Uncategorized

كنت ببعت لأمي

كنت أتمنى لو أقدر أرجع يوم واحد بس، حتى لو دقيقة، وأقعد قدامها وأقول لها إني آسف.
لكن الزمن ما بيرجعش، واللي بيروح من الدنيا ما بيرجعش مهما كانت فلوسنا أو مكانتنا.

في اليوم التاني، روحت للمحامي اللي كان متابع أوراق أمي، وطلبت منه أعرف كل حاجة تخص حساباتها ومساعداتها.

قعدنا ساعات طويلة نراجع الأوراق، واكتشفت إن أمي كانت منظمة كل شيء بدقة شديدة. كانت بتسجل أسماء الأسر اللي بتساعدها، ومواعيد العلاج، والمبالغ اللي بتصرفها، وحتى أرقام الناس اللي كانت بتسأل عليهم.
وكان فيه ملف منفصل بعنوان: «أطفال محتاجين علاج».

في الملف ده، لقيت اسم يوسف، حفيد عبد الرحيم، ومعاه أسماء أطفال تانيين، بعضهم اتعالج بالفعل، وبعضهم لسه محتاج مساعدة.
المحامي قال لي: ـ والدتك كانت بتطلب مني أراجع بعض الأوراق من وقت للتاني، وكانت دايمًا تؤكد إن المساعدة تكون موثقة، علشان الفلوس توصل لمستحقيها.

سألته: ـ وهي كانت بتعمل كل ده لوحدها؟
قال: ـ كانت بتشارك ناس موثوق فيهم، وبتروح بنفسها أحيانًا، لكن عمرها ما كانت بتحب حد يتكلم عنها. كانت بتقول إن الخير اللي صاحبه يستنى عليه تصفيق، مش بيبقى خير خالص.
خرجت من عنده وأنا واخد قرار.

مش هقدر أرجع أمي، لكن أقدر أحافظ على الحاجة اللي كانت بتحبها.
كلمت مراتي، وحكيت لها كل شيء من البداية للنهاية. كنت خايف من رد فعلها، خصوصًا إنها كانت موجودة يوم الغداء، وشافت اللي حصل.
لكنها فضلت ساكتة لحد ما خلصت.

وبعدين قالت: ـ علي، أنا كنت مستغربة يومها، ومكنتش فاهمة ليه مامتك قدمت لنا الأكل ده. لكن عمري ما تخيلت إنك تقاطعها سنة كاملة علشان موقف واحد.

نزلت عيني في الأرض.

قالت بهدوء: ـ أنا مش بقول لك الكلام ده علشان ألومك، بس أمك كانت تستحق إنك تسألها. يمكن لو كنت سألتها يومها: «مالك يا أمي؟»، كانت الحكاية كلها اتغيرت.

قلت لها بصوت مكسور: ـ عارف. وأنا كل يوم هفتكر الكلام ده.
مدت إيدها ومسكت إيدي.
ـ طيب، خلينا نعمل حاجة تفضل صدقة ليها. مش علشان تمسح اللي حصل، لأن مفيش حاجة هترجع الوقت، لكن علشان الخير اللي كانت بتعمله ما يقفش.

في اللحظة دي، حسيت إن دي أول كلمة تريح قلبي من ساعة ما عرفت الحقيقة.
تاني يوم، رحت دار الرحمة، وقابلت نادية وعبد الرحيم، وقلت لهم إني عايز أكمل مساعدة الأطفال والأسر اللي كانت أمي بتساعدهم.

نادية بصتلي وقالت: ـ والدتك كانت بتتمنى إنك تعرف، لكن ما كانتش عايزاك تعمل ده من باب الذنب. كانت عايزاك تعمل الخير وإنت مقتنع بيه.
قلت لها: ـ أنا مقتنع يا أستاذة نادية. أنا بس نفسي أحافظ على حاجة من ريحة أمي.

بدأت أراجع الحالات واحدة واحدة، واتفقنا على نظام واضح للمساعدات، وفواتير العلاج، ومصاريف الأسر، علشان كل جنيه يروح لمكانه.
وخصصت مبلغ ثابت كل شهر للدار، ومبلغ تاني لعلاج الأطفال، ومبلغ للطوارئ للأسر اللي ظروفها صعبة.

لكن أكتر حاجة كنت حريص عليها، إني أروح بنفسي كل فترة، وأقعد مع الناس، وأسمع حكاياتهم، بدل ما أكتفي بتحويل الفلوس وأنا بعيد.
وفي أول زيارة ليا بعد ما بدأنا النظام الجديد، لقيت يوسف قاعد في الحديقة الصغيرة قدام الدار، بيلعب بكورة قديمة.

أول ما شافني، جري ناحيتي وقال: ـ إنت عمو علي؟
ابتسمت وأنا بنزل لمستواه.
ـ أيوه يا حبيبي.
قال ببراءة: ـ جدو عبد الرحيم قال لي إن جدتك كانت بتحبني، وإنها كانت بتدعيلي كل يوم.
حسيت بغصة في حلقي.
قلت له: ـ جدتك كانت بتحب كل الأطفال يا يوسف.

بصلي وسألني: ـ هي هتيجي تزورنا تاني؟
ما عرفتش أرد عليه في الأول.
وبعدين مسحت على راسه وقلت: ـ هي مش هتقدر تيجي بنفسها، يا حبيبي، لكن إحنا هنكمل الخير اللي كانت بتعمله، وكل ما تساعد حد، افتكر إن فيه ست طيبة كانت بتتمنى تشوفك مبسوط.

الولد ابتسم ورجع يلعب، وأنا فضلت واقف أبصله.
كان نفسي أروح لأمي وأقول لها إن الخير اللي زرعتيه لسه بيكبر، وإن ابنك أخيرًا فهم إنتِ كنتِ بتعملي إيه.
بعدها بأيام، رجعت البيت القديم، وقررت ما أبيعهش أبدًا. رتبت أوضتها زي ما كانت، واحتفظت بصورتها وصورة أبويا على نفس الرف.

أما الشقة اللي كانت بتحوش علشانها، فاحتفظت بيها زي ما هي، لكن خصصتها مكان أستقبل فيه الأسر اللي بتحتاج مساعدة مؤقتة، لحد ما نلاقي لهم حل مناسب، بمشاركة ناس موثوق فيهم.
وكتبت على ورقة صغيرة وحطيتها في درج مكتبها:

«هنا كانت تعيش روحية، أم علي، ست ما كانتش تملك قصور ولا ثروة، لكنها سابت في قلوب الناس أثر أكبر من أي ثروة».

عدت شهور، وكل ما أنزل مصر، أزور قبرها، وأحكيلها عن الأطفال اللي اتعالجوا، وعن الأسر اللي قدرت تسدد إيجارها، وعن الناس اللي بقت تساعد غيرها بعدما وقفت على رجليها.

كنت بقعد قدام قبرها بالساعات، وأتكلم كأنها سامعاني.

أقول لها: ـ يا أمي، النهارده يوسف خلص مرحلة جديدة من العلاج. ـ يا أمي، فيه بنت صغيرة رجعت المدرسة بعد ما كانت هتسيبها علشان المصاريف. ـ يا أمي، الست اللي ساعدتيها زمان بقت بتشتغل، وبقت بتساعد جارتها اللي ظروفها صعبة.

وكل مرة كنت بقول لها: ـ سامحيني يا أمي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى