منوعات

منزل هادئ

عندما غادر علي الجلاد العراق مع أسرته، كان يبحث عن مكان يمنح زوجته وابنتيه فرصة لحياة أكثر استقرارًا. كان ضابطًا سابقًا تعرض لإصابة خطيرة خلال حادث استهدف الجيش، وأصبح بعدها غير قادر على الحركة. وبعد سقوط النظام، شعر بالقلق على سلامة عائلته، فقرر الرحيل بصحبة زوجته المعلمة ليلى، وابنتيه سالي وتبارك.

استقرت الأسرة في مدينة أسكي شهير التركية، داخل حي عصمت إينونو، وبدأت تأسيس حياتها الجديدة. حمل الانتقال معه ترتيبات كثيرة، لكن الهدف كان واضحًا: أن تتمكن العائلة من مواصلة حياتها، وأن تجد الابنتان فرصة للدراسة وبناء المستقبل. لم يكن أحد منهم يعرف أن علاقة عابرة في الجامعة ستصبح لاحقًا محور قضية يصعب على الأسرة استيعاب تفاصيلها.

في عام 2021، كانت سالي، الابنة الكبرى، تبلغ العشرين من عمرها وتتابع دراستها الجامعية. هناك تعرفت إلى شاب قدم نفسه باسم محمد، وقال إنه في الخامسة والعشرين ومن أصول ماليزية. بدا هادئًا ولبقًا، وكان يتحدث عدة لغات، وهي صفات ساعدته على تقديم صورة مقبولة عن نفسه أمام من يتعامل معهم.

بالنسبة إلى سالي، كان محمد واحدًا من معارفها في الجامعة، وكانت تنظر إلى علاقتهما بوصفها صداقة عادية. أما هو، فكان يريد أن تتحول تلك الصداقة إلى ارتباط. وعندما تحدث معها عن مشاعره، رفضت بلطف، موضحة أنها لا ترغب في العلاقة التي يتصورها. غير أنه لم يتعامل مع موقفها باعتباره نهاية واضحة لهذا الموضوع.

فوجئت سالي لاحقًا بحضوره إلى منزل أسرتها لطلب الزواج منها رسميًا. لم تكن قد وافقت على هذه الخطوة، ولذلك أكدت أمام عائلتها أن الشاب مجرد صديق. رفضت الأسرة الطلب، وتولى والدها إبلاغه بالقرار بأسلوب هادئ. أظهر محمد تفهمًا للرفض، وظلت العلاقة في ظاهرها ضمن حدود الصداقة، دون أن يكشف عن استياء واضح.

مرت الأيام، ثم جاء سبتمبر من عام 2021، حين خرجت سالي من منزلها متجهة إلى أحد المقاهي. كان خروجًا يبدو عاديًا، لكن الاتصال بها انقطع بعد ذلك. حاولت الأسرة الوصول إليها، ومع حلول التاسعة مساء أصبح هاتفها مغلقًا. أخذ القلق يتزايد مع كل محاولة اتصال لا تلقى إجابة، وكل ساعة تمر دون عودتها.

بدأ أفراد العائلة البحث عنها، واستعادوا ما قالته قبل خروجها، لعلهم يجدون معلومة تساعدهم على تحديد مكانها. تذكرت تبارك أن شقيقتها تحدثت صباحًا عن احتمال لقاء محمد. أصبحت هذه المعلومة أول خيط يمكن متابعته، فتوجهت الأسرة إليه في اليوم التالي، وسألته إن كان قد رآها أو يعرف شيئًا عن غيابها المفاجئ.

أنكر محمد أنه التقى بسالي، وقدم تفسيرًا آخر، قائلًا إنها ربما ذهبت للمبيت عند صديقاتها في سكن الطالبات. لم تجد العائلة في كلامه ما يبدد مخاوفها، خاصة مع استمرار انقطاع الاتصال. أبلغت الشرطة، وبدأت إجراءات البحث عن الشابة، وانتقلت الأسئلة من محيط الأسرة والمعارف إلى تحقيق يتتبع آخر تحركاتها المعروفة.

كان الهاتف من أول العناصر التي اهتم بها المحققون. جرى تتبع آخر إشاراته، وتبين أن موقعه الأخير كان في حي يني يغلر. لم يكن اسم الحي مجرد معلومة جغرافية عابرة؛ فقد اتضح أنه الحي الذي يسكن فيه محمد. وضع ذلك نتيجة التتبع إلى جانب ما ذكرته تبارك عن احتمال اللقاء، ومنح التحقيق اتجاهًا أكثر تحديدًا.

بالنسبة إلى العائلة، كان الانتقال من محاولات الاتصال إلى بلاغ الاختفاء تحولًا صعبًا. كانت سالي قد خرجت وهي تعتزم الذهاب إلى مقهى، ولذلك حاول أهلها فهم المسافة بين خطتها المعلنة وما ظهر لاحقًا عن آخر مكان لهاتفها. وكلما تقدمت التحقيقات، ازدادت أهمية التفاصيل الصغيرة التي استعادوها من حديثها في ذلك الصباح، وفي مقدمتها احتمال لقاء الشاب الذي كانت تعرفه باسم محمد.

ألقت الشرطة القبض على الشاب، لكنه واصل إنكار معرفته بما حدث لسالي. كان الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى أدلة تتجاوز أقواله، ولذلك بدأت مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة. اتسع نطاق العمل حتى بلغت التسجيلات التي فحصتها الشرطة، بحسب الرواية، نحو عشرة آلاف ساعة، بحثًا عن مسار الشابة منذ خروجها وحتى انقطاع الاتصال بها.

ظهرت في التسجيلات معلومة مهمة: كانت سالي تسير برفقة محمد، ثم دخلت شقته عند الثالثة والنصف عصرًا. لم تظهر بعد ذلك وهي تغادر المكان. واجه المحققون المتهم بهذه الصور، فأصبحت روايته الأولى، التي أنكر فيها رؤيتها، متعارضة مع ما وثقته الكاميرات. كان قد قدم للأسرة إجابة بدت مطمئنة ظاهريًا، بينما كانت التسجيلات تكشف لقاء أنكره تمامًا.

عند المواجهة، غير محمد أقواله. حاول تقديم رواية جديدة عن طبيعة علاقته بسالي، وادعى أنها غادرت الشقة لاحقًا. لكن مراجعة التسجيلات لم تدعم هذا الادعاء. انضمت إلى ذلك إفادات من الجيران تحدثوا عن سماع أصوات استغاثة لامرأة توقفت فجأة، فأصبح التحقيق يجمع بين الصور المسجلة، وأقوال المحيطين بالمكان، والتناقضات في حديث المتهم.

واستمرت مراجعة الكاميرات القريبة لتحديد تحركاته بعد دخول سالي. تبين أنه خرج من الشقة عند السادسة وتسع دقائق مساء، وعاد عند السابعة وثماني دقائق. ثم بقي داخلها فترة طويلة، حتى العاشرة وست دقائق من صباح اليوم التالي. ساعد هذا التسلسل الزمني على ترتيب الأحداث، وربط ما ظهر خارج الشقة بما كانت التحقيقات تحاول كشفه داخلها.

وفي الصباح، بحسب ما أوردته الرواية، سجلت الكاميرات خروجه وعودته عدة مرات، وانتقاله إلى مواقع متفرقة بعيدة عن الشقة للتخلص من أكياس. أصبحت تلك التحركات جزءًا من مسار البحث، وحاولت الجهات المختصة معرفة ما ارتبط بها. لكن مرور الوقت قبل اكتمال إجراءات البحث جعل الوصول إلى ما نُقل من تلك المواقع أمرًا بالغ الصعوبة.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى