Uncategorized

كنت ببعت لأمي

كنت عارف إنها سامحتني قبل ما ترحل، زي ما كتبت في رسالتها، لكن أنا كنت محتاج أتعلم أسامح نفسي، وده كان أصعب شيء.

وفي يوم، بعد حوالي سنة من رحيلها، كنت قاعد في دار الرحمة، لما نادية دخلت عليا ومعاها شاب في أواخر العشرينات.

قالت: ـ علي، ده محمود، ابن الحاجة سعاد اللي حكينا لك عنه.

الشاب قرب مني وسلم عليا، وقال: ـ أنا كنت عايز أقابلك من زمان. أمي حكت لي كل اللي الحاجة روحية عملته علشاني. أنا اتعلمت من اللي حصل، واشتغلت، وبقيت واقف على رجلي، والنهارده جاي أطلب منك تسمحلي أساعد في الدار.

ابتسمت، ومديت إيدي وصافحته.
ـ أهلا بيك يا محمود. أكتر حاجة كانت هتفرح أمي إن الخير اللي وصل لك يوصل لغيرك.
قعدنا نتكلم، وعرفت إنه بقى شغال في شركة أجهزة، وإنه بيخصص جزء من دخله لمساعدة الحالات اللي محتاجة.

قبل ما يمشي، قال لي: ـ تعرف يا أستاذ علي؟ أمك كانت بتقول لي دايمًا إن الإنسان ممكن يغلط، لكن المهم ما يفضلش أسير غلطه طول عمره.
الكلام دخل قلبي، لأن دي كانت نفس الفكرة اللي حاولت أتعلمها من رسالتها.

ومن يومها، فهمت إن الحفاظ على ذكرى أمي مش معناه إني أفضل أعذب نفسي طول عمري، لكن معناه إني أعيش بطريقة تخلي الخير اللي عملته يكمل.
ومع ذلك، كان فيه شيء واحد عمره ما فارقني.
آخر جملة قالتها لي أمي في المكالمة اللي قطعتها عنها قبل رحيلها بسنة، كانت:

«يا ابني، أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تفضل بخير».
وأنا، بدل ما أطمّنها، سبتها تستنى.
علشان كده، بقيت كل ما أشوف حد زعلان من أمه أو أبوه، أحاول أقول له من غير ما أتدخل في حياته:

لو زعلان من حد بتحبه، اسأل قبل ما تحكم. ولو تقدر تصلح، ما تستناش لبكرة. ساعات كلمة واحدة بتتأخر، وتفضل طول العمر تتمنى لو كنت قلتها.

وفي آخر كل شهر، أول ما يوصل موعد التحويل اللي كنت ببعت فيه الخمسين ألف جنيه لأمي، بخصص المبلغ اللي أقدر عليه لمساعدة الناس باسمها.

وبكتب في سجل التحويل:
«صدقة عن روح أمي، روحية».
وبعدها بروح أزورها، وأقعد جنب قبرها، وأقول لها:
«الفلوس اللي كنتِ بتخافي تصرفيها على نفسك، بقيت أنا بصرف جزء منها على الناس اللي كنتِ بتحبيهم.
والبيت اللي كنتِ بتحلمي أشوفه، بقي مكان للخير.

بس يا أمي، فيه حاجة واحدة لسه مش عارف أعملها…

مش عارف إزاي أرجع أسمع صوتك مرة واحدة بس، وأقول لك إني بحبك، وإني آسف، وإني لو رجع بيا الزمن، كنت هسيب الدنيا كلها وأقعد جنبك، حتى لو ما كانش على السفرة غير عيش بايت وجبنة قديمة».

وسكت.
لأن مهما كانت الدنيا واسعة، ومهما كانت الفلوس كتير، فيه باب واحد لما بيتقفل بالرحيل، ما بيقدرش يفتحه ندم ولا ثروة ولا نجاح.
باب حضن الأم.
ويا ريتني كنت فهمت ده قبل ما أمي تمشي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى