بعد بعدهم

انفتح باب الأسانسير الكهربائي بصوت جرس خفيف.
خرج منه رجل طويل القامة، يرتدي بدلة كحلي داكنة ومصممة بأناقة فائقة، وتفوح منه رائحة عطر رجولي هادئ. في يده اليمنى كان يمسك بظرف ورقي أبيض مقفول بإحكام ومكتوب
عليه بخط واثق ومختوم بشعار المختبر الطبي المركزي.
أول ما وقعت عيون سمر على الرجل القادم… تحول لون وجهها من الشحوب إلى السواد الكامل. الببرونة من يدها بقوة على أرضية السيراميك، لتتكسر زجاجتها إلى مئات القطع وتتطاير قطرات الحليب في كل اتجاه.
صړخ كريم وهو يلتفت پغضب
إنتي اټجننتي يا سمر؟ الحاجات كده ليه؟ مالك؟ وشك اصفر ليه كأنه حد شاف عفريت؟
الرجل لم يلتفت لكريم ولا لصراخه. تقدم بخطوات ثابتة وواثقة حتى وقف مباشرة بجوار الدكتورة كريمة، الټفت إليها باحترام بالغ، ثم حول بصره إلى عربة الأطفال، ثم إلى كريم الذي كان يتأمل المشهد بعدم استيعاب.
فتح الرجل الظرف الطبي وأخرج منه ورقة رسمية مطبوعة ومختومة بختم النسر وأختام وزارة الصحة ومختبر الحمض النووي DNA، وقال بصوت واضح سمعه كل من في الممر
يا دكتورة كريمة… نتيجة تحليل ال الخاصة بالطفل ومطابقتها مع العينات المطلوبة… اتأكدت رسميًا ووصلتني حالا من المعمل المركزي.
ابتسامة كريم… انمحت تماماً من على وجهه، وكأنها لم تكن موجودة قط.
شعر وكأن الأرض قد سقطت من تحت قدميه. نظر إلى سمر التي كانت ترتجف پعنف وتتراجع للخلف حتى اصطدم ظهرها بجدار الممر الحجري، وهي تهمس بشفتين مرتعشتين
لأ… مستحيل… إنت… إنت جبت الورقة دي منين؟!
كريمة أخذت الظرف من يد الرجل بهدوء بالغ، ألقت نظرة سريعة على سطر النتيجة النهائي، ثم نظرت إلى كريم الذي كان يفتح فمه مغيباً عن الوعي، وقالت بصوت أشبه بضربات المطرقة
تستغرب ليه يا كريم؟ سمر كانت دايماً شاطرة في المتعددة، ومش غريب أبداً إنها تلعب على خيطين في نفس الوقت… واحد يغطي عليها مصاريف ابنها الحقيقي، وواحد يفتكر إنه هو الأب البطل اللي كسب الجائزة الكبرى.
الټفت كريم بسرعة نحوس سمر، وأمسك بمعصمها بقوة جعلتها تصرخ من الألم، وهزها وهو ېصرخ
إيه ده؟! بتقول إيه دي؟! مين أبو الواد ده يا سمر؟! نطقي حالا وإلا هأذيكي هنا قدام الناس كلها!
اڼهارت سمر تماماً، واڼفجرت في بكاء هيستري وهي تحاول إفلات يدها من قبضته الصلبة، وقالت بصړاخ مخټنق
سيبني! أيوه ابنه مش ابنك! ابني من المهندس زياد… صاحبك القديم اللي كنت بتقعد معاه في السهرات! هو رفض يعترف بالولد وهددني بالڤضيحة، وإنت كنت أسهل ضحېة قدامي… كنت غبي ومغرور، صدقت إنك عقيم وإنك ما بتخلفش، وضحكت عليك بكلمتين عشان تربي ابن غيرك وتصرف عليه كمان!
الممر كله اشټعل بالهمسات والتعليقات. الممرضات وضعن أيديهن على أفواههن من شدة الصدمة، والزوار تراجعوا للخلف لمتابعة الفصل الأخير من هذه الدراما الحية.
كريم وقف متجمداً، عيناه جاحظتان في وجه سمر، والوجه الذي كان يمتلي غروراً قبل خمس دقائق فقط، تحول إلى قطعة قماش بالية وممزقة. تذكر كيف كان يعاير كريمة لسبع سنوات كاملة، وكيف كان يمن عليها بطلاقها، وكيف كان يتباهى بأنه الرجل الفحل الذي أنجب طفلاً من امرأة أخرى، ليتبين في النهاية أنه ليس سوى أضحوكة كبرى، يربى طفلاً ليس من صلبه، لامرأة خانته كما خانت صديقتها المقربة من قبل.
نظر كريم ببطء شديد نحو كريمة، وعيناه ترجفان فتح فمه لينطق بكلمة واحدة، ليعتذر، ليقول أي شيء يبرر به قسواته السابقة، لكن كريمة لم تمنحه حتى شرف النظر إليه.
التفتت كريمة إلى الرجل صاحب البدلة الكحلي، وابتسمت له بامتنان، وقالت بصوت هادئ ومستقر
شكراً يا مهندس طارق… وصل الملف الإداري للمستشفى في وقته تماماً.
أومأ طارق باحترام، وسار بجوارها وهما يغادران ممر الأطفال متجهين نحو غرفة الاجتماعات،
تاركين خلفهما كريماً ساقطاً على ركبتيه جوار عربة الأطفال ، وسمر تبكي على أرضية الممر الملطخة بحليب الببرونة .
الفصل الثالث النهاية العادلة
مرت ثلاثة أشهر كاملة على تلك الحاډثة التي أصبحت حديث مستشفى الحياة التخصصي والمجتمع الطبي بأسره.
لم يعد كريم يملك شيئاً. عندما أجرى فحوصات طبية خاصة به بعد تلك ، اكتشف لليقين أنه لم يكن عقيماً من الأساس، وأن مشكلة الإنجاب السابقة كانت مجرد عارض صحي بسيط يمكن علاجه في غضون أسابيع قليلة لو أنه بذل مجهوداً حقيقياً أو دعم زوجته بدلاً من إلقاء اللوم عليها وتوجيه الإهانات لها. لكن الكبرياء الأعمى والنرجسية المدمرة جعلاه يخسر كل شيء زوجة مخلصة، وسمعة طيبة، وأموالاً طائلة أنفقها على طفل ليس ابنه، ليجد نفسه في النهاية محاصراً بقضايا إثبات نسب ومحاكم أسرة تلاحقه من كل جانب.
أما سمر، فقد وجدتها عائلتها منبوذة، وتركها الجميع، ورفض المهندس زياد الاعتراف بالولد تماماً، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة مصير قاسٍ ومحاكم جنائية ومدنية تطالبها برد التعويضات والمصاريف.
وفي مكتبها الواسع بالطابق الأخير من المستشفى، كانت الدكتورة كريمة تقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، تتأمل حديقة المستشفى الخضراء وأشعة الشمس الدافئة تداعب أوراق الشجر.
على مكتبها المترتب بعناية، كانت ترتدون لوحة معدنية صغيرة تحمل اسمها ورتبتها الجديدة كرئيسة قسم جراحة الأطفال. بجوارها مباشرة، كان تقرير طبي رسمي جديد يثبت تفوق أبحاثها الطبية وحصولها على زمالة دولية مرموقة.
طرق باب المكتب خفيف، ودخل المهندس طارق حاملاً فنجاني قهوة، وابتسم لها قائلاً
اجتماع مجلس الإدارة هيتبدأ خلال خمس دقايق يا دكتورة… جاهزة؟
التفتت كريمة إليه، وابتسامة حقيقية ودافئة تضيء وجهها الجميل، وقالت بصوت واثق ومستقر تماماً
طبعاً يا طارق… جاهزة جداً للمستقبل، ومشوار العمر الحقيقي لسه بيبدأ.
أغلقت الباب خلفهما بهدوء، بينما كانت الشمس تشرق بسطوع على صفحة حياة جديدة، لا مكان فيها للظلام، ولا للماضي، ولا لمن كانوا يسكنون الظل.








