عندي ٣٥ سنه وانسة

أنا عندي ٣٥ سنة ولسه آنسة، أتقدم لي واحد أرمل معاه ٣ أولاد، وافقت بسبب كبر سني ورضى أهلي والثواب في تربية الأيتام. كسبت حب وثقة الأولاد الحمد لله، وهو بقى كلامه ومعاملته ليا كان دايماً بيستفزني ويحاول يضايقني ويقولي هو أنت أصلاً كان حد هياخدك، أنت كبرت وأحمدي ربنا إني أنا بصتلك ويضحك ويتريق عليا وأنا ساكتة علشان حبيت عياله.
في يوم قالي أنا مش هغير العفش وأنت تجيب الأجهزة جديدة مع أني أنا جايبة كل حاجة ومش ناقصني حاجة، قولتله إزاي مش هتغير العفش هتجوز على القديم؟ قالي أنت كنت طايلة جديد ولا قديم، في الوقت ده رديت بقا بكل قوتي.
البداية أنا اسمي سحر، وصلت لخمسة وثلاثين سنة وأنا بسمع كلمة لسه ربنا مأذنشي من القرايب والرايح والجاي، النظرات كانت بتأكل في جوفي وكلمات الشفقة المزيفة بتدبحني كل يوم.
لما أتقدم لي سامح راجل أرمل وعنده تلات عيال صغار، أهلي قالوا لي يا بت ده لُقطة وستر وتكسبي ثواب في تربية الأيتام دول وأهو قطار الجواز ميفوتكيش أكتر من كده.
وافقت مش بس عشان أرضي أهلي ولا خايفة من كلام الناس، أنا وافقت عشان قلبي حن للعيال الصغار من أول يوم شفتهم فيه، شلتهم في عيني يوسف الكبير ومريم وسيف الصغير، حبوني ودخلوا حضني وكأني أمهم اللي راحت.
كنت بصلح هدومهم وأعملهم الأكل اللي بيحبوه ونضحك سوا، ضحكتهم كانت بتهون عليا أي حاجة، وجهزت نفسي في شهرين اشتريت أحسن الصيني والأجهزة وكأن عروسة عندها عشرين سنة والبيت عندنا كان قايد شمع والفرح فاضل عليه شهرين بس.
الغرور والاستفزاز
بس سامح كان حكاية تانية خالص، كل ما نقعد سوا ولا نيجي نختار حاجة للجواز يرمي الكلمة زي الدبش ويفضل يضحك ببرود يفرس النفس: “هو أنت يا سحر كان حيلتك حد يعبرك، أنت كبرت وخدي بالك يعني أحمدي ربنا إني بصيت ليكي ولميتك من بيت أبوك”.
أحس بنار مولعة في قلبي أبلع الريق بالعافية وأبص لعياله وهم ماسكين في إيدي وأقول لنفسي معلش يا سحر عشان خاطر العيال دول الراجل طبعة قاسي بس ربنا يهديه.
بعد الجواز كنت بسكت والسكوت خلاه يفكر إني حيطة مايلة مالهاش ظهر ولا كرامة، لحد ما جه اليوم الموعود جالي البيت عندنا وقعد حاطط رجل على رجل وبيقلب في كوباية الشاي بمنتهى الاستعلاء.
قال لي بمنتهى البساطة والبرود: “بصي بقى يا سحر عشان نكون على نور من أولها كده أنا مش هغير عفش الشقة، العفش القديم زي الفل ومفيش حاجه هتترمى وأنت بقى عليك تجيب كل الأجهزة الكهربائية جديدة من أول وجديد الثلاجة والغسالة والتكيفات كله على حسابك”.
تنحت وحسيت إن الكلام نازل عليا زي المية السخنة، ردت عليه بهدوء محبوس: “إزاي يعني يا سامح الشقة عفشها قديم ومتهالك ومطرح المرحومة وأنا جايبة جهازي كله وزي الفل وما نقصني قشة، إنما العفش ده شغلك أنت ومسؤوليتك هاتجوز أنا على القديم المكسر ده؟”.
ضحك بصوت عال ومستفز ضحكة رنانة هزت الأوضة واتعدل في قعدته وبص لي بنظرة احتقار وقلة قيمة وقال: “قديم إيه وجديد إيه يا عين أمك، هو أنت أصلاً كنت طايلة جديد ولا قديم، أنت تصدقي نفسك وتغسلي إيدك وضهرك إنك لاقيت راجل يدخلك بيته في السن ده”.
الانتفاضة ورفض الإهانة
في اللحظة دي الزمان وقف، الدم غلى في عروقي والنار اللي كانت مطفية جوايا بقالها سنين ولعت وشرزت، كرامتي اللي داست عليها الأيام قامت نفضت التراب عن نفسها وقفت بملء طولها.
بصيت له ولقيت صورة الراجل المكسور الأرمل اختفت، وظهر قدامي واحد بياع كلام وجاي يستغل طيبتي وقلة حيلتي، وقفت من مكاني والكرسي اتهز ورايا وعينيا كانت بتطلع شرار وصرخت في وشه صوت هز جدران الصالة.
“جرى إيه يا عينيا أنت افتكرت السكوت خوف ولا قلة حيلة؟ أنا كنت ساكتة وببلع لك الزلط عشان خاطر العيال الأيتام دول ولأني بنت أصول، لكن لحد كرامتي وتقف عندك وما تسواش بصلة”.
“أنت فاكر نفسك مين شايف نفسك سي السيد وأنت أصلاً جايبني عشان أكون خدامة ببلاش لعيالك وتوفر ثمن شغالة، فوق لنفسك يا بابا أنا يسوى رقبتك ألف راجل وإذا كنت فاكر إن سنين عمري مكسراني فأنا كرامتي بالدنيا وما فيها وأنت بقا أنت بكبرك بشرك بعفشك القديم ده مش تلزمني”.
انصدم سامح من وقفتي ونبرة صوتي اللي هزت البيت، الضحكة المستفزة اتجمدت على وشّه وعينيه وسعت بذهول كأنه مش مصدق إن سحر الهدية المطاطأة رأسها هي اللي واقفة قدامه بتصرخ في وشّه وبترد له الصاع صاعين.
أمي خرجت تجري من المطبخ على صوتي العالي وأبويا دخل الصالة وهو ماسك عصايته ومخضوض: “في إيه يا سحر صوتك طالع للشارع ليه يا بنت؟”.
سامح اتدارك صدمته بسرعة وتحولت نظرة الاستعلاء لنبرة غل وحقد، وقف وهو بيعدل جاكيت بدلتها وقال لأبويا وهو بيشاور عليا بصْباعه بثقة ومكر: “تعال شوف بنتك يا حاج، تعال شوف العانس اللي فتحت لها بيتي وجاي أستر عليها بتتطاول عليا إزاي وبترفع صوتها في وشي عشان حتة خشبة بدل ما تبوس إيدك وضهر إن جيلها راجل يلمها”.
أبويا بص لي بغضب وقال: “جرى إيه يا سحر أخص عليكي يا بنت الراجل ضيفنا وفي بيتنا اتأسفي لخطيبك حالاً”.
طرد سامح وانهيار البيت
في اللحظة دي حسيت بسكينة غريبة نزلت عليا الوجع اللي كان في قلبي تحول لحديد، بصيت لأبويا بدموع حبساه بالعافية وبعدين لفيت لسامح وقلت بصوت ثابت زلزل القعدة: “أتأسف لمين يا بابا للراجل اللي جاي يشترينا بالرخيص، للراجل اللي بيمشي في الحارة يقول إنه عاطف عليا وستر عليا وهو أصلًا يدور على خدامة ببلاد الفلوس تجيب جهازها من جيبها وتخدم عياله وتغسل رجليه وتستحمل إهانته”.
سامح وشه جاب ألوان وشاط غضب: “أنا ماشي يا حاج وبنتك دي مش تلزمني دي وحدة جاحدة ومش وش نعمة وبكرة تلف حولين نفسك وتترجاني عشان أرجع ألمها ومش هتلاقي اللي يرضى بيها”.
مسكت الشنطة بتاعته اللي كانت على الترابيزة ورميتها تحت رجليه عند الباب وقلت له: “الباب يفوت جمل يا سامح وعفشك القديم وأوهامك إنك سي السيد خليهم ينفعوك ووريني مين اللي هتستحمل جفاك وتيجي تخدم عيالك وتدفع من جيبها كمان”.
خرج سامح وهو بيبرطم وبيخبط الباب وراه بقوة هزت الشقة كلها، أمي قعدت تلطم على خدودها: “يا لهوي يا سحر عملتي إيه يا خايبة حطمتي جليتك بإيدك الناس هتقول إيه طفشت الراجل بعد ما اتفقنا وكل حاجة جهزت والفرح فاضل عليه شهرين”.
وأبويا قعد على الكرسي وهو بيتنفس بصعوبة وزعلان مني جداً: “ضيعتي فرصة عمرك يا سحر مين هيجيلك تاني في السن ده؟”.
قعدت تحت رجلين أبويا ومسكت إيده وقلت له بنبرة مليانة عزيمة: “يا بابا جوازة تكسر كرامتي وتهين أهلي وتخليني خدامة متهانة مش عاوزاها، ربنا خلقني مكرمة والـ٣٥ سنة دول مش عار، العار هو إني أعيش مع راجل يفكّر إنه بيستر عليا وهو بيذلني كل يوم”.
الحزن والألم على الأطفال
عدت أيام صعاب جداً، الشقة اللي كانت مليانة حس وفرحة بقت كئيبة، الأجهزة اللي اشتريتها بدم قلبي وفلوس شغلي كانت ملفوفة ومتركومة في الأوضة تذكرني كل لحظة باللي حصل.
كلام الناس والقرايب بدأ يشتغل زي السوس: “سحر طفشت الراجل عشان كبرت وعقلها ضرب”، “سحر استكبرت على العفش وسابت الأيتام”، كل كلمة كانت بتمر عليا كنت ببلعها وأسكت بس جوايا كان في جرح تاني خالص خالص.








