عيادة الأسنان

لكن أنا ما رديتش.
لأن عيني كانت عدت من عليها بالفعل…
وراحت ناحية الكراسي الموجودة في آخر صالة الانتظار.
وكانت فيه ست قاعدة هناك.
راسها نازل شوية، وشعرها البني مغطي جزء من وشها.
لابسة جاكيت بيج وبنطلون غامق.
وفي إيدها كيس صغير من العيادة.
وقفت مكاني.
الست رفعت راسها.
وبصتلي.
وفي اللحظة دي…
حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي.
لأن الوش اللي كان قدامي…
كان وش أختي نور.
لما دخلت عيادة الأسنان وشفت الست اللي قاعدة في آخر صالة الانتظار، حسيت إن رجلي اتثبتت في الأرض.
كانت أكبر
طبعًا.
إحنا الاتنين بقينا أكبر.
شعرها بقى أقصر من زمان، وعلى جنب فكها كان فيه أثر جرح باهت ممتد لحد قريب من رقبتها.
لكن ملامحها…
عينيها…
الخط الصغير اللي بيظهر بين حواجبها لما تتوتر…
كل حاجة كانت بتصرخ باسم واحد
نور.
الست قامت من مكانها ببطء.
وأنا فضلت واقفة عند باب العيادة، مش قادرة أخد خطوة واحدة ناحيتها.
بصيت على إيديها.
كانت بتلف خاتم فضة حوالين صباع إيدها اليمين بشكل متكرر.
قلبي اتقبض.
نور وهي صغيرة كانت بتعمل نفس الحركة بالظبط، بس بالأساور اللي كانت بتلبسها.
كل ما تتوتر، تفضل تلف الإسورة حوالين معصمها.
قالت بصوت هادي
أهلًا يا سارة.
بصيتلها بذهول.
ماتقوليش أهلًا كأننا ماشوفناش بعض من أسبوع!
الابتسامة الصغيرة اللي كانت على وشها اختفت.
قالت
حاضر.
ماكنتش قادرة ألمسها.
حتى بعد ما سمعت صوتها وشفت وشها قدامي، جزء من عقلي كان بيصرخ إن ده مستحيل.
لازم أتأكد.
قلت فجأة
الخبطة اللي كانت في حيطة أوضتي وإحنا صغيرين… كنا مسمينها إيه؟
عينيها اتمَلّت دموع في نفس اللحظة.
وقالت
القمر.
نفسي اتقطع.
سألتها بسرعة
مين اللي كسر فازة ماما يوم العاصفة؟
ردت من غير تفكير
أنا.
وسكتت لحظة، وبعدين كملت
وإنتِ قولتي لبابا إنك إنتِ اللي كسرتيها، عشان مايعاقبنيش ويمنعني أروح عيد ميلاد مروة.
رجعت خطوة لورا.
مفيش حد يعرف التفاصيل دي.
مفيش.
نور اتحركت خطوة ناحيتي.
أنا فورًا رجعت خطوة تانية.
وقلت
إنتِ فعلًا نور.
قالت بهدوء
مش لازم تستوعبي كل حاجة دلوقتي.
بصيتلها بعصبية
وإنتِ مش من حقك تقوليلي أستوعب إيه وإمتى!
وقفت مكانها.
عندك حق.
فضلت أبصلها.
نفس العينين.
نفس النظرة اللي بتظهر فيها لما تكون خايفة.
وسألت السؤال الوحيد اللي كان بيلف في دماغي
إنتِ عايشة إزاي؟
قالت
ممكن نخرج من هنا الأول؟
لأ.
سارة…
عايزة أعرف إنتِ عايشة إزاي!
وطّت صوتها وقالت
أنا نجيت من الحادث.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
نجيتِ؟ إحنا دفناكي!
قالت
التابوت كان فاضي يا سارة.
حسيت بحاجة اتكسرت جوايا.
ماما لحد النهارده بتحط ورد على قبرك!
قفلت عينيها.
قلت
بابا فضل خمس سنين مش قادر يعدي من الطريق اللي حصل عليه الحادث!
قالت
عارفة.
سكت.
وبصيتلها.
عارفة؟
فتحت عينيها.
وقالت
عارفة.
وفي اللحظة دي، لأول مرة فهمت إن وجود نور قدامي وهي عايشة…
يمكن مايكونش أسوأ حاجة في الموضوع.
يمكن فيه حاجة أكبر مستنياني.
خرجنا من العيادة.
نور طلبت مني أوصلها البيت.
وللحظة غبية، افتكرت إنها تقصد بيت ماما وبابا.
طلعت موبايلي فورًا.
هكلمهم.
قالت بسرعة
لأ.
بصيتلها.
إيه؟
لو سمحتي، وصليني شقتي الأول.
شقتك؟
سارة…
معلش، بحاول أستوعب! إنتِ ميتة بقالك عشر سنين وفجأة بتقوليلي أوصلك شقتك!
أدتني عنوان.
بصيتله.
ده في مدينة تانية، حوالي بلدين من هنا!
قالت
عارفة.
أمال بتعملي إيه عند دكتور أسنان هنا؟
قالت إن حشو ضرسها اتكسر، والعيادة دي كانت المكان الوحيد اللي قدر يديها ميعاد النهارده.
ركبنا العربية.
فضلنا أول كام دقيقة ساكتين.
أنا لما بتوتر، دماغي بتحول كل حاجة لأسئلة.
وكان عندي وقتها مئات الأسئلة.
نور هي اللي قطعت الصمت.
لازم أقولك حاجة عن المكالمة.
بصيتلها.
إيه؟
أنا ماكنتش عارفة إني ادّيتهم رقمك.
يعني إيه؟







