، صحيت على ۏجع شديد.
في الأول افتكرته هيروح.
بس الۏجع رجع تاني.
أقوى.
وأعمق.
ۏجع يخلي الجسم كله يتشد.
ممدوح قام في ساعتها وقال
هي الولادة بدأت؟
مكنتش قادرة أرد.
مسكت في إيده بآخري.
في المستشفى، كل حاجة مشيت بسرعة رهيبة.
أبواب بتتفتح، وصوت خطوات سريع في الممرات، ودكاترة داخلين طالعين.
كنت بشوف وشوشهم؛ بيحاولوا يبانوا هاديين، بس عينيهم كانت فايحة التوتر اللي جواهم.
دخلوني أوضة العمليات.
الأنوار كانت قوية جداً.
كل حاجة بيضا، باردة، وغريبة.
نمت هناك ولأول مرة فكرت
يمكن دي أكتر لحظة خطېرة في حياتي.
ومش كسوفة إني أقولها.
أيوه، كنت خاېفة.
بس كنت خاېفة أكتر إن أطفالي ميعيشوش.
واحد من الدكاترة قال بصوت عالي
استعدوا. احنا مستنيين سبع أطفال.
سبعة.
الكل كان مستني سبع أطفال.
وأنا كمان.
وبعدين طلعت أول صړخة.
كانت ضعيفة ورفيعة أوي لدرجة إني افتكرت نفسي بالحلم.
بس الممرضة قالت
الأولاني عايش.
بدأت أعيط.
وبعدين اتولد التاني.
والتالت.
والرابع.
مكنتش شايفاهم، كنت بس سامعة الأصوات.
بالنسبة لي، كل صړخة كانت حياة كاملة.
كل صړخة كانت بتقول
هو هنا.
بيتنفس.
وبيعافر.
الخامس.
السادس.
السابع.
حد في الأوضة أخد نفس عميق وقال
سبعة.
افتكرت إن خلاص كدة خلصنا.
غمضت عيني للحظة.
كنت عايزة أصدق إن أصعب جزء عدى.
كنت عايزة أسمعهم بيقولوا لي إن كلهم عايشين وكل حاجة تمام.
بس في اللحظة دي بالظبط، صوت واحد من الدكاترة اتغير وقال
استنوا…
الكلمة دي لوحدها جمدت الأوضة كلها.
حكايات_شروق_خالد
حصري_علي_الصفحه
جريت الممرضة ناحية الحضانة، والدكتور هشام وراها، وأنا حاولت أقوم من السرير، لكن جسمي خانني.
ممدوح! روح شوفهم!
ممدوح مسك إيدي وقال
اهدي يا كاميليا، الدكتور هناك.
لكن أنا كنت سامعة صوت الإنذار بيتكرر.
بيب… بيب… بيب…
وبعدين فجأة سكت.
الثواني دي كانت أطول من عمري كله.
بعد شوية، رجع الدكتور هشام.
وشه كان هادي، لكن هدوءه ماطمننيش.
الدكتور… ولادي؟
قال
الأطفال السبعة اللي اتعرفنا عليهم كويس حالتهم مستقرة.
تنفست.
لكن بسرعة سألته
والتامن؟
بص لممدوح.
التامن محتاج متابعة دقيقة، لكنه بيتنفس.
حطيت إيدي على قلبي.
الحمد لله.
كنت لسه هغمض عيني، لكن الدكتور قال
بس عندنا مشكلة تانية.
بصيت له.
إيه؟
فتح الملف.
إحنا رجعنا راجعنا صور السونار القديمة.
ممدوح قال
ولقيتوا إيه؟
الدكتور سكت شوية، وبعدين قال
في صورة من الشهر الخامس.
طلع صورة مطبوعة وحطها قدامنا.
أنا بصيت للصورة ومفهمتش حاجة.
مجرد دوائر
وأشكال رمادية متشابكة.
قلت
دي صورة إيه؟
قال
الصورة دي تحديداً كان المفروض إنها تبين سبعة أجنة.
ممدوح قرب منها.
وكانوا سبعة فعلاً.
الدكتور هز راسه.
لأ.
أنا حسيت بقشعريرة.
يعني إيه لأ؟
وأشار بإصبعه لمكان صغير في الصورة.
كان فيه جنين تامن.
ممدوح قال بسرعة
بس حضرتك قلت إن التامن اكتشفناه دلوقتي!
وده اللي محيرني.
سكت لحظة.
لأن مكانه في الصورة القديمة مختلف تماماً عن مكانه دلوقتي.
بصيت له بعدم تصديق.
يعني إيه مختلف؟
قال
يعني إننا مش بس ماشفناهوش… إحنا كنا فاكرين إن الجزء ده تابع لجنين تاني.
ممدوح قرب من الصورة أكتر.
وده معناه إيه؟
الدكتور قال
معناه إن الحمل كان أعقد بكتير مما كنا متخيلين.
حاولت أستوعب الكلام.
ثمانية أطفال.
ومكان جنين اتغير.
لكن قبل ما أسأله، دخلت الممرضة بسرعة.
دكتور هشام.
الټفت لها.
في إيه؟
قالت
الحضانة محتاجة حضرتك.
خرج معاها فوراً.
ممدوح فضل واقف جنبي.
قلت له
روح وراه.
مش هسيبك.
أنا كويسة… روح شوف ولادنا.
خرج ممدوح.
وبقيت لوحدي.
حاولت أنام، لكن عقلي كان شغال.
كنت فاكرة كل متابعة.
كل سونار.
كل مرة الدكتور يقول
سبعة.
سبعة…
سبعة…
سبعة…
وفجأة بقى فيه تامن.
لكن السؤال اللي كان بيخوفني أكتر
لو التامن كان موجود طول الوقت…
إيه اللي خلانا مانشوفوش؟
بعد حوالي عشر دقايق، رجع ممدوح.
لكن المرة دي كان ساكت.
بصيت في عينيه.
إيه اللي حصل؟
قعد جنبي.
مسك إيدي.
كاميليا…
قول.
الدكتور طلب تحليل جديد.
ليه؟
سكت.
قال إن في حاجة محتاجة تتأكد.
قلبي بدأ يدق.
حاجة إيه؟
ممدوح بص للباب، وبعدين رجع بص لي.
قال إن الطفل التامن عنده علامة غريبة.
علامة إيه؟
مش عارف.
إزاي مش عارف؟
هو نفسه لسه بيحاول يفهم.
وقبل ما أقدر أتكلم، دخل الدكتور هشام.
في إيده ملف جديد.
لكن المرة دي ماكانش لوحده.
كان معاه دكتور تاني ماعرفوش.
بص لي وقال
كاميليا، إحنا محتاجين نسألك سؤال مهم جداً.
قلت
اتفضل.
قال
هل في عيلتكم أي حالات حمل متعددة بشكل غير معتاد؟
ممدوح رد
لأ.
الدكتور بص لي.
حتى عند والدتك أو جدتك؟
هزيت راسي.
على حد علمي لأ.
الدكتور سكت.
وبعدين قال
يبقى لازم ندور على تفسير تاني.
قلت
تفسير لإيه؟
فتح الملف.
وقال
لأننا بعد ما راجعنا الصور والتحاليل… اكتشفنا إن فيه تفصيلة في الحمل كله ماخدتش حقها من الاهتمام.
إيه هي؟
بص للدكتور اللي معاه.
والدكتور التاني قال بهدوء
المشيمة.
حسيت إن الكلمة دي مالهاش علاقة بكل اللي بيحصل.
قلت
المشيمة؟
قال
أيوه.
وبعدين أضاف
لأن شكلها وتركيبها مش متوافقين تماماً مع العدد اللي كنا
متوقعينه.
ممدوح قال
يعني إيه؟
الدكتور رد
يعني إننا لازم نعرف حاجة واحدة قبل أي كلام تاني.
سألته
إيه؟
قال
هل فعلاً كانوا ثمانية من البداية؟
سكتنا كلنا.
أنا بصيت لممدوح.
وممدوح بص للدكتور.
وفجأة…
اتفتح باب الحضانة پعنف.
دخلت الممرضة وهي بتجري.
دكتور! بسرعة!
الدكتور اتحرك ناحية الباب.
وقبل ما يخرج، قالت الممرضة بصوت مرتجف
في طفل جديد ظهر في الكشف.
الدكتور وقف مكانه.
طفل جديد؟
هزت راسها.
أيوه…
ثم بصت لي.
وفي حاجة مش فاهمينها.




