قصص وروايات

عيادة الأسنان

قالت
كنت لسه تحت تأثير الدوا. سألوني يكلموا مين ييجي ياخدني… ويبدو إني قلت رقمك تلقائي.
بصيتلها.
نور، الرقم ده أنا غيرته من أكتر من عشر سنين.
قالت
عارفة.
وحافظاه؟
واضح إن جزء مني كان لسه حافظه.
الكلام دخل قلبي بطريقة غريبة.
عشر سنين كاملة…
وفي مكان ما جوا عقلها، رقمي كان لسه موجود.
سألتها
ليه رقمي أنا؟
قالت
معرفش.
وبعد لحظة سألتني
ماما وبابا عاملين إيه؟
قلت ببرود
عايشين.
قالت
قصدي… نفسيًا.
فاهمة قصدك.
ماما منى كانت بتكلمني كل يوم أحد، ومن عمرها ما ضغطت عليا إني أتجاوز موت نور.
وبابا جمال كان أهدى منها.
بعد الحادث، لما كان يلاقيني منهارة ومش عايزة أتكلم، كان يقعد جنبي في صمت.
هما الاتنين ساعدوني أعيش بعد موت نور…
في الوقت اللي نور نفسها كانت عايشة.
قلت
غريبة.
إيه؟
حافظه رقم موبايلي… لكن مش عارفة ماما وبابا عاملين إيه.
لفت وشها ناحية الشباك.
دي أصعب شوية في الشرح.
قلت
يبقى الأحسن تبدأي تشرحي بسرعة.
لما وصلنا شقتها، فهمت قد إيه نور بنت حياة كاملة بعيد عننا.
الشقة كانت مليانة زرع.
فيه صور متعلقة على الحيطان.
كتب عن الزراعة.
وكوباية صفرا جنب الحوض.
مسكت كتاب زراعة من فوق الترابيزة.
إنتِ بتزرعي؟
قالت
أيوه.
بصيتلها باستغراب.
إنتِ كنتِ بتكرهي التراب!
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
زمان.
قلت
إنتِ موتّي صبارة قبل كده.
ضحكت للحظة.
وكانت أول مرة أشوف فيها أختي القديمة.
لكن بعدها شفت الصور.
نور بتضحك وسط ناس معرفهمش.
نور في مطعم.
نور راكعة جنب حوض زرع.
نور في رحلة.
نور وسط أصحاب.
بصيت لكل الصور.
مفيش صورة واحدة ليا.
ولا لماما.
ولا لبابا.
سألتها
عايشة هنا بقالك قد إيه؟
تلات سنين.
وقبل كده؟
كنت أبعد.
حطيت الكتاب مكانه.
تمام. ابدئي من الحادث.
قعدت نور.
وقالت
العربية نزلت من فوق المنحدر. قبل ما تولع بالكامل، أنا اترميت منها.
وبعدين؟
معرفش بالظبط. غالبًا مشيت مسافة وأنا مش واعية. واحد لقاني بعد الحادث بكيلومترات، جنب طريق تاني.
كانت مصابة في دماغها.
ومكانش معاها أي أوراق تثبت شخصيتها.
قلت
وذاكرتك؟
قالت
كانت شبه ضايعة.
وسكتت.
كنت فاكرة إزاي أستخدم المعلقة قبل ما أفتكر اسم عيلتي.
لفت الخاتم حوالين صباعها.
اسمي الأول رجع قبل باقي الذكريات. كنت عارفة إني نور… لكن معرفش نور دي مين، ولا بيتها فين، ولا أهلها مين.
مع الوقت، الذكريات بدأت ترجع.
مطبخ ماما الأصفر.
أوضتنا.
أنا وهي بنغني.
ضحكت نور وقالت
وإنتِ بتغني بصوت وحش في الحمام.
قلت تلقائي
دي كنتِ إنتِ.
قالت
مستحيل.
وللحظة…
كنت هضحك.
لكن السؤال الحقيقي رجع.
قلت
إمتى افتكرتيني؟
وشها اتغير.
قالت
سارة…
إمتى؟
أرجوكي.
إمتى يا نور؟
عينيها اتمَلّت دموع.
وقالت
من ست سنين.
فضلت باصة لها.
مش مستوعبة الرقم.
كام؟
ست سنين.
يعني إنتِ عارفة إني عايشة من ست سنين؟
أيوه.
وعارفة إني فاكرة إنك ميتة؟
سكتت.
أيوه.
مسكت الكوباية الصفرا من على الرخامة، وبعدين رجعتها مكانها بهدوء عشان ماحدفهاش في الحيطة.
كلمتينا؟
قالت
حاولت مرة.
ضحكت بمرارة.
مرة؟!
لقيت رقم ماما وبابا القديم، لكنه كان اتغير.
وخلاص؟ دي كانت محاولتك؟
قالت
كتبت جوابات.
سألتها
بعتّيها؟
وطّت راسها.
لأ.
بصيتلها.
يبقى الجوابات دي كتبتيها لنفسك يا نور… مش لينا.
وشها انكمش.
مسكت شنطتي.
قالت
سارة استني، أقدر أشرح.
وصلت للباب.
لفيتلها.
كان عندك ست سنين تشرحي.
وخرجت.
الليلة دي ماكلمتش ماما وبابا.
وده كان قراري أنا.
نور سيطرت على الحقيقة وقت كفاية.
رجعت بيتي.
فتحت دولاب المطبخ.
ولقيت الكوبايتين الزرق اللي عندي من سنين.
واحدة ليا…
وواحدة كنت دايمًا بسميها الاحتياطي.
وفجأة فهمت حاجة وجعتني.
أنا بقالي عشر سنين بشتري حاجات احتياطي.
كوبايتين.
قطعتين جاتوه.
اتنين من حاجات كتير.
كأني طول الوقت مستنية حد مش راجع.
مع إن الحقيقة…
إنها كانت موجودة.
تاني يوم الصبح، اتصلت بماما.
قلت
ماما، إنتِ قاعدة؟
قالت
يا سارة أنا بكره لما تبدأي المكالمة كده.
اقعدي بس.
نبرة صوتها اتغيرت.
قعدت.
قلت
نور عايشة.
سكتت.
وبعدين قالت بحذر
حبيبتي…
قلت
أنا شوفتها.
سكتت تاني.
قلت بسرعة
عرفت القمر اللي في حيطة أوضتي. وعرفت موضوع الفازة. دي نور يا ماما.
بابا أخد منها الموبايل.
كنت مستنية يسألني فين؟ إزاي؟ متأكدة؟
لكنه قال
محتاجة مننا إيه؟
عيطت.
قلت
معرفش.

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى