قصص وروايات

عربية ابويا

أخويا باع عربية أبويا من ورايا… لكن الجواب اللي اتلاقى تحت الكرسي كشف سرّ محدش فينا كان يتخيله!

فضلت ماسكة التليفون ومش عارفة أرد على الراجل. كنت بحاول أستوعب إزاي أبويا يسيبلي جواب مخبّيه تحت كرسي عربيته، وليه يختار يخبيه بالطريقة دي بالذات.

سألته بصوت مهزوز:
— حضرتك متأكد إن الجواب مكتوب عليه اسمي أنا؟

رد عليّا:
— أيوه يا مدام ليلى، اسمك مكتوب بوضوح. والظرف متقفل كويس، وأنا لسه مفتحتوش. بصراحة، لما شفت اسمك، حسيت إن الأمانة دي لازم ترجعلك.

غمضت عيني، وحاولت أسيطر على دموعي، وقلتله:
— ممكن أقابلك؟ أنا لازم أشوف الجواب ده.

اتفقنا نتقابل بعد ساعة في كافيه صغير على الطريق الرئيسي.

طول الطريق، كانت أفكار كتير بتدور في دماغي. هل أبويا كان عارف إن نهايته قربت؟ هل كان فيه حاجة مخبيها عني؟ وليه مدّانيش الجواب ده بنفسه؟

ولما وصلت، لقيت الراجل قاعد على ترابيزة في الركن، وأول ما شافني قام وقف.

كان اسمه عماد، راجل في الخمسينات من عمره، وملامحه هادية.

طلع من شنطته ظرف بني قديم، وحطه قدامي بحرص.

أول ما شفت خط أبويا، انهرت في العياط.

كان نفس الخط اللي كنت بشوفه على ورق المشتريات اللي كان بيكتبه في الورشة، ونفس الخط اللي كتب بيه آخر كارت عيد ميلاد ليا.

مدّيت إيدي وخدت الظرف، لكن قبل ما أفتحه، عماد قال:
— على فكرة، فيه حاجة تانية حصلت وأنا بنضف العربية.

بصيتله بقلق:
— إيه هي؟

قال:
— تحت الكرسي، جنب الظرف، لقيت رقم تليفون مكتوب على قصاصة ورق صغيرة. بس الورقة كانت قديمة ومقطوعة، ومقدرتش أفهم الرقم كله.

قلبي انقبض.

حطيت الظرف في شنطتي، وشكرته، ورجعت البيت بسرعة.

دخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت أبص للظرف دقايق طويلة قبل ما أفتحه.

وفي الآخر، طلعت منه ورقتين.

الأولى كان مكتوب فيها:

«بنتي ليلى الحبيبة…

لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا أنا مش موجود جنبك، ومش قادر أقولك الكلام ده بنفسي.

عارف إنك هتزعلي لما تعرفي إني خبّيت عنك سر كبير، لكن صدقيني، أنا عملت كده علشان أحميكي.

فيه حاجات كتير حصلت قبل مرضي بسنين، وكنت فاكر إني هاخدها معايا قبري، لكني اكتشفت إن السكوت ساعات بيكون أذى أكبر من الحقيقة.

أنا عارف إنك بتحبيني، وعارف إنك عمرك ما هتسامحيني بسهولة على اللي هتعرفيه.

لكن قبل ما تحكمي عليّا، لازم تسمعي الحكاية من أولها.

افتكري دايمًا إن العربية الخضرا مش مجرد عربية. جواها ذكرى من حياتي، وحقيقة تخصك إنتِ بالذات.

ولو وصلتِ للمرحلة اللي مش عارفة فيها تصدقي مين، افتحي الورقة التانية، واتصلي بالرقم المكتوب فيها.

بس خلي بالك يا بنتي…

مش كل الناس اللي بتحمل اسم العيلة بتكون فعلًا خايفة على مصلحتك.»

حسّيت ببرودة تسري في جسمي.

رجعت قرأت الجملة الأخيرة أكتر من مرة.

مين المقصود بالكلام ده؟

هل أبويا كان بيتكلم عن كريم؟

ولا فيه حد تاني في حياتنا كان بيخبي علينا حاجة؟

فتحت الورقة التانية، ولقيت رقم تليفون، وتحته اسم واحد بس:

«محمود عبدالسلام»

الاسم ده كان غريب عليّا تمامًا.

عمري ما سمعته من أبويا، ولا شفته في أي ورق من أوراقه.

مسكت التليفون، وفضلت أبص للقم وأنا مترددة. جزء مني كان عايز يعرف الحقيقة مهما كانت، وجزء تاني كان خايف إن الحقيقة دي تهدّ كل حاجة كنت أعرفها عن عيلتي.

لكن في الآخر، ضغطت على زر الاتصال.

رن التليفون مرة…

واتنين…

وتلاتة.

وبعدين رد صوت راجل كبير في السن، صوته كان مبحوح وهادي.

— ألو؟

بلعت ريقي وقلت:
— مساء الخير، حضرتك الأستاذ محمود عبدالسلام؟

سكت شوية، وبعدين رد:
— أيوه، مين معايا؟

قلتله:
— أنا ليلى… بنت عم حسن الميكانيكي.

أول ما قلت اسم أبويا، سمعت نفس الراجل اتغير فجأة.

قال بصوت مرتعش:
— ليلى؟ بنت حسن؟

— أيوه، حضرتك تعرف أبويا؟

فضل ساكت ثواني طويلة، وبعدها قال جملة خلتني أحس إن الأرض بتتهز من تحتي:

— يا بنتي… أنا كنت مستني المكالمة دي من أكتر من عشرين سنة.

شهقت من الصدمة:
— مستني مكالمتي أنا؟ ليه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى