بعد زوجي رفضت اتجوز

حنيتي أنت دافنتها امبارح لما قلت لي اعتبري ابنك مات.. حنيتي أنت قتلتها لما وصفت تعبي وشبابي اللي اندفن عشانك بإنه مراهقة متأخرة! أنا ما قصرتش معاك في حاجة يا حازم.. أكلتك أحسن أكل، ولبستك أحسن لبس، ودخلتك أحسن مدارس، وعلى حساب صحتي وشبابي. وفي الآخر.. بدل ما تشيلني فوق راسك وتقولي شكراً يا أمي، كتر خيرك، عيشي حياتك وتستاهلي كل خير.. جيت تدبحني بلسانك وتقول الناس تقول إيه؟!
دموعه بدأت تنزل، بس المرة دي كانت دموع الخوف والارتباك، مش دموع القسوة. قال بنبرة متلعثمة
أنا.. أنا كنت زعلان ومصدم.. مكنتش أقصد..
قاطعته بقوة
لا.. كنت تقصد! الكلمة لما تطلع من اللسان بتبقى خرجت من القلب. أنت شايف إني لما أعدي ال خلاص انتهيت، ماليش حق أحس ولا أعيش، وأن وظيفتي في الحياة هي إن أخدمك لحد ما تطلع للجامعة وتتجوز وتسبني وتديني ضهرك! أنت شايفني أداة مش إنسانة!
مسكت الشنط وحطيتها جنبه عند الباب، وفتحت الباب على آخره وقلت له
قدامك خيارين يا حازم.. ومفيش تالت. الخيار الأول تاخد شنطك دي وتخرج وتوريني رجولتك.. تعيش لوحدك، تصرف على نفسك، وتعرف الجنيه بيجي إزاي، والساعة اللي أمك كانت بتقفيها في المطبخ عشان تعملك أكلك كانت بتكلفها إيه من صحتها. ساعتها لما تكبر وتعرف يعني إيه مسؤولية وتعرف قيمة أمك.. تبقى ترجع وتسلم على إيدي وتطلب السماح.
حازم كان واقف مشدوه، صوته حبس في زوره والخيار التاني يا أمي؟
قربت منه ونظرت في عينيه بثبات
الخيار التاني.. إنك تفضل هنا، بس مش ك ابن مدلل طالع نازل يؤمر وينهي.. تفضل هنا ك راجل البيت بجد! من بكره الصبح تتغير معاملتك معايا، تعتذر لي على كل كلمة قلتها، وتعرف إن أمك خط أحمر. كرامتي ومشاعري خط أحمر! تنزل معايا، تتطلب العريس ده بنفسك وتعتذر له عن قلة أدبك، وتثبت لي إن التربية اللي بنيتها فيك سبع سنين مانهدمتش في لحظة طيش مراهقة! تختار إيه؟
حازم اتجمد مكانه.. كان بين نارين. نار كبريائه ومراهقته اللي كانت سايقاه امبارح، ونار الحقيقة المرة اللي واجهته بيها. شاف في عيني لأول
مرة في حياته ست مش ضعيفة، ست مش مستعدة تضحي أكتر من كده على حساب كرامتها.
سكت حازم كذا دقيقة.. الثواني كانت بتعدي عليا كأنها سنين. قلبي كان بيدق بسرعة، من جوايا كنت هموت وأحضنه، كنت خايفة يختار الكبر ويمشي.. بس كان لازم أكون صلبة. الجرح كان عميق، ولو ما خدتش الموقف ده دلوقتي، كنت هفضل طول عمري خدامة وقسوته.
وفجأة.. حازم انهار.
وقعت شنطه من إيده، وركبه خارت على الأرض. قعد على ركبه قدام الباب، وبدأ يبكي بصوت عالي، بكاء طفل صغير مش شاب في ثانوي. حط وشه بين إيديه وقال بصوت مخنوق بالدموع
سامحيني يا أمي.. والاهي العظيم أسف! أنا غبي.. أنا جحدت فضلك عليا. أنا لما سمعت إنك بتتجوزي حست إن الدنيا بتتسحب من تحت رجلي، حسيت إني هفقدك، الخوف عماني والغيرة كلت قلبي، فطلعت مني الألفاظ الزبالة دي عشان أخوفك وأخليكي تفضلي معايا.. أنا أسف يا أمي، ما تطردنيش، أنا من غيرك ولا حاجة!
الدموع اللي حبستها طول
اليوم نزلت من عيني سخنة على خدي.. قعدت جنبه على الأرض، بس ما حضنتوش علطول، مسكت وشه بإيديا ورفعت راسه وقلت له
الخوف ما يخليكش تجرح اللي ربوك يا حازم. الغيرة مش معناها إنك توصف تعبي بإنه مراهقة متأخرة! أنا ضحيت بعمري عشانك، وحرمت نفسي من حاجات كتير أوي وأنا في سن صغير عشان ما أحسسكش بأي نقص.. وكان أقل واجب منك إنك تفكر في راحتي زي ما فكرت في راحتك طول السبع سنين دول.
حازم مسك إيدي وباسها بلهفة وندم شفتهم في عينيه لأول مرة
حقك عليّ وعلى راسي من فوق يا أمي.. والله ما هفتح بؤي تاني، واللي تشوفيه اعمليه. عاوزه تتجوزي اتجوزي، عاوزه ترفضي ارفضي، بس أرجوكي ما تزعليش مني، وما تحرمينيش منك.. أنا عرفت قيمتك صح النهارده، وعرفت إنك الظهر الوحيد اللي ليا في الدنيا.
في اللحظة دي.. حسيت إن الدرس وصل. حسيت إن الشدة اللي اتعاملت بيها معاه، رغم إنها كانت صعبة على قلبي كأم، كانت هي العلاج الوحيد عشان يصحى من غيبوبة الأنانية اللي كان فيها.
حضنته وقعدنا نبكي إحنا الاتنين سوا. كان حضن مختلف.. حضن فيه اعتراف بالفضل، وفيه نضج جديد بين ولد وأمه.
عدت الأيام بعد الموقف ده.. وحازم اتغير 180 درجة.
بقى يصحى بدري يترجي أساعده أو هو يساعدني في البيت، بقى لما يرجع من مدرسته يجي يبوس إيدي ويقولي ترتاحي يا أمي وأنا أعمل الأكل، بقى مركز في دروسه ومستقبله بشكل غير عادي، وكان كل يوم يثبت لي إنه بيتحول لراجل حقيقي، مش مجرد شاب بيفرض رأيه بالصوت العالي.
بعد أسبوعين.. وقعدت معاه في الصالة بعد ما كان بيذاكر، قلت له بهدوء
حازم.. أنا رفضت زميلي في الشغل ومفيش رجوع في القرار ده، مش عشانك ولا عشان خفت منك.. أنا رفضته لأني لقيت إن الفترة دي من حياتك حرج جداً الثانوية العامة، وأنا عاوزة أكون مركزة معاك بنسبة 100 لحد ما تعدي المرحلة دي وندخلك الكلية اللي بتحلم بيها. بس عاوزاك تعرف حاجة واحدة..
بصلي حازم باهتمام وقال إيه هي يا أمي؟
قلت له وأنا ببتسم لما يجي الوقت المناسب.. وأحس إني محتاجة أخد خطوة جديدة في حياتي، أنت أول واحد هتكون واقفي جنبي وهتبارك لي، مش عشان ده حقي بس.. لأ، عشان أنت بقيت الراجل اللي ينفع أتسند عليه بجد.
حازم ابتسم ابتسامة صافية، وقرب مسك إيدي وقال
أوعدك يا أمي.. اليوم اللي تفكري فيه في نفسك وفي سعادتك، أقسم بالله هكون أنا اللي بجهزلك فرحك، وهكون أول واحد يشيلك على راسه. أنتِ ضحيتي بعمرك عشاني، وجاه الوقت اللي أنا رد فيه جزء صغير من جميلك عليا.
السعادة اللي حسيتها في اللحظة دي كانت أكبر بكثير من سعادة أي جوازة! حسيت إن السبع سنين اللي فاتوا مضعوش هدر، وأن العاصفة اللي مرت بينا كانت هي السر اللي صحى جوا ابني النخوة والرجولة والوفاء.
وعرفت ساعتها.. إن أوقات الحنية الزيادة بتفسد، وإن الأمهات محتاجين يدمجوا الحب والرحمة بالشدة والموقف القوي، عشان نربي جيل يعرف قيمة التعب، وما يجرحش قلوب عاشت وتحرقت عشان تنور له طريقه!








