قصة

جارتي الجديدة كانت بتدفن بيض ني في الحديقة

نجلاء رفعت خصلة الشعر والقماشة، قربتهم من مناخيرها وشمتهم بابتسامة متلذذة تقشعر لها الأبدان، وبعدين داست على القشر والسائل الأسود بجزمتها في الأرض، وبصت في الكاميرا للمرة الأخيرة، وحركت شفايفها ببطء شديد، كلمة كلمة، وهي بتهته بصوت واطي الكاميرا لقطت صفيره في المايك:

“عرفتي مكاني.. بس متأخر أوي يا ياسمين.. متأخر أوي!”

​لفت ضهرها واختفت في ضلمة مدخل بيتهم بخطوات سريعة وسلسة كأنها طيف شيطاني انشق من الأرض ورجع ليها.

​الموبايل وقع من إيدي على سجادة الصالة بصوت مكتوم.

​فضلت واقفة مكاني في نص الصالة، الضلمة حواليا خانقة، ونَفَسي طالع نازل بصعوبة زي الغريق اللي بيصارع الموج. سناني كانت بتصطك في بعضها برعشة هستيرية، وإحساس  حاصرني من كل اتجاه.

​هي عرفت مكاني إزاي؟ الكاميرا دي أنا مركباها بنفسي العصر لما كانت هي في مشوار برة، خفيتها بين أغصان شجرة الليمون العالية، ولا جوزها ولا أي مخلوق كان ممكن يلمحها! وإزاي عرفت إني بتفرج عليها دلوقتي حالا؟ والأهم من ده كله.. البيجامة بتاعتي، وشعري.. والبيض النيء الأسود.. والست حبات بيض التانيين اللي دفنتهم في الأيام اللي فاتت على طول الخط الفاصل بين جنينتي وجنينتها؟!

​جريت على باب الشقة، اتأكدت إنه مقفول بالمفتاح والترباس، وجريت على شباك الصالة قفلت الشيش ورزعت الإزاز، وأنا بتلفت ورايا في كل ركن كأن في حد مستخبي في ضهري وهيطلع يمسكني من رقبتي. الشقة اللي كنت بعيش فيها لوحدي بأمان وسلام بعد وفاة والدتي، اتحولت في ثواني لبيت مسكون ، وكل زاوية فيها بقت بتنطق بالخوف.

​قعدت على الأرض ساندة ضهري على الحيطة، حاطة إيدي على راسي وعقلي بيصرخ من كتر الأسئلة.

أنا مهندسة ديكور، عمري 28 سنة، عمري في حياتي ما آمنت بالدجل ولا الأعمال ولا الخرافات، ودايماً كنت بتريق على الناس اللي بتقول “سحر معمول في بيضة” أو “عمل مدفون في تراب”.. بس اللي شفته بعيني، والدم الأسود اللي سال في كف إيدها، والبيجامة اللي اتسرقت من دولاب أوضة نومي، مكنش خرافة.. ده كان واقع  بيطبق على أنفاسي.

​الساعة كانت بقت 6 الصبح، وخيوط الشمس الأولى بدأت تكسر عتمة السما ورمت ضوء رمادي باهت على شبابيك البيت.

قولت لنفسي بصوت عالي وأنا بفرك إيديا المرتجفة:

“مش هفضل مستخبية هنا زي الفارة المذعورة.. لو ده سحر أو لو دي مصيبة، لازم أطلع أطلع الحاجات اللي دفنتها دي من الأرض قبل ما السور يتبني ويتقفل عليها للأبد!”

​قمت، لبست عباية وطرحة ولبست جزمة جلد تقيلة وجوانتي سميك من بتاع أعمال الجنينة، ومسكت في إيدي فأس صغير ومجرفة حديد كنت بقلب بيهم التربة للزرع، وفتحت باب الجنينة بحذر شديد.

​الهوا الصباحي كان بارد، ريحة الندى مختلطة بريحة تراب غريبة.. ريحة كبريت وعفونة كانت بتفوح أول ما قربت من شجرة الليمون.

وقفت على بعد خطوتين من الشجرة. شفت المكان اللي نجلاء وقفت فيه وداست فيه برجليها.

على الأرض، كان في بقعة سودا كأنها زيت عربيات محروق، بس فيها لزوجة مقززة، وشوية قشر بيض متكسر لونه بني غامق.. وخصلة الشعر والبيجامة مكنوش موجودين، أخدتهم معاها!

​بلعت ريقي بصعوبة، ونزلت على ركبي، ومشيت زحف على الأرض لحد الخط الفاصل بين الجنينتين.. الخط اللي كان عليه سور الشجر القديم واتشال، والمفروض يتبني عليه سور الطوب.

افتكرت الأماكن اللي شفتها فيها الأيام اللي فاتت وهي بتحفر الفجر.

​حطيت سن الفأس الصغير في أول نقطة، وبدأت أنبش في التراب بإيدين بترتعش. التراب كان طري ومهوي في الحتة دي، كأنه اتحفر قريب. بعد حفر حوالي 15 سنتيمتر بس، سن الفأس خبط في حاجة صلبة وطلعت صوت طقة خفيفة: “تك”.

​قلبي دق في حنجرتي. وقفت الفأس، ومديت إيدي بالجوانتي وبدأت أزيح التراب بصوابعي.

ظهرت البيضة الأولى!

​مسكتها وطلعتها بحذر.

البيضة مكنتش طبيعية بالمرة. مكانتش بيضة فراخ بيضا أو حمرا عادية.. كانت مطلية بمادة شمعية غريبة وناشفة، وعليها من برة طلاسم ونقوش مكتوبة بحبر أحمر رفيع جداً كأنه مكتوب بسن دبوس.. حروف مش مفهومة، وأرقام متقاطعة في مربعات، وفي النص مكتوب اسمي واسم أمي: “ياسمين بنت كوثر”!

وعلى قمة البيضة، كان في ختم شمع أسود مقفول بيه خرم صغير زي اللي نجلاء عملته بالإبرة الصبح.

​جسمي كله قشعر برعدة رهيبة، وحسيت  بتسري في ضهري.

“يا نهار أسود.. دي أعمال حقيقية.. دي كانت بتدفن أعمال باسمي وباسم أمي كل يوم!”

​بس الفضول  خلاني مأقفش. بدأت أحفر في النقطة التانية على بعد متر واحد.. لقيت البيضة التانية! بنفس الطلاسم، بس الختم المرة دي كان شمع أحمر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى