قصص وروايات

اوقفت الشرطة امي

ثم أغلق النافذة مرة أخرى.

شعرت بحرارة الغضب تتصاعد في وجهي.

لكن أمي نظرت نحوي وابتسمت ابتسامة صغيرة مطمئنة.

كانت مصممة على عدم تصعيد الموقف.

ولأنها طلبت مني البقاء جالسًا، التزمت بطلبها.

هناك شيء في ذلك اليوم لا يزال يشعرني بالخجل حتى الآن.

فقد عملت أمي لمدة أربعة وثلاثين عامًا في نوبات ليلية داخل الطابق السفلي من مبنى محكمة المقاطعة.

وكلما سألها أحدهم عن طبيعة عملها، كنت أجيب بالإجابة نفسها تقريبًا:

«إنها تعمل في الغالب على الرد على الهاتف».

كنت أقول ذلك بعفوية.

وأحيانًا بنبرة توحي بأن الأمر لا يستحق الاهتمام.

وكأن وظيفتها لم تكن مثيرة للاهتمام أو ذات أهمية حقيقية.

كنت أعرف أنها تعمل لساعات طويلة.

وأعرف أنها أمضت ليالي لا تُحصى بعيدًا عن المنزل.

لكنني لم أحاول يومًا أن أسألها عمّا يحدث خلال تلك النوبات الليلية.

بالنسبة إليّ، كانت مجرد أمي.

المرأة التي تذكّرني بارتداء سترة عندما يكون الجو باردًا.

والتي تخبز حلوى الليمون من أجل مناسبات الكنيسة.

والتي تقود سيارتها بسرعة أقل من الحد المسموح به بعدة أميال، وتحتفظ بالمناديل الورقية داخل حقيبتها.

لذلك، بينما كنت أراقب ذلك الشرطي وهو يتركها واقفة بجوار الطريق، افترضت في أعماقي أنه يراها بالطريقة نفسها التي أراها بها.

مجرد امرأة مسنّة أخرى.

شخص يحمل وثيقة صفراء غير مألوفة.

امرأة يعتقد أنه يستطيع تجاهلها والتعامل معها باستخفاف دون أن يفكر في العواقب.

وعندما اكتملت أربعون دقيقة، فتح الشرطي باب سيارة الدورية أخيرًا.

نزل وهو يحمل دفتر المخالفات.

استقامت أمي قليلًا عندما اقترب منها.

قال لها:

«حسنًا يا سيدتي، يبدو أنني سأضطر إلى تحرير بعض المخالفات بحقك».

ثم نظر نحو سيارة البويك وأضاف:

«وسأتصل أيضًا بشاحنة سحب لنقل سيارتك».

لم أصدق ما أسمعه.

كانت أمي تقود بحذر.

ورخصتها المؤقتة صادرة رسميًا عن المحكمة.

ومع ذلك، أمضينا أربعين دقيقة كاملة في الانتظار تحت حرارة الصيف الخطيرة.

وقبل أن أتمكن من قول أي شيء، تحدثت أمي.

«أيها الضابط، هل يمكنني أن أطلب منك خدمة صغيرة؟»

توقف عن الكتابة.

وقال:

«ما هي؟»

أجابته بهدوء:

«هل يمكنك الضغط على زر جهاز اللاسلكي الخاص بك وذكر اسمي؟»

حدّق فيها باستغراب.

«جهاز اللاسلكي؟»

«نعم، من فضلك».

«لماذا؟»

قالت ببساطة:

«فقط اذكر اسمي. شيرلي هاجن».

ألقى الشرطي نظرة نحوي من خلال النافذة الخلفية.

ثم ابتسم.

لم تكن ابتسامة ودودة.

بل كانت ابتسامة شخص يعتقد أنه سمع للتو شيئًا سخيفًا للغاية.

قال ساخرًا:

«هل تعتقدين أن اسمك يجعلك شخصية مهمة هنا؟»

هزّت أمي رأسها برفق.

«لا يا حضرة الشرطي، ليس الأمر كذلك على الإطلاق».

كنت أتمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعتني في تلك اللحظة.

لم أفهم لماذا تصر أمي على هذا الطلب الغريب.

وللحظة، تساءلت إن كانت الحرارة قد بدأت تؤثر عليها.

لكنها بدت متماسكة تمامًا.

كانت تقف هناك ممسكة بحقيبتها، وتنظر إلى الشرطي بصبر وهدوء.

وأخيرًا، هزّ كتفيه باستخفاف وقال:

«حسنًا، إذا كان هذا ما تريدينه».

رفع الميكروفون المثبّت على كتفه.

وضغط على الزر.

ثم تحدث عبر جهاز اللاسلكي قائلًا:

«إلى غرفة العمليات، لديّ امرأة هنا على طريق المقاطعة رقم 6 تحمل رخصة مؤقتة تبدو وكأنها مطبوعة في المنزل».

ضحك قليلًا، ثم تابع:

«وهي تصرّ على أن أذيع اسمها عبر اللاسلكي، لذا ها هو اسمها».

توقف لحظة وكأنه يتعمد إثارة السخرية.

ثم قال:

«شيرلي هاجن».

وأفلت زر الميكروفون.

في البداية، لم يأتِ أي رد.

ساد الصمت.

لكن ذلك الصمت كان مختلفًا عن فترات الانتظار المعتادة بين رسائل اللاسلكي.

نظر الشرطي إلى جهازه.

ثم التفت نحو أمي.

وفي تلك اللحظة، حطّ طائر أسود على السلك الممتد بمحاذاة الطريق.

وأخذت أعواد الذرة تُصدر حفيفًا خافتًا مع الرياح الحارة.

راقبت تعابير وجه أمي.

لم تكن تبتسم.

ولم تكن تبدو قلقة أيضًا.

كانت تنتظر فحسب.

ثم صدر صوت تشويش من جهاز اللاسلكي.

وانطلق صوت امرأة عبره.

كان صوتها بطيئًا.

وحذرًا.

وكأنها لم تصدق ما سمعته للتو.

قالت:

«الوحدة الرابعة عشرة… هل يمكنك تكرار الاسم؟»

قطّب الشرطي حاجبيه.

وقلّب عينيه بضيق، ثم مدّ يده نحو الميكروفون مرة أخرى.

لكن قبل أن يتمكن من الضغط على الزر، مالت أمي نحوه قليلًا.

وللمرة الأولى منذ بداية ذلك اليوم، لاحظت شيئًا في تعابير وجهها.

لم يكن غضبًا.

ولا خوفًا.

بل كان شيئًا آخر تمامًا.

لقد كانت تعرف!

كانت تعرف ما الذي سيحدث، وكأنها توقعت هذا الرد تحديدًا.

جلست في مقعدي دون أن أتحرك، وقد بدأت أدرك فجأة أن وراء أربعة وثلاثين عامًا من عمل شيرلي هاجن في «الرد على الهواتف» أسرارًا كثيرة لم أكلف نفسي يومًا عناء اكتشافها.

أسرارًا ربما كانت على وشك أن تغيّر كل شيء أمام عينيّ.

والآن، أخبروني: لو كانت أمك البالغة من العمر 71 عامًا في هذا الموقف، وطلبت منك البقاء داخل السيارة، فهل كنت ستستمع إلى كلامها، أم كنت ستخرج للدفاع عنها؟

القصة الكاملة مستمرة في أول تعليق بالأسفل.

انفجر صوت المرأة عبر جهاز اللاسلكي مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت نبرتها أكثر حدة وقلقًا.

«الوحدة الرابعة عشرة، أكرر طلبي… هل قلت شيرلي هاجن؟»

توقفت ابتسامة الشرطي عن الاتساع.

نظر إلى جهازه، ثم إلى أمي، وكأنه يحاول فهم سبب هذا الاهتمام المفاجئ باسم امرأة مسنّة تقف بجوار سيارة على طريق ريفي.

ضغط على زر اللاسلكي وقال:

«نعم، هذا هو الاسم. شيرلي هاجن. هل هناك مشكلة؟»

ساد الصمت لثوانٍ قليلة.

ثم جاء صوت آخر عبر الجهاز، هذه المرة بصوت رجل بدا وكأنه سمع شيئًا لا يُصدّق.

«أيها الضابط، ابتعد عن السيدة فورًا، ولا تحرر أي مخالفة أخرى قبل أن تتحدث إلى المشرف المناوب».

اتسعت عينا الشرطي.

«عفوًا؟ لماذا؟»

لكن الصوت لم يجبه عن سؤاله.

بل قال بوضوح:

«هل السيدة شيرلي هاجن موجودة بجانبك الآن؟»

نظر الشرطي إلى أمي.

كانت لا تزال واقفة بهدوء، تحمل حقيبتها على ذراعها، وكأن ما يحدث لا يعنيها على الإطلاق.

أجاب عبر اللاسلكي:

«نعم، إنها هنا».

وجاءه الرد سريعًا:

«إذن استمع إليّ جيدًا. لا تتخذ أي إجراء آخر. سأكون على اتصال بك خلال لحظات».

انقطع الاتصال.

لأول مرة منذ أن أوقفنا، بدا الشرطي الشاب مرتبكًا.

خلع نظارته الشمسية، ومسح جبينه بظهر يده، ثم أعاد النظر إلى أمي.

«سيدتي… هل يمكنني أن أسألك عن طبيعة عملك؟»

نظرت إليه أمي بهدوء.

«لقد أخبرك ابني بالفعل أنني عملت في المحكمة».

قال مترددًا:

«نعم، لكنه قال إنك كنت تعملين على الهواتف».

أجابته:

«هذا صحيح».

ثم سكتت.

لم تحاول تبرير نفسها.

ولم تذكر أي منصب أو لقب.

ولم تتباهَ بأي شيء.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى