قصص وروايات

عيادة الأسنان

ماتت أختي التوأم في حادث عربية من عشر سنين… لكن يوم الاتنين اللي فات، عيادة أسنان قريبة من بيتي اتصلت بيا وطلبوا مني أروح آخدها، لأن موبايلها فصل شحن. أنا وأختي التوأم نور كنا طول عمرنا مابنفترقش عن بعض. كنا بنتشارك في كل حاجة تقريبًا… هدومنا، أصحابنا، أسرارنا، وحتى التفاصيل الصغيرة اللي محدش غيرنا كان بيفهمها.

وكان بينا فعلًا الرابط الغريب اللي الناس دايمًا بتتكلم عنه لما يجيبوا سيرة التوائم.
كنت ساعات أعرف إنها زعلانة قبل حتى ما تتكلم، وهي كانت تقدر تبصلي في وشي وتعرف أنا بفكر في إيه.
لكن من عشر سنين بالظبط، كل ده انتهى في ليلة واحدة.
نور كانت راجعة بعربيتها بالليل، وماشية على طريق بعيد وهادي جدًا.
الطريق كان ضلمة، وفي جزء منه كان فيه منحدر شديد على جنب الأسفلت.
لحد النهارده، محدش عرف بالظبط إيه اللي حصل.
هل نامت وهي سايقة؟
هل حاولت تتفادى عربية؟
هل حصل عطل مفاجئ؟
اللي عرفناه وقتها إن عربيتها خرجت من الطريق، ونزلت من فوق المنحدر، وبعدها العربية ولعت بالكامل.
فرق الإنقاذ وصلت للمكان، لكن الحريق كان عنيف جدًا.
ولما رجال الإطفاء أخيرًا قدروا يسيطروا على النار، الشرطة قالت لأهلي إن الحادث كان مروع لدرجة إنهم تقريبًا ماقدروش يستخرجوا أي حاجة واضحة من العربية.
الجنازة كانت بتابوت مقفول.
وأنا وقفت قدام التابوت وأنا حاسة إني مش بدفن أختي بس…
أنا كنت بدفن نصي التاني.
بعد موت نور، حياتي اتغيرت تمامًا.
في الشهور الأولى، كنت ساعات أصحى من النوم وأنسى إنها ماتت.
أمسك الموبايل عشان أكلمها، وبعد ما أكتب أول رقمين من رقمها أفتكر.
كنت أشوف بنت ماشية قدامي من ضهرها، شعرها شبه شعر نور، فأجري وراها من غير ما أفكر.
وبعدين تلف وشها…
وأكتشف إنها واحدة تانية.
فضلت سنين بتعالج نفسي نفسيًا عشان أعرف أرجع أعيش بشكل طبيعي.
وفي الآخر، قررت أسيب المنطقة

كلها.
نقلت لمدينة تانية، اشتغلت في وظيفة هادية، واستأجرت شقة صغيرة، وحاولت أبني حياة جديدة بعيد عن كل الأماكن اللي كانت بتفكرني بيها.
عمري ما نسيتها.
ومافيش يوم تقريبًا عدى عليا من غير ما تيجي في بالي.
لكن الوجع الحاد اللي كان بيخنقني في الأول بدأ مع الوقت يتحول لوجع هادي… موجود طول الوقت، بس اتعلمت أعيش معاه.
لحد يوم الاتنين اللي فات.
اليوم بدأ عادي جدًا.
كنت قاعدة على رخامة المطبخ قدام اللابتوب، بكتب إيميل خاص بالشغل، وفنجان القهوة جنبي.
فجأة موبايلي رن.
بصيت على الشاشة.
رقم أرضي محلي، ومش متسجل عندي.
افتكرت إنها ممكن تكون عيادة بتفكرني بميعاد، أو شركة توصيل، فرديت عادي.
ألو؟
سمعت صوت بنت بشوشة جدًا بتقول
صباح الخير، حضرتك مدام سارة؟
قلت
أيوه، أنا سارة.
قالت
تمام يا فندم، أنا بكلم حضرتك من عيادة الأسنان.
قلت وأنا لسه ببص على شاشة اللابتوب
أيوه، خير؟
قالت بمنتهى العادية
أخت حضرتك نور موجودة عندنا هنا في الاستقبال. هي لسه مخلصة الإجراء بتاعها وتحت تأثير البنج شوية، فمحتاجة حد ييجي ياخدها.
إيدي اتجمدت فوق الكيبورد.
رفعت راسي ببطء.
الصوت اللي حواليا اختفى.
حتى صوت التكييف اللي كان شغال حسيت إني مبقتش سامعاه.
قلت
معلش… حضرتك قولتي مين؟
الموظفة سكتت لحظة، واضح إنها استغربت سؤالي.
وبعدين قالت
أخت حضرتك… نور.
قلبي بدأ يدق بعنف.
مسكت الموبايل بإيدي الاتنين من كتر ما صوابعي بدأت تترعش.
قلت
نور مين؟
ردت الموظفة بنبرة فيها حيرة
نور أخت حضرتك يا فندم. هي قاعدة قدامي دلوقتي في الانتظار.
حسيت إن نفسي اتقطع.
أول حاجة جت في دماغي إن دي مكالمة سخيفة.
مقلب مريض من حد يعرف قصتي.
يمكن حد من معارفي القديمة.
يمكن شخص عرف اسم أختي وقرر يعمل فيا الحركة البشعة دي لأي سبب.
قلت بصوت بدأ يعلى
حضرتك متأكدة من الاسم؟
قالت
أيوه طبعًا. نور قالت إن موبايلها فصل شحن، وهي حافظه رقم حضرتك باعتبارك رقم الطوارئ بتاعها، فطلبت مني أكلمك.
وقتها حسيت ببرودة غريبة ماشية في ضهري.
حافظة رقمي؟
الرقم اللي معايا دلوقتي أنا ماكانش رقمي وقت الحادث.
أنا غيرت رقمي بعد موت نور بسنين.
مستحيل تكون حافظاه.
قلت للموظفة
ممكن أسألك سؤال؟
طبعًا.
الست اللي قاعدة قدامك دي… شكلها عامل إزاي؟
سكتت الموظفة لحظة.
وقالت
حضرتك… فيه مشكلة؟
قلت بسرعة
بس وصفيهالي.
سمعتها تبعد السماعة شوية، وبعدها رجعت وقالت
شعرها بني غامق، طويل شوية… وعيونها بني… تقريبًا في منتصف التلاتينات.
قلبي وقع.
ده كان وصف نور.
أو بالأصح…
وصف شكلي أنا.
لأننا كنا توأم متطابق.
قلت
هي قالتلك اسمها كامل؟
قالت الموظفة الاسم.
نور محمود عبدالعزيز.
نفس الاسم.
بالحرف.
ماكنتش قادرة أتكلم.
الموظفة قالت بقلق
مدام سارة، حضرتك كويسة؟
همست
أختي ماتت من عشر سنين.
الموظفة سكتت.
الصمت اللي حصل بعدها كان طويل لدرجة إني سمعت صوت ناس بيتكلموا بعيد في العيادة.
وبعدين قالت
أنا… أنا آسفة، يمكن يكون فيه تشابه أسماء أو سوء تفاهم.
قلت
أكيد.
كنت بحاول أقنع نفسي قبل ما أقنعها.
تشابه أسماء.
واحدة اسمها نور، وكتبت رقم غلط.
أي تفسير.
أي حاجة غير المستحيل اللي دماغي بدأت تقولهولي.
وفجأة الموظفة قالت
تحبي تكلميها؟
حسيت معدتي انقبضت.
قلت
إيه؟
هي موجودة قدامي. ممكن أديها التليفون لو تحبي.
كان المفروض أقفل.
كان المفروض أقول إن فيه غلط.
لكن بدل كده، لقيت نفسي بقول
أيوه.
سمعت صوت حركة.
الموظفة قالت بعيد عن السماعة
اتفضلي يا مدام نور.
ثواني.
وبعدين…
سمعت صوت نفس خافت.
ثم جاءني صوت أعرفه أكتر من صوتي أنا.
سارة؟
جسمي كله اتجمد.
الصوت كان صوت نور.
مش شبهه.
مش واحدة نبرة صوتها قريبة منها.
نور.
نفس الطريقة اللي كانت بتنطق بيها اسمي.
نفس البحة الخفيفة في آخر الكلمة.
حتى النفس القصير اللي كانت بتاخده قبل ما تكمل كلامها.
حسيت شعر دراعاتي وقف.
وقبل ما أقدر أقول أي كلمة، سمعتها بتقول
سارة… تعالي خديني، لو سمحتي.
ماكنتش قادرة أتنفس.
فضلت ماسكة الموبايل وساكتة.
وبعدين سألتها بصوت متقطع
إنتِ… مين؟
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت بهدوء غريب
أنا نور.
دموعي نزلت لوحدها.
قلت
نور ماتت.
الصوت على الناحية التانية سكت.
ثم قالت
عارفة إنك فاكرة كده.
الجملة دي خلت رجلي ماتشيلنيش.
قعدت على أقرب كرسي.
وقلت
إنتِ مين؟ وإنتِ عايزة مني إيه؟
لكن الموظفة أخدت منها التليفون وقالت
مدام سارة، واضح إنها لسه متأثرة بالمهدئ ومش مركزة كويس. الأفضل حضرتك تيجي، خصوصًا إن الدكتور مش هيسمح لها تمشي لوحدها.
طلبت منها عنوان العيادة.
كتبته.
قفلت المكالمة.
وقعدت حوالي دقيقة كاملة باصة قدامي.
كان عندي ألف سبب يمنعني إني أروح.
لكن كان فيه سبب واحد خلاني أقوم.
الصوت.
أنا مستحيل أنسى صوت أختي.
لبست أول حاجة لقيتها قدامي، خدت شنطتي ومفاتيح العربية ونزلت.
مش فاكرة تقريبًا أي حاجة من الطريق.
مش فاكرة الإشارات.
ولا العربيات.
ولا حتى ركنت فين.
كل اللي فاكره إني وصلت قدام مبنى صغير عليه لافتة عيادة أسنان.
فضلت قاعدة جوه العربية ثواني، إيدي على الدركسيون.
وبعدين نزلت.
دخلت المبنى.
طلعت للدور المكتوب في العنوان.
ولما وصلت قدام باب العيادة، حسيت إن رجلي تقيلة بشكل غريب.
فتحت الباب.
دخلت.
ريحة المطهرات ضربت في مناخيري.
كانت فيه موظفة قاعدة خلف مكتب الاستقبال.
أول ما شافتني، ابتسمت وقالت
حضرتك مدام سارة؟

مقالات ذات صلة
1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى