عندي ٣٥ سنه وانسة

سامح جه مع عيلته وكبارات المنطقة وكتبنا الكتاب في الصالة عندنا، لما المأذون قال بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير سامح قام من مكانه وقرب مني وأمام أبويا وأمي والحضور كلهم وطى على إيدي وباسها وباس رأسي وقال بصوت سمعه الكل: “حقك عليا يا سحر قدام ربنا والناس كلها أنت ست البنات والبركة اللي دخلت بيتي”.
دخول بيت سامح واستقرار الحياة
انتقلت لبيت سامح ومن أول يوم تبدلت الأحوال تماماً، الشقة اللي كانت زمان مكركبة وريحة الهم طالعة منها بقت جنة هادية.
بدأت أنظم حياة الأطفال يوسف بقى يصحى بدري يروح مدرسته وهدومه مكوية ونظيفة وأكله جاهز، ومريم بقيت أقعد معاها وأعلمها ورسمنا سوا في الأوضة الجديدة، وسيف الصغير بقى ينام في حضني كل ليلة وهو ماسك في ثوبي كأنه خايف أختفي.
أما سامح اتغير تغير كلي وجزئي بقا يرجع من شغله بدري يجيب معاه طلبات البيت من غير ما أطلب ويدخل المطبخ يساعدني في إعداد العشاء ويشيل عني سيف لما يلاقيني تعبانة من شغل الحضانة.
الكلام المستفز والضحك البارد اختفوا تماماً وحل محلهم الكلام الطيب والاحتواء، وبقى كل ما يبص لي يقول لي: “ربنا يخليكي ليا يا سحر أنت غيرتي حياتي ورجعتيلي الروح”.
أزمة نادية واقتحام الشقة
بعد شهرين من الجواز بدأت تظهر عقبة جديدة ما كانتش في الحسبان، أهل سامح وتحديداً أخته الكبيرة نادية.
نادية كانت متعودة في فترة يأس سامح وبعد وفاة مراته الأولى إنها هي اللي تمشي البيت وتتحكم في مصاريفه وكانت تاخد من سامح فلوس بحجة إدارة شؤون العيال، ولما أنا جيت واستلمت إدارة البيت كزوجة وأم حست إن البساط اتسحب من تحت رجليها وأن النفوذ والفلوس اللي كانت بتاخدهم اتقطعوا.
في يوم كنت قاعدة في الشقة مع الأطفال بنعمل الواجبات وسمعت الباب بيتفتح بقوة، دخلت نادية وبنتها ومن غير ما تسلم ولا تصبح بصت في الصالة بنظرة تفحص وقرف وقالت بصوت عال ومستفز: “إيه ده يا سحر العفش ده كله اتغير ليه هو سامح لحق يجمع الفلوس دي كلها عشان يجدد لك الشقة وأنا أخته مش لاقية كفايتي، وبعدين الأكل اللي على الترابيزة ده مكلف أوي أنت جاية تصرفي وتخلصي فلوس أخويا اللي تحوشت للأيتام دول؟”.
وقفت بكل ثبات ورسمت ابتسامة هادية على وشي وقلت لها: “أهلاً يا أم عبده نورتي، العفش ده أخوكي جابه بإرادته تقديرًا ليا ولبيته والأكل ده من خير ربنا وخير أخوكي وأنا ست البيت هنا وعارفة مصلحة العيال كويس أوي ومحدش بيخاف عليهم أكدي”.
نادية وشها احمر وقربت مني وقالت بنظرة حقد: “ست بيت إيه يا عين أمك أنت نسيتي نفسك ولا إيه، أنت نسيتي إنك كنتِ عانس ومحدش راضي بيكي وأخويا هو اللي جالك ولمك من بيت أبوكي بلاش تعيشي في دور الهانم أنت هنا عشان تربي العيال دول وتخدميهم وبس”.
في اللحظة دي يوسف الصغير اللي عنده 9 سنين وقف قدام عمتو نادية وقال بصوت طفولي بس قوي: “عمتو نادية عيب تكلمي ماما سحر كده، ماما سحر هي اللي بتعاملنا بحنان وهي أحسن أم في الدنيا”.
طرد نادية وميلاد حمزة
سامح دخل في اللحظة دي وسمع كل الكلام وش سامح انقلب ١٨٠ درجة والغضب ملا عيونه، بص لأخته وقال بصوت رعد: “نادية اطلعي برة بيتي وما تطأش رجلك في بيتي تاني ولا تفتكري إنك لكي سلطة على حد هنا، سحر هي ست البيت وآمرة فيه”.
نادية خرجت وهي بتبرطم وتتوعد وفتحت الباب وراها بقوة، سامح جه عندي وحط إيده على كتفي وقال بحزن: “أنا آسف يا سحر على قلة أدبها أنا هعرف أربيها صح”.
مرت باقي شهور الحمل بسلام ورعاية ودفا، وجاء اليوم الموعود يوم الولادة كنت في المستشفى وأبويا وأمي وافقين برة وسامح واقف ماسك إيدي في أوضة العمليات ومش راضي يسيبني لحظة، ويوسف ومريم وسيف قاعدين في الاستراحة برة مستنيين أخوهم بفارغ الصبر.
ولما الدكتور شال المولود ونطق الآذان في أذنه قال الدكتور: “مبروك يا مدام سحر جالك ولد زي القمر”، سامح بكى زي الأطفال ووطى باس رأسي وإيدي وقال: “حمد الله على سلامتك يا أم حمزة بركة بيتي وست البنات”.
جابوا العيال جوة الأوضة عشان يشوفوا أخوهم الصغير حمزة، يوسف ومريم شالوه بحذر شديد وهما طايرين من الفرحة، ومريم بصت لي وعينيها مليانة دموع وقالت: “شكراً يا ماما سحر إنك جيبتي لنا حمزة نحن بنحبك أوي”.
في اللحظة دي بصيت لأبويا وأمي وشفت الفخر في عيونهم، الـ٣٦ سنة اللي كانوا زمان بيسموها عنس بقت هي السبب في إني أبني بيت من دهب وأحول راجل قاسي لسند والحبيب وأكون أم لأربع أطفال يحبوني من جوة قلوبهم.
محاولة الانتقام والنهاية العادلة
وأنا قاعدة في الأوضة وببص لحمزة وللعيال وسامح تليفون سامح رن برة الأوضة، سامح خرج يرد ورجع وشه مقلوب وأصفر زي الليمونة، بص لي بنظرة قلق وقال بصوت متلخبط: “سحر في مصيبة حصلت في الشقة عندنا برة”.
مسكني من كتفي بكل حرص وقال بصوت مبحوح: “سحر جاري العزيز أبو أحمد بيتصل وبقول إن نادية وبنتها راحوا الشقة ومعاهم حد فتح الباب وبيدوروا على حاجة جوة وبيدوروا وبيكسروا في الأقفال”.
في اللحظة دي حطيت إيدي على إيده وابتسمت ابتسامة هادية جداً ابتسامة ثقة وارتياح، سامح اتفاجئ من رد فعلي وسألني بذهول: “أنت بتضحكي يا سحر دول ممكن يكونوا بيبوظوا الشقة أو بيسرقوا حاجة؟”.
قلت له بصوت واثق وناعم: “اقعد يا سامح واهدا خالص الشقة مفهاش ورقة واحدة ولا مليم يخصهم ولا حتى أوراق الشقة نفسها موجودة هناك”، سامح تنح وقال: “إزاي يعني الأوراق والعقود كانت في الخزنة؟”.
رديت عليه وأنا ببص لحمزة الصغير اللي نايم في السرير جنبنا: “أنا من أسبوع لما حسيت إن نادية وأهل المرحومة ناويين على شر ويدوروا على مشاكل خدت كل العقود والأوراق المهمة وذهبي وفلوس التحويش وحطيتهم في أمانات البنك باسمي واسمك، الشقة مقفولة ومافيهاش غير العفش اللي اشتريناه بفلوسنا وبشهود ورسائل مثبتة، خليهم يدوروا وينبشوا في الفراغ القانون أعمى بس ما بيبصش غير للأوراق والشرعية”.
سامح اتنهد بتنهيدة طويلة خففت كل الهم اللي كان على صدـره وبص لي بنظرة ذهول وإعجاب عمري ما شفتها في عين راجل قبل كده، مسك رأسي وباسها وقال: “يا بختي بيكي يا سحر أنت مش بس ست بيت وحنونة أنت عقل وتدبير يوزن بلد”.
الخاتمة والعبرة
وبالفعل سامح اتصل بالشرطة وبأبو أحمد الجار خلال نصف ساعة كانت الشرطة قابضة على نادية وبنتها في الشقة بتهمة اقتحام ملك الغير والاتلاف، ولما سامح راح القسم مع أبويا أخت نادية كانت بتعيط وتترجى إننا نتنازل عن المحضر.
سامح بص لأخته وقال لها قدام الظابط: “أنا مش هحبسك يا نادية عشان أنت أختي بس من النهاردة أنت مالكيش بيت عندي وخطوة الشقة دي لو اتكررت مش هرحمك، سحر كانت أرحم بيا وبدافع عن عيالي أكتر منك”.
تنازلنا عن المحضر ونادية خرجت مكسورة ومكسوفة من المنطقة كلها، وعرف الكل إن سحر مش بس حنينة على الأيتام دي ست عاقلة وواعية بتعرف تحمي بيتها وأولادها بالقانون والعقل مش بالصوت العالي.
مرت الأيام والسنين كبر حمزة وشاركه يوسف ومريم وسيف كل لحظة، البيت بقى مليان ضحك ودفا وبركة، يوسف تخرج من كلية الهندسة وهو بيشيل شهادته وبيجري عليا قدام الكل ويقول: “الشهادة دي بتاعتك أنت يا ماما سحر أنت اللي عملتيني راجل”.
ومريم اتجوزت وزفيناها من نفس الشقة اللي كانت زمان مليانة هموم، وسيف بقى أجدع شاب يقف جنبي في كل خطوة، أما سامح كان كل يوم يبص لي نفس النظرة اللي فيها امتنان وحب كأنه لسه كاتب الكتاب النهاردة.
وصلت لسن الستين وأنا قاعدة في وسط صالة شقتي المليانة بأحفادي وعيالي الأربعة وبصيت للسماء وقلت: “الحمد لله”.
الحكمة من القصة: الكرامة خط أحمر، السن مجرد رقم، والعانس مش اللي فاتها قطار الزواج، العانس هي اللي بتتنازل عن كرامتها وإنسانيتها عشان تعجب الناس.
لما تمسكت سحر بكرامتها فرضت احترامها على الكل وجبرت الراجل يتغير، الأصل الطيب يغلب الخير والحنية اللي بنزرعهم في الأطفال الأيتام بيقعدوا لنا عيال سامح كانوا السند والدرع لسحر لأنها عاملتهم بقلب أم حقيقية مش باستعلاء.
العقل والتدبير حماية للبيت، الطيبة والحنية لا تعني الغباء أو القبول بالظلم، المرأة الذكية هي اللي تجمع بين الحنان في بيتها وبين القوة والعقل في مواجهة أعدائها وحماية حقوق أولادها.
عوض الله يتأخر ليأتي كاملاً، تأخر الزواج لم يكن حظاً سيئاً لسحر بل كان تدبيراً إلهياً لتنضج وتكون سبباً في إنقاذ عائلة كاملة وبناء بيت هادئ قائم على الاحترام المتبادل.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








