بعد ٤ بنات ربنا رزق جوزي ولد

تسمر محمود في مكانه، ودموعه تسيل في صمت، ونكس رأسه خجلاً أمام ابنة صديقه القديم دون أن يجرؤ على الرد.
دخلنا جميعاً إلى المعمل المخصص داخل المستشفى تحت إشراف طبي كامل. تم سحب العينات من الأطراف الأربعة وللطفلين. خضعنا جميعاً لساعات انتظار طويلة وثقيلة، حتى خرج الطبيب المباشر وبيده التقارير النهائية المعتمدة.
وقف الطبيب وقرأ النتيجة الحسمية:
الطفل الذي تحمله الفتاة الشابة هو الابن البيولوجي الشرعي لمحمود ونادية، بينما الطفل الأشقر هو ابن الفتاة الشابة وحفيد عادل.
انهمرت الدموع في الغرفة، وتقدمت ببطء لأستلم ابني الحقيقي بين أحضاني.
ضممته إلى صدري بقوة، واستنشقت رائحته التي حرمت منها، فشعرت وكأن روحي ردت إليّ بعد طول غياب.
وفي المقابل، أخذت الفتاة الشابة ابنها الأشقر وضمتها بحنان وأجهشت بالبكاء.
نظرتُ إلى الصغير الأشقر الذي أرضعته لعدة أيام، واقتربت من أمه الشابة، ثم قبّلت رأسه وودعته بقلب مدمى، وقمت بتسليمه لها وأنا أقول لها:
— ابنك أخد من لبني ورعايتي… خدي بالك منه، واعرفي إن ملوش ذنب في أي حاجة حصلت.
مسحت الفتاة دموعها وأومأت برأسها بالايجاب.
أخذنا ابننا الحقيقي، وخرجنا من المستشفى وتركنا خلفنا إلهام وبنت عادل. كانت الطريق إلى البيت هادئة، لكن هدوءاً مختلفاً هذه المرة…
هدوء الارتياح بعد انقشاع الغمة.
وصلنا إلى الشقة، واستقبلتنا البنات بصرخات الفرح والزغاريد عندما شاهدن أخاهن الحقيقي الذي يشبههن تماماً. أقمنا العقيقة، وأسمينا الصغير (عمر).
مرت الأسابيع، وعادت الحياة لتستقر تدريجياً في بيتنا. كان محمود يحمل عمر كل يوم، وينظر إلى ملامحه الخمرية الجميلة ويمسح على رأسه بحب حقيقي وخالي من الشكوك، وكأن وجود هذا الطفل أزاح عن صدره جبل الخوف والذنب الذي عاشه.
ظننا أن الصفحات السوداء قد طويت بالكامل، وأننا دفننا الماضي ودفن محمود ذنبه بتنازله عن أملاكه ودفع الثمن كاملاً…
لكن بعد مرور شهرين، وفي يوم جمعة مشمس، ورد اتصال هاتفي مفاجئ لمحمود من مركز الشرطة… اتصال جعل ملامحه تتغير مجدداً ويقف مذهولاً وهو يستمع إلى الطرف الآخر.
أغلق محمود الهاتف ويداه ترتجفان بشكل هستيري، وسقطت السماعة من بين أصابعه لتصطدم بالأرض. ركضت نحوه بقلب مقبوض، ممسكة بـ (عمر) بين أحضاني والبنات يلتفن حولنا بخوف.
صرخت فيه والذعر ينهكني:
— في إيه يا محمود؟ مين اللي بيكلمك من القسم؟ اتكلم يا راجل حرام عليك!
نظر إليّ بعينين زائغتين وقال بصوت متقطع:
— إلهام… أخت عادل… اتقتلت في شقتها!
والشرطة جابت اسمي من آخر اتصالات على تليفونها، وعاوزيني أروح حالا!
أحسست بقشعريرة باردة تسري في جسدي. كيف تقتل بعد كل ما حدث؟ وبعد أن أخذت الحقوق واستردت ممتلكات أخيها؟
توجهنا فوراً إلى مركز الشرطة. كان التوتر سيد الموقف، والتحقيقات تجري على قدم وساق. وبعد ساعات طويلة من التحريات وتفريغ كاميرات المراقبة الخاصة ببناية المتوفاة، ظهرت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد…
القاتل لم يكن غريباً، بل كان المحامي الخاص بإلهام نفسه! المحامي الذي شهد على أوراق التنازل وكتابة الأموال!
أثبتت التحقيقات أن المحامي، بعدما رأى حجم الأموال والمقتنيات الضخمة التي تنازل عنها محمود لصالح ابنة عادل، سال لعابه وطمع في التهام التركة لنفسه. حاول إجبار إلهام على توقيع توكيلات عامة تتيح له التصرف في كل شيء، وعندما رفضت وقاومت، اعتدى عليها بقسوة حتى فارقت الحياة.
أُلقي القبض على الجاني، وتكشفت كل الحقائق أمام النيابة العامة. وفي وسط هذا الركام والحزن، حضرت ابنة عادل إلى القسم، وهي تبكي بحرقة على عمتها التي ربّتها، وكانت تحمل طفلها الأشقر بين يديها.
وقفت الفتاة الشابة أمام محمود، وهي مكسورة الجناح ولا تملك أحداً في هذه الدنيا بعد مقتل عمتها، وقالت بصوت يخنق العبرات:
— أنا بقيت لوحدي يا أستاذ محمود… ماليش غير ابني، ومش عاوزة الفلوس ولا الأملاك دي كلها… الفلوس دي كانت شؤم على الكل من يوم ما اتولدت!
في تلك اللحظة، حدث التحول الأكبر والنهائي في حياة محمود. نزل على ركبتيه أمام ابنة صديقه القديم، ودموع الندم والتوبة الصادقة تتفجر من عينيه، وقال لها بكل تواضع وانكسار:
— أنا السبب في كل اللي حصل من الأول… طمعي زمان هو اللي فتح باب الشيطان والدمار ده كله.
الفلوس والأملاك دي حقك الشكلي والشرعي، وأنا مش هاخد منها مليم واحد… وأنتِ وابنك من النهاردة في حمايتي وفي رقبتي لحد ما أموت. أنتِ أخت لولادي، وطفلك ده هو ابني اللي أرضعته مراتي ورعيناه.
مرت الأيام والشهور، وتبدلت النفوس واغتسلت من أدناس الماضي.
أعاد محمود بناء حياته من جديد، ليس بالمال أو الجشع، بل بالحق والعدل. تكفّل بابنة عادل وطفلها، ووفر لهما حياة كريمة وآمنة بالقرب منا، وصار الطفل الأشقر وزوج ابنة عادل جزءاً من عائلتنا الكبيرة، يتربى جنباً إلى جنب مع ابننا (عمر) وبناتنا الأربع.
أما أنا، فنظرت إلى بيتي المليء بالأطفال والضحكات، وأدركت أن اللعنة لم تكن في إنجاب البنات، ولا في التأخر بإنجاب الولد… بل كانت في القلوب التي لا تقنع، والأنفس التي تظلم.
وعندما عاد الحق لأصحابه، وتطهرت النفوس بالتوبة والفح، أشرقت الشمس أخيراً على بيتنا، وعاش الجميع في سلام وأمان.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








