عيادة الأسنان

قال
يبقى نبدأ من هنا يا بنتي.
بعد يومين، أخدت ماما وبابا عند نور.
أول ما ماما دخلت الشقة وشافتها واقفة جنب الشباك…
وقفت.
نور وقفت مكانها.
وبعدين ماما جريت عليها.
بنتي!
نور في الأول اتخشبت.
وبعدين انهارت في حضنها.
بابا وقف بعيد، بيمسح دموعه.
وقال
إزيك يا نور؟
بصيت بعيد.
كنت بحبها.
وكنت غاضبة منها لدرجة مش قادرة أوصفها.
والغريب إن الإحساسين كانوا موجودين في نفس الوقت.
بعد شوية، ماما بدأت تتكلم بسرعة من توترها وفرحتها.
أنا لسه بعمل فطيرة الكريز اللي كنتِ بتحبيها! وأوضتك مش لونها أزرق دلوقتي، بس
ممكن نرجعها زي زمان… وفاكرة الأغنية اللي إنتِ وسارة كنتوا بتغنوها؟
الكوباية اللي في إيد نور وقعت على الرخامة.
وقالت
كفاية.
ماما سكتت.
نور؟
نور حطت إيديها على وشها.
أرجوكي يا ماما… كفاية.
وبعدين صرخت
أنا مش قادرة أعمل كده تاني!
الصالة كلها سكتت.
نور بصتلنا إحنا التلاتة.
ده بالظبط السبب اللي خلاني ماكنتش عايزة أرجع.
ماما وشها انهار.
عشان قلتلك على الفطيرة؟
قالت نور
لأ يا ماما! عشان بعد خمس دقايق بس من رجوعي، بتحاولي ترجعي تبنيني بالشكل اللي كنت عليه وأنا عندي عشرين سنة!
قالت ماما
افتكرت إن الحاجات القديمة هتريحك.
قالت نور
أنا أصلًا مبقتش بحب فطيرة الكريز.
ماما بصتلي وقالت
بس سارة كمان بتحبها. إنتوا الاتنين طول عمركم بتحبوا نفس الحاجات.
نور ضحكت ضحكة قصيرة عصبية.
أهو ده.
بصيتلها.
تقصدي إيه؟
لفت ناحيتي.
طول عمرنا سارة ونور. إنتِ تجيبي درجة أعلى، الناس تبصلي. تكسبي حاجة، يبصوا لي. تدخلي فريق، يسألوني أنا ليه مادخلتش.
قلت
وأنا طلبت منهم يعملوا كده؟
لأ.
أمال بتتكلمي معايا كأني السبب ليه؟
قالت
لأنك عمرك ما اضطريتي تفكري في الموضوع.
وصوتها اتكسر.
إنتِ كنتِ بتدخلي أي مكان وتبقي سارة. أنا كنت بدخل وأبقى التانية.
ماما بدأت تعيط.
أنا ماكنتش أعرف إنك حاسة بكده.
قالت نور
وأنا نفسي ماكنتش فاهمة ده بالكامل… غير بعد الحادث.
مسكت طرف الرخامة.
في الأول، لما محدش كان عارف أنا مين، كنت مرعوبة. لكن بعد ما ذاكرتي بدأت ترجع، حصل شيء غريب.
سألتها
إيه؟
بصتلي.
لأول مرة في حياتي، محدش كان بيقارنني بيكي.
سكتنا.
قالت
بدأت أعرف أنا بحب إيه فعلًا. عملت أصحاب قابلوني باعتباري نور وبس. محدش فيهم كان بيسألني وأختك فين؟
قلت
ولما افتكرتينا… قررتي تفضلي ميتة بالنسبة لنا؟
قالت
في الأول كنت خايفة.
وبعدها؟
دموعها نزلت.
وقالت
بعدها… اخترت نفسي.
رجعت خطوة.
اخترتي نفسك بإنك تسيبينا ندفنك؟ وتسيبينا نعيش الحداد ده كله؟
قالت
عارفة قد إيه الكلام ده بشع.
قلت
لأنه فعلًا بشع.
هزت راسها.
عارفة.
قالت إنها كانت بتحبنا.
لكنها كانت مرعوبة لو رجعت إنها تبطل تكون نور وترجع تبقى مجرد توأم سارة.
بصيتلها وقلت
وإنتِ شايفة إن الطريقة الوحيدة عشان تكوني نفسك هي إن أختك تقضي عشر سنين بتعيط عليكي؟
مسحت دموعها.
وقالت
أنا دورت عليكي من أربع سنين.
اتصدمت.
لقيتيني؟
أيوه.
وشوفتي إيه؟
قالت
بيتك. شغلك. أصحابك. شوفت إنك بنيتي حياة.
وده خلاكي ماتكلمينيش؟
سكتت.
قلت
كنتِ فضولية تعرفي أنا بقيت إيه… لكن مش فضولية كفاية إنك ترفعي السماعة؟
قالت
لأ.
وبعدين اعترفت بالحقيقة كاملة.
بعد ما حالتها استقرت، مفيش حد كان يقدر يجبرها تتواصل مع أهلها.
في البداية فعلًا كانت فاقدة الذاكرة.
العلاج والتأهيل علموها تعيش يومها قبل ما ذكرياتها ترجع.
لكن لما افتكرت بما يكفي إنها تعرف مين هي…
كانت بدأت بالفعل حياة جديدة.
قلت
وفي الآخر افتكرتينا.
أيوه.
ومع ذلك مارحتيش البيت.
قالت
لأن لأول مرة… كنت نور وبس.
مفيش أسئلة عن التوأم.
مفيش مقارنات.
مفيش سارة عملت وسارة أشطر.
قلت
كان ممكن ترجعي وتقولي الكلام ده في وشي.
هزت راسها.
عارفة.
كان ممكن تقوليلي أنا بحبك، بس محتاجة حياة لوحدي.
عارفة.
بدل ما تسيبيني أحزن على أخت ميتة وهي أصلًا عايشة!
نور بكت.
وقالت
دي الحاجة الوحيدة اللي ماعنديش أي دفاع عنها.
قلت
كويس. ماتدافعيش.
هزت راسها.
كنت أنانية. كنت عايزة حريتي. وكل سنة عدت وأنا مختفية خلت الرجوع أصعب. وكنت بقنع نفسي إنكم بقيتوا كويسين… وإن ظهوري تاني هيجرحكم.
قلت
ولما شوفتي إني مبسوطة على الإنترنت، ده ساعدك تصدقي الحكاية دي.
وشها انهار.
أيوه.
سكت فترة.
وبعدين قلت
أنا أقدر أفهم إنك كنتِ عايزة تبقي شخص مستقل.
بصتلي.
وأقدر أفهم إن المقارنات كانت بتوجعك. وأقدر حتى أفهم خوفك من إنك ترجعي وتضيعي نفسك تاني.
بلعت ريقها.
قلت
لكن الحاجة اللي عمري ما هفهمها… ليه حزني أنا كان لازم يدفع تمن استقلالك؟
نور بدأت تعيط.
قالت
عارفة.
قلت
لأ. اسمعيني كويس.
سكتت.
إنتِ مش من حقك تختفي تاني لمجرد إن كونك أختي حاجة معقدة. وأنا كمان مش من حقي أرجعك بالعافية للبنت اللي كنتيها وإنتِ عندك عشرين سنة.
هزت راسها.
سألت
نعمل إيه دلوقتي؟
قلت
المرة دي… أنا كمان ليا قرار.
استنت.
قلت
هنبدأ واحدة واحدة. ماتختفيش. ماتقرريش بالنيابة عني أنا أقدر أستحمل إيه وماقدرش. وماتخلينيش أجري وراكي عشان أعرف الحقيقة.
قالت
حاضر.
وماما وبابا من حقهم وقتهم. هيزعلوا، هيغضبوا، وهيسألوكي أسئلة. وأنا مش هجاوب مكانك.
هزت راسها.
ده حقهم.
قلت
أنا مش بحاول أكون عادلة دلوقتي. أنا بحاول أفهم إزاي يكون عندي أخت عايشة بعد ما عشت عشر سنين مقتنعة إنها ميتة.
قالت
عايزة مني إيه حاليًا؟
مسكت شنطتي.
وقلت
غدا.
استغربت.
إيه؟
يوم الخميس. نتغدى سوا.
لأول مرة ابتسمت ابتسامة صغيرة.
بعد تلات أسابيع، كنت داخلة مخبز قبل ما أقابل نور.
البياع عرف طلبي المعتاد وقال
اتنين سكونز بالتوت؟
وقفت.
عشر سنين كاملة وأنا بشتري حاجات كتير اتنين من غير ما أفكر.
كوبايتين.
قطعتين حلو.
اتنين من أي حاجة كنت بحس إنها ناقصة لو كانت لوحدها.
بصيت على الفاترينة.
وقلت
لأ. واحدة بالتوت.
وبعدين شاورِت على كرواسون بالشوكولاتة.
نور كانت طلبته في آخر مرة اتغدينا فيها.
قلت
وواحد من ده.
البياع حط كل واحدة في كيس لوحدها.
بصيت للكيسين.
ولأول مرة…
حسيت إن ده هو الصح.
أنا ونور مش هنرجع نكمل حياتنا من النقطة اللي وقفنا عندها من عشر سنين.
لأن النسخة القديمة مننا خلاص مش موجودة.
هي قضت عشر سنين بتتحول لشخص أنا معرفوش.
وأنا قضيت عشر سنين بتعلم إزاي أبقى شخص من غيرها.
يمكن دلوقتي بس نقدر نتعرف على بعض من جديد.
مش باعتبارنا نصين لازم يكونوا نسخة من بعض.
ولا باعتبارها التوأم التانية.
لكن باعتبارنا أختين مختلفتين.
سارة… ونور.
ولأول مرة في حياتنا، ماكانش لازم واحدة فينا تختفي…
عشان التانية تعرف تعيش.
مسكت الكيسين المختلفين…
وروحت أقابل أختي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”







