Uncategorized

كنت ببعت لأمي

مسكته بإيدي، وفتحته.
لقيت سجل المكالمات مليان أرقام حاولت تتصل بيها، وأغلبها رقمي القديم.
مكالمات فائتة.
رسائل ما اتفتحتش.
وكل مرة كانت بتحاول تتصل، كنت أنا في الناحية التانية من الدنيا، شايف اسمها، وبقفل التليفون من غير ما أسمع صوتها.

دخلت على الرسائل، ولقيت رسالة صوتية محفوظة بتاريخ قبل رحيلها بأسبوع.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدوس تشغيل.
طلع صوتها ضعيف، متعب، لكنه كان صوتها اللي أعرفه من يوم ما اتولدت.

«ألو يا علي… يا حبيبي، لو سمعت الرسالة دي، ابقى طمني عليك. أنا عارفة إنك زعلان مني، وعارفة إني غلطت لما ما عرفتش أكرم ضيوفك زي ما كنت أتمنى. والله يا ابني ما كان قصدي أحرجك.

أنا كنت مجهزة حاجات كتير، بس حصلت ظروف، وربنا يعلم إني كنت نفسي أشوفك مبسوط.
يا علي، أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة حاجة من الدنيا. أنا عايزة أسمع صوتك بس. حتى لو هتزعق لي، حتى لو هتقول لي إني غلطانة، أنا هسمعك وأقول لك حاضر.

بس ما تطولش الزعل يا ابني. العمر مش مضمون، وأنا بقيت أتعب بسرعة.
ربنا يحفظك ويحفظ مراتك، ويجعل أيامكم كلها خير.
بحبك يا علي… بحبك قوي».
انتهت الرسالة.
لكن أنا فضلت ماسك التليفون على ودني، مستنيها تكمل، مستنيها تقول أي كلمة تانية.

ما كنتش قادر أصدق إن آخر مرة سمعت فيها صوت أمي كانت من تسجيل قديم، وإن آخر مرة هي سمعت فيها صوتي كانت من سنة كاملة.
أنا اللي حرمت نفسي منها.
أنا اللي كنت أقدر أرفع التليفون وأسمعها في ثانية، لكن اخترت أعاقبها بالصمت.

خرجت من الدار وأنا مش شايف قدامي. عبد الرحيم حاول يركبني معاه، لكني طلبت منه يوصلني لبيت أمي.
لما وصلت، فتحت الباب بالمفتاح اللي كان معايا، ودخلت.
البيت كان هادي بطريقة تخوف.
نفس الكنبة اللي كانت قاعدة عليها وهي بتكلمني.
نفس الصورة اللي فيها أبويا واقف جنبها يوم فرحهم.

نفس الكوباية اللي كانت بتحط فيها الشاي.
بس هي ما كانتش موجودة.
دخلت أوضتها، ولقيت سريرها متظبط، وعلى الكومود ورقة صغيرة، وتحتها مفتاح مربوط بخيط أحمر.
مسكت الورقة، ولقيت مكتوب:
«يا علي، لو رجعت البيت وملقتنيش، افتح الدرج اللي تحت الدولاب. فيه حاجة كنت مجهزاها لك من زمان».

نزلت على ركبتي قدام الدولاب، وفتحت الدرج.
كان فيه ملف كبير، ومجموعة إيصالات، ودفتر بنك، ومظروف عليه اسمي واسم مراتي.
فتحت الملف الأول.
كان فيه عقد شراء شقة صغيرة في مصر، في عمارة محترمة قريبة من البيت القديم، متسجلة باسم أمي، ومعاها أوراق بتوضح إنها كانت بتدفع أقساطها على مراحل.

في آخر الملف، لقيت ورقة من مكتب محاماة، مكتوب فيها إن الشقة هتنتقل ليا بعد استكمال الإجراءات القانونية.
بصيت للأوراق ودموعي بتنزل.
أمي كانت بتحوش علشان تفرحني.
كانت عايزة لما أرجع مصر، يبقى عندي مكان أرتاح فيه، وأقدر أقضي فيه إجازاتي معاها.
لكنها ما لحقتش.

فتحت دفتر البنك، واكتشفت إن فيه مبلغ متبقّي في حسابها، أقل بكتير من اللي كنت متخيله، لكنه كان مبلغ كبير بالنسبة لست عايشة ببساطة طول عمرها.
وكان فيه مستندات تثبت إنها تبرعت بجزء من مدخراتها لعلاج أطفال، وساعدت أسر محتاجة، وسددت ديون ناس كانت مهددة إن بيوتها تتخرب.

وفي آخر الملف، لقيت ظرف تاني.
جواه خطاب بخط أمي، أطول من كل الرسائل اللي شفتها.
«علي حبيبي،
أنا مش عارفة إنت هتقرأ كلامي ده وإنت زعلان مني ولا بعد ما تسامحني، لكني عايزاك تعرف إني عمري ما حبيت الفلوس أكتر منك.

أنا كنت بحب أشوفك ناجح، وكنت كل ما يوصلني منك مبلغ، أفرح وأحمد ربنا، وأقول إن تعبي ما راحش على الفاضي.

لكن يا ابني، لما الواحد يكبر، بيكتشف إن الفلوس مهما كانت كتير، مش هتقدر تشتري له كل حاجة. فيه حاجات ما ينفعش تتشترى، زي ضحكة طفل كان فاكر إنه مش هيلاقي علاج، أو أم كانت خايفة ابنها ينام من غير عشا، أو راجل كبير كان عاجز عن شراء الدوا لحفيده.

أنا ما كنتش ملاك، يا علي، وأنا مش بقول لك إني ما غلطتش. يمكن كان لازم أقول لك كل حاجة، ويمكن كان لازم أقبل مساعدتك بدل ما أحاول أتصرف لوحدي.
بس كنت خايفة إنك تشيل هم الناس دي كلها، وكنت عايزاك تعيش حياتك وتفرح بمراتك وتنجح في شغلك.

أما يوم ما جيت، فأنا عارفة إنك اتكسفت. وحقك تزعل لو كنت قصرت مع ضيوفك. لكن والله يا ابني، لو كنت أعرف إنك هتمشي وتسيبني سنة كاملة من غير ما أسمع صوتك، كنت رميت كل حاجة من إيدي، وقعدت جنبك، حتى لو ما كانش عندي غير كوباية شاي ولقمة عيش.

كنت هقول لك اقعد يا ابني، إنت وحشتني.
كنت هحكيلك إني بقيت بتعب، وإني ساعات بخاف أنام وما أصحاش، وإن البيت بقى واسع عليا من غيرك.
لكن خلاص، اللي حصل حصل، وربنا وحده يعلم إني سامحتك قبل ما تسألني السماح.

ولو فيه حاجة واحدة عايزاك تعملها بعدي، فهي إنك ما تحكمش على حد من لقمة أكل، ولا من هدوم قديمة، ولا من موقف واحد.
اسأل، وافهم، وارحم.
وإوعى يا علي تفتكر إنك لما تساعد حد، تبقى خسرت فلوسك. يمكن تكون خسرت مبلغ، لكنك كسبت دعوة من قلب مكسور.

وأهم حاجة، يا حبيبي، ما تعيشش عمرك ندمان. أنا أمك، وكنت بحبك، وهفضل أحبك طول ما فيه دعوة طالعة من قلبي ليك.
ربنا يرضى عنك، ويرزقك الذرية الصالحة، ويجعل بيتك مليان رحمة.
أمك اللي بتحبك، روحية».
ما قدرتش أكمل.
ضميت الورقة لصدري، وفضلت أعيط لحد ما صوتي راح.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى