قصة

جارتي الجديدة كانت بتدفن بيض ني في الحديقة

حفرت في النقطة التالتة.. لقيت التالتة.

والرابعة.. والخامسة.. والساتة!

ست بيضات كاملين، مرصوصين على خط مستقيم بالمللي، المسافة بين كل بيضة والتانية متر بالظبط، كأنها كانت بتقيس المسافات بمسطرة هندسية مش مجرد دفن عشوائي!

​جمعت الست بيضات في طبق بلاستيك كبير، وكنت لسه هقوم عشان أدخل بيهم شقتي وأشوف هعمل فيهم إيه، أو أكلم شيخ أو أبلغ الشرطة.. وفجأة، سمعت صوت ورا ضهري خلاني اتسمرت مكاني ونفسي انقطع تماماً!

​”بتدوري على حاجة يا أستاذة ياسمين؟”

​اتنفضت من طولي وصرخت صرخة مكتومة، الطبق كاد يقع من إيدي، ولما لفت وشي لقيت نجلاء واقفة على بعد مترين بس مني، ساندة ضهرها على شجرة جوا جنينتها!

​بس المرة دي، شكلها كان غير شكل الفجر تماماً.

كانت لابسة فستان بيت قطن لونه أزرق فاتح مبهج، حاطة طرحة خفيفة على شعرها، وفي إيدها صينية صغيرة شايلاها عليها فنجانين قهوة تركي بوش بيطلع منهم بخار سخن وريحة الحبهان مالية الجو!

وشها كان عليه ابتسامة صافية، هادية، بريئة تماماً.. كأنها جارة محترمة داخلة تصبح عليكي بجيرانة وهدوء!

​”نـ.. نجلاء؟!” الكلمة خرجت من بؤي بالعافية، حاولت أداري الطبق اللي فيه البيض ورا ضهري، بس هي عينيها نزلت على إيديا مباشرة، ورجعت بصت في عيني بنفس النظرة الباردة الميتة.

​”صباح الخير يا حبيبتي،” قالتها بنبرة صوت ناعمة لدرجة الاستفزاز: “شوفتك نازلة الجنينة بدري أوي من غير فطار، قولت أعملنا فنجانين قهوة نشربهم سوا في الطراوة قبل ما الدوشة تبدأ وعمال السور ييجوا.”

​قربت خطوة، ومدت الصينية نحوي: “اتفضلي.. قهوتك مظبوط زي ما بتحبيها، من غير سكر كتير.”

​أنا رجعت خطوتين لورا  واضح، وعيني رايحة جاية بين وشها الهادي وفنجان القهوة اللي متأكدة إنه  هاري أو بلا أسود:

“أنتِ.. أنتِ عايزة مني إيه يا نجلاء؟! إيه القرف اللي بتدفنيه في الأرض ده؟! وإيه البيضة اللي كسرتيها الصبح في وش الكاميرا؟! وشعري وبيجامتي بيعملوا إيه معاكي؟!”

​ضحكت نجلاء ضحكة هادية رنانة، هزت كتفها بخفة وقالت:

“كاميرا؟! كاميرا إيه وقرف إيه يا ياسمين؟ أنتِ شكلك منمتيش كويس وعندك كوابيس يا روحي.. دي قهوة، سخنة ونضيفة والله، خدي بس شربي فنجانك عشان تروقي ونتكلم في موضوع السور.”

في تلك الثانية التي تلاقت فيها عيناي بعيني نجلاء المتجمدتين، شعرت وكأن عزرائيل نفسه يمد يده ليقبض روحي.

​الباب كان مفتوحاً بمقدار شبر واحد، وقدم نجلاء الغليظة بجزمتها الجلدية كانت مغروزة في الفتحة كإسفين من حديد يمنعني من الإغلاق. وخلف كتفها الأيمن، برزت ماسورة المسدس ذات اللون الأسود المطفي، يعلوها كاتم صوت أسطواني، ومثبتة في قبضة زوجها ذي العين الواحدة البيضاء الميتة. نظرته كانت أبرد من صقيع الشتاء، وأصابعه مشدودة على الزناد بثبات جزار محترف لا يطرف له جفن.

​”ادخلي جوة.. بالراحة ومن غير صوت،” قالها زوجها بنبرة خفيضة تشبه حفيف الأفاعي، ودفع الباب بكتفه بقوة خرافية جعلتني أطير إلى الخلف وأرتطم بالأرضية الرخامية في الصالة.

​دخل الاثنان وأغلقا الباب خلفهما بالمفتاح والترباس. وقفت نجلاء تستند بظهرها على الباب، وابتسامتها الملعونة تتسع وهي تنظر إلى الفأس الصغير المرمي بجواري وإلى يدي المرتجفتين، بينما تقدم زوجها خطوتين نحوي والمسدس موجه مباشرة إلى جبيني.

​وفجأة.. تكرر الصوت!

​”خربشة.. ثم طرقة خشبية مكتومة.. وصوت أنين بشري ممزق يخرج من تحت البلاط!”

​الصوت لم يكن في خيالي، كان حقيقياً لدرجة أن بلاطة السيراميك الكبيرة في زاوية الصالة بجوار كنسول المدخل اهتزت اهتزازاً طفيفاً، وتصاعد منها غبار أبيض ناعم!

​نظرت إلى الأرض  شل أطرافي، ثم رفعت عيني إليهما وأنا ألهث وأكاد أختنق:

“مين.. مين اللي تحت الأرض؟! أنتوا عملتوا إيه في عم منصور؟! وعايزين مني إيه؟!”

​ضحك زوج نجلاء ضحكة جوفاء مقطوعة، ولم ينزل سلاحه، بل حرك فوهته مشيراً إلى تلك البلاطة بالذات وقال ببرود يذيب الصخور:

“عمك منصور لسه فيه الروح.. سبحان من ممدد في عمره العجوز النجس، بقاله تلات أسابيع تحت في السرداب القديم، مكنش راضي ينطق بمكان الذهب وعقود الأطيان، وكل ما نجوعه يزداد عناد.. بس خبط الهيلتي برة هزه وفوقه من الغيبوبة.. الظاهر افتكر إن الفرج جه!”

​ثم نظر إلى نجلاء بحدة وأمرها:

“شوفي الحبال في المطبخ وكتفيها بسرعة، مش عاوزين غلطة واحدة.. العمال برة بيطلعوا الصندوق، وبمجرد ما نأمن الصندوق والورق، هنرمي البت دي والعجوز تحت في الخزان، وندفنهم مع المقاول ونصب الخرسانة.. العربية الكبيرة بالأسمنت هتوصل كمان نص ساعة والحي مش هيحس بحاجة!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى